المغرب أمام تحديات تفاقم جرائم الإتجار بالبشر

فاطمة الزهراء كريم الله

Apr 08, 2017

الرباط ـ «القدس العربي»: أضحت ظاهرة الإتجار بالبشر، تشكل أكبر التحديات التي يواجهها المغرب على حدوده الداخلية والخارجية، لعلاقتها بالإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب الإتجار بالأسلحة والمخدرات والهجرة السرية، وذلك بعد الأرقام الصادمة التي كشفت عنها السلطات المغربية بعد ان عملت على تفكيك ثلاثة آلاف وأربعة وتسعين شبكة للإتجار بالبشر ما بين مطلع عام 2002 ونهاية أيار/مايو 2016.
فبالرغم من النصوص التشريعية والقانونية، يبقى المغرب بلد عبور ضحايا الإتجار بالبشر، ومصدر تهريبهم. ويقول فيصل بوزكري المسؤول في وزارة الهجرة والمغتربين في المغرب، ان «عام 2004 شهد تفكيك أكبر عدد من هذه الشبكات بمعدل 425، في حين شهد عام 2016 حتى نهاية أيار/مايو منه تفكيك 19 شبكة».
وأوضح أن «العملية الاستثنائية التي قامت بها المملكة مكنت من تسوية الوضعية القانونية لأكثر من 43 ألف مهاجر، حيث إن أكثر من 80 في المئة من الطلبات تمت الموافقة عليها. لافتا إلى أن الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء بنيت على فلسفة إنسانية أساسها احترام حقوق الإنسان ومحاربة كل أنواع الميز والإتجار في البشر خصوصا أمام ازدياد عدد من المهاجرين الافارقة من بلدان جنوب الصحراء نظرا للموقع الجغرافي للمغرب كممر للهجرة نحو أوروبا».
وأشار المسؤول المغربي، في ندوة نظمت في تطوان حول موضوع الإتجار بالبشر، تحت شعار «المهاجرون والإتجار في البشر: التحديات والمقاربات المؤسساتية» أن المملكة نهجت عدة خطط واستراتيجيات للتصدي لظاهرة الإتجار بالبشر، من ضمنها الاستراتيجية المغربية حول الهجرة القائمة على تسوية أوضاع المهاجرين المقيمين وغير الشرعيين في أراضي المملكة، التي أطلق المغرب مرحلتها الثانية نهاية السنة الماضية. معتبرا أن هذه العملية تشكل مدخلا أساسيا لحماية المهاجرين من الشبكة المتخصصة في جرائم الإتجار بالبشر.

سياسة تضامنية

واعتمد المغرب، منذ بداية 2014، سياسة جديدة للهجرة، حيث عمل على تسوية الأوضاع الإدارية لأكثر من 23 ألف مهاجر غير شرعي وتمكن من خلالها من إصدار 23096 بطاقة تسجيل لصالح المهاجرين.
ووصف الملك محمد السادس، هذه السياسة، بأنها «تضامنية حقيقية لاستقبال المهاجرين من جنوب الصحراء وفق مقاربة إنسانية مندمجة، تصون حقوقهم وتحفظ كرامتهم».
وتحذر ممثلة منظمة الهجرة الدولية في المغرب، فاطمة الزهراء عتبي، من انتشار ظاهرة الإتجار بالبشر في مختلف دول العالم، وتقول «أن أغلب ضحايا الإتجار بالبشر هم من النساء والفتيات إذ تقدر نسبتهن بـ60 في المئة».
وقالت ان «الإتجار بالبشر يأتي في المرتبة الثالثة بعد الإرهاب والإتجار بالسلاح» مشيرة إلى أن «غالبية المهاجرين المتواجدين في المغرب يشكلون أغلب ضحايا هذه الظاهرة، بحكم أن المغرب يشكل منطقة عبور».
وتعليقا على هذه الأرقام، قال عبد الله بوصوف الأمين العام لمجلس الجالية المغربية المقيمة في الخارج، في اتصال مع «القدس العربي»: «أمام هذه الأرقام الصادمة، لابد من التعاون بين كل دول المنطقة، سواء دول شمال افريقيا أو دول الساحل لمواجهة تنامي الظاهرة، قبل أن تستفحل وتخرج عن السيطرة، فالقانون كيفما كانت صرامته، لا يمكن لوحده الحد من مثل هذه الجرائم. إذن فلابد لابد من التوعية والتنبيه والتحسيس بخطورة الظاهرة، مع العلم أن خطورة هذه الظاهرة هي أن غالبية ضحاياها من النساء والأطفال، الذين يتم الزج بهم في يد الحركات الإرهابية والجماعات المسلحة، التي تستعمل هؤلاء كدروع بشرية يتم استغلالها في التجنيد للقيام بعمليات إرهابية».
وأضاف «اعتقد أننا في المغرب بالإضافة إلى القانون، هناك اختيار استراتيجي من خلال وضع سياسة للهجرة، خاصة فيما يتعلق بالمهاجرين الافارقة داخل المجتمع المغربي، وهذا من أحد القرارات المهمة فيما يخص محاربة الإتجار في البشر التي يعمل عليها المغرب».
وصادق البرلمان المغربي سنة 2016 على قانون الإتجار بالبشر في حق مرتكبي هذا النوع من الجرائم، وتضمن القانون، عقوبات مشددة في حق المتورطين في هذه الجرائم خاصة عندما تمس فئة القاصرين، حيث وصلت العقوبات إلى 30 سنة سجنا وغرامة مالية تصل إلى ما يعادل 140 ألف دولار.
وينص مشروع القانون على تجريم جميع أشكال الاستغلال، بما في ذلك الاستغلال في شؤون الدعارة، والاستغلال عن طريق المواد الإباحية، والعمل الجبري أو السخرة، أو التسول أو الاسترزاق أو الممارسات الشبيهة بالرق. كما تضمن المشروع، إحداث لجنة استشارية لدى رئيس الحكومة مختصة في تقديم كل المقترحات إلى الحكومة، ذات الصلة بقضايا مكافحة الإتجار بالبشر.

النساء والفتيات غالبية الضحايا

وجاء في التقرير السنوي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، سنة 2016، أن هناك عشر دول عربية ينتشر فيها الإتجار بالبشر من ضمنها المغرب، مشيرا إلى أن النساء والفتيات يشكلون غالبية الضحايا بنسبة 71 في المئة على مستوى العالم.
وكشف التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية حول «الإتجار بالبشر» لعام 2015، عن تقدم عدد من الدول، من بينها المغرب الذي انتقل من المستوى الثالث، أي الأسوأ في الإتجار بالبشر إلى المستوى الثاني.
وأوضح التقرير، الذي تضمن تقييما لجهود 188 دولة حول العالم، أن المغرب حل في المرتبة 88، لافتا الانتباه إلى أن أكثر الفئات التي تتعرض للإتجار في البشر في المغرب هن النساء اللائي يشتعلن في البيوت، حيث يتعرضن للعمل القسري والاعتداء الجنسي، ويلي ذلك الأطفال ومن ثم الرجال. وأضاف التقرير، أن بعض المغاربة الذين يشتغلون في أوروبا والشرق الأوسط يتعرضون للعمل الإجباري والاستغلال الجنسي، خصوصا النساء اللائي يجبرن على ممارسة الدعارة في السعودية والإمارات العربية، والبحرين والأردن وليبيا وسوريا. مشيرا، إلى أن الافريقيات والآسيويات اللائي يعشن في المغرب بطريقة غير شرعية، يتعرضن للاعتداء الجنسي والجسدي من طرف مشغليهن. ويسجل على أن جهة الشمال والشرق في المغرب، تشهدان أكبر نسبة في الإتجار بالبشر.
وعن عوامل تنامي ظاهرة الإتجار بالبشر وأبعادها السوسيولوجية، قال عالم الاجتماع، عبد الصمد ديالمي لـ«القدس العربي» إن «العوامل الأساسية لتفشي ظاهرة الإتجار بالبشر تكمن في الفقر والهشاشة وعدم تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد، بحيث نرى ان الفئات الفقيرة والهشة هي الأكثر عرضة للاستغلال في مثل هذه الجرائم، خاصة في صفوف النساء والفتيات».
وأضاف أن «من أجل محاربة الظاهرة بالإضافة إلى المقاربة الأمنية، لابد من أن توجد إرادة حقيقية لدى جميع فئات المجتمع في التحسيس والتوعية، والعمل على إخراج وتطبيق القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان، التي تتماشى مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب».
وتبقى ظاهرة الإتجار بالبشر مرتبطة بالفراغ الأمني الذي تشهده العديد من دول افريقيا سواء في الشمال أو في منطقة الساحل. وفي هذا الجانب يقول الخبير الاستراتيجي، الشرقاوي الروداني، لـ «القدس العربي»: أن «انتشار الظاهرة الإرهابية والفراغ الأمني الذي تشهده المنطقة الافريقية، يساهم بشكل كبير في تزايد جرائم الإتجار في البشر بل وحتى الإتجار في المخدرات خاصة مخدر الكوكايين الذي يأتي من أمريكا الجنوبية مرورا بالساحل الافريقي ودول جنوب الصحراء. وأعتقد أن منطقة شمال افريقيا لارتباطها بنقاط الالتقاء بمجموعة من الدول الهشة أمنيا خاصة في الساحل الافريقي، سيكون له تأثير كبير على عدم الاستقرار في شمال افريقيا، كما جاء في تقارير دولية». وأضاف الروداني ان ظاهرة الإتجار بالبشر «مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمسائل الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والسوسيوسياسية، في هذه المناطق، وانها سترتفع أكثر، ولعل آخر الأرقام التي تعلن أنه تم اختطاف أكثر من 300 مئة فتاة في منطقة نيجيريا ومحاولة اختطاف سكان المنطقة وبيعهم خير دليل على ذلك».

قالت إيمان نعيجة، مساعدة برنامج مكافحة الإتجار بالبشر في مكتب المنظمة الدولية للهجرة في المغرب، إنه تم تسجيل 111 حالة إتجار بالبشر في تونس منذ عام 2012، مشيرة إلى أن 95 من هذه الحالات كانت لنساء.
وأضافت نعيجة في ندوة عقدت مؤخرا بمبادرة من وزارة العدل ومكتب المنظمة الدولية للهجرة في المغرب أن كل الضحايا الذين سجلتهم المنظمة هم من دول جنوب الصحراء وساحل العاج.
وتابعت أن هؤلاء الضحايا من الرجال والنساء والأطفال يتم استقطابهم من قبل العصابات الدولية المنظمة في دولهم عبر عقود عمل وهمية ويتم بعد ذلك حجز جوازات سفرهم ليجري استغلالهم في العمل المنزلي والعمل القسري والدعارة. موضحة أن المنظمة وضعت برنامجا لإعادتهم طوعيا إلى بلدانهم وأنه تمت إعادة العديد من الأطفال إلى نيجيريا ومالي وساحل العاج.
وأكد وزير العدل التونسي غازي الجريبي الذي شارك في الندوة على ضرورة تنسيق الجهود الدولية وترسيخ التعاون بين الدول في مجال التصدي للإتجار بالبشر ومكافحته عبر المواثيق والاتفاقيات والشراكة مع مكونات المجتمع المدني وكل المؤسسات الحكومية المعنية.

الإتجار بالبشر

هو جريمة استغلال للنساء والأطفال والرجال لأغراض عدة بما فيها العمل القسري والبغاء. وتقدر منظمة العمل الدولية عدد ضحايا العمل القسري في العالم بـ21 مليون شخص بمن فيهم من ضحايا الاستغلال الجنسي. وفي حين أن من غير المعلوم عدد الضحايا الذين اُتجر بهم، فإن التقديرات تشير إلى حقيقة أن هناك ملايين البشر في ربقة هذه الممارسات المشينة في العالم.
ويتأثر كل بلدان العالم بظاهرة الإتجار بالبشر، سواء أكانت من بلدان المنشأ أو نقاط العبور أو جهات المقصد.
واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2010 خطة العمل العالمية لمكافحة الإتجار بالأشخاص، وحثت الحكومات في جميع أنحاء العالم على اتخاذ تدابير منسقة ومتسقة لهزيمة هذه الآفة الاجتماعية. وحثت الخطة على إدراج مكافحة الإتجار بالبشر في برامج الأمم المتحدة بشكل موسع من أجل تعزيز التنمية البشرية ودعم الأمن في أنحاء العالم. وكانت احدى الأمور المجمع عليها في خطة الأمم المتحدة هي إنشاء صندوق الأمم المتحدة الاستئماني للتبرع لضحايا الإتجار بالبشر، وخاصة النساء منهم والأطفال.
وفي عام 2013، عقدت الجمعية العامة اجتماعا رفيع المستوى لتقييم خطة العمل العالمية لمكافحة الإتجار بالأشخاص. واعتمدت الدول الأعضاء قرارا باعتماد يوم عالمي لمناهضة الإتجار بالبشر. ويمثل هذا القرار إعلانا عالميا بضرورة زيادة الوعي بحالات الإتجار بالأشخاص والتوعية بمعاناة ضحايا الإتجار بالبشر وتعزيز حقوقهم وحمايتها.

المغرب أمام تحديات تفاقم جرائم الإتجار بالبشر

فاطمة الزهراء كريم الله

- -

1 COMMENT

  1. الشعب الصحراوي الغربي كان ولا زال سلعة للمغربة تاجر به وبقضيته.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left