مغامرة الحياة العادية في العراق بين السيطرات

حسام هلالي:

Apr 15, 2017

قبل عام بالضبط. تكللت رغبتي المتواصلة لأكثر من ستة أعوام في الحصول على دعوة رسمية لزيارة العراق. البلد الذي طالما أحببته ورغبت في رؤيته رغم وضعه الأمني غير المستقر. كان الأمر أشبه بهدية تلت عيد ميلادي وبلوغي سن الثلاثين، ورغم أن السفر للعراق متاح خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي شبه الكلي إلا أنني ظللت مصراً أن تكون زيارتي في سياق رسمي يسهل تواجدي كضيف على البلد لا تحوم حوله شبهات أمنية.
لكن الدعوة الموجهة إلي بحد ذاتها كانت تحوي قدراً كبيراً من الإشكالية، فرغم أنها وجهت إليّ كشاعر لحضور مهرجان «هنا العراق» الشعري، إلا أنها جاءت من أكثر الهيئات العراقية إثارة للجدل في الشرق الأوسط: هيئة الحشد الشعبي. قبولي للدعوة جاء بصيغة براغماتية بحتة، لفعالية أدبية.
كان الوضع الأمني للبلد أمراً لا يمكن إغفاله، فلا يمر شهر دون أن تشهد إحدى مدن العراق تفجيراً انتحارياً أو هجوماً بسيارة مفخخة يستهدف المدنيين حتى خارج مناطق الحرب في شمال البلاد، ورغم الطمأنينة التي قد يمنحها التجول في المدينة ضمن رتل من السيارات المصفحة والمدججة بالسلاح وجنود القوات الأمنية، إلا أنها طمأنينة زائفة بوصف هذه التحركات لافتة للانتباه كأهداف متحركة للإرهابيين. إلا أن الميزة الإيجابية للتنقل ضمن رتل أمني لا يمكن نكرانها والمتمثلة في سهولة الحركة في مدينة مدججة بالسلاح ومزروعة في كامل شوارعها الرئيسية بالأسوار الاسمنتية والحواجز الأمنية التي يطلق عليها العراقيون تسمية: السيطرات.
تشكل السيطرة الركن الأساسي لنظام الحماية الأمنية داخل المدن والطرق السريعة الواصلة بينها على حدٍ سواء، ورغم ما تمثله من عنصر حافظ للأمن إلا أنها تشكل عبئاً مضاعفاً كونها أهدافاً بحد ذاتها. إضافة إلى الزحام المروري الذي يسببه توقف طوابير السيارات قبل العبور منها. المركبات التي تتحول بسهولة إلى أسلحة تستهدف المدنيين والعسكريين بشكل عشوائي مثير للرعب.
ما ينجح فيه الإرهاب ليس فقط قدرته على إيقاع أضرار جسيمة على الأرواح والممتلكات ولكن بشكل أكبر إضرار حالة السلم الأهلي وتدمير الثقة بين المواطنين بعضهم البعض، وتغيير خارطة المدينة ومعالمها، حيث لا يمكن للسائح – إذا كانت هنالك صفة مشابهة في العراق – أن يزور أبرز معالم المدينة الفنية، كنصب الشهيد، القبة الفارسية الزرقاء المقسومة إلى شقين والعمل الأبرز للنحات العراقي إسماعيل الترك لوقوعه في المنطقة المحاذية لوزارة الداخلية التي يمنع عبور المشاة منها، وعندما قررت زيارة نصب الحرية تحفة الفنان العراقي جواد سليم الواقعة في ساحة التحرير صادف ذلك تجمهر مئات من أنصار المرجع الشيعي مقتدى الصدر في تظاهرة سلمية لم أستطع أن أمنع عن ذهني مدى المشابهة بينها وبين اعتصامات ميدان التحرير الذي يحمل نفس الاسم والدلالة في القاهرة، بل إنني عدت إلى أجواء مشابهة لتلك التي تلت ثورة 2011 عندما قام المعتصمون بالساحة بوضع حواجز تفتيش متتالية من المدنيين لتفتيش كل من يعبر بالساحة المحاطة بالقوات الأمنية وهو ما درج بتسميته في مصر باللجان الشعبية في صورة مثيرة للنوستالجيا.
لم أستطع مقاومة خوض مغامرة الحياة العادية للعراقيين. كنت أنتظر انتهاء فعاليات المهرجان للعودة إلى الفندق الذي أقيم فيه بحي الكرادة في بغداد المفعم بالحياة وأتوجه للمقاهي والمطاعم التي تعج بالمرتادين. إضافة لرغبتي في اكتشاف حياة الليل في البارات التي أدهشني وجودها في هذه الجمهورية الطائفية المحافظة، إضافة لمحلات بيع الخمور في شارع السعدون إحدى مناطق تكتل مسيحي بغداد، وشعرت بشيء من الانتصار في قدرتي على التجول سيراً على الأقدام لكيلومترات عديدة. لكنها لم تكن بالرحلة الخالية من المتاعب.
أحد تلك المواقف نجم أثناء تسكعي فوق أحد جسور نهر دجلة الواصلة بين ضفتي بغداد: الكرخ والرصافة، فعندما قررت التقاط صورة فوتوغرافية لأحد المباني الحكومية التي كانت تحوي لافتتها خطأً إملائياً فادحاً غير متوقع في مدينة عريقة كبغداد انتبه أحد المارة من المدنيين لما أفعله وسبقني بخطوات متسارعة إلى نهاية الجسر حيث قام بالصياح لافتاً انتباه جنود الأمن في الحاجز الأمني الكامن في مدخل الجسر ونبههم كمواطن غيور على الأمن إلا ما أفعله بوصفي غريباً يلتقط الصور للمنشآت الحكومية. خصوصاً أنها كانت منشأة خارج حصن المنطقة الخضراء المعزولة عن المدنيين والتي تحتوي كل المباني الحكومية الرئيسية كمقر رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية والبرلمان إضافة إلى السفارات الأجنبية، الأمر الذي انتهى بإيقافي من قبل رجال الأمن الذين كانوا في وضع يسمح لهم باعتقالي وتفتيشي لولا وضعي المتميز، فما أن قمت بإخراج جواز سفري كما طُلب مني حتى قمت بجاهزية فورية بفتح الصفحة التي تحوي تأشيرة دخولي للعراق التي كانت تحوي في خانة مقدم الدعوة : هيئة الحشد الشعبي، ليتم التعامل معي فوراً باحترام بالغ بوصفي ضيفاً عزيزاً لا يمكن الشك فيه، فيضطر المواطن الذي وشى بي للاعتذار.
إلا أن هذا الوضع الخاص الذي كنت متمتعاً به خلال زيارتي لكل مدن العراق العربية، بغداد وتكريت وكربلاء سرعان ما تراجع وتحول إلى أزمة عندما قررت السفر إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي، ورغم تجنبي للسفر البري شبه المستحيل إلى الإقليم واستقلالي لرحلة جوية داخلية من مطار بغداد إلى أنني تعرضت للإيقاف من قبل ضباط الأشاوس، الجهاز الأمني الخاص بالإقليم، رغم أن تأشيرة دخولي ذات وضع فيدرالي يسمح لي بدخول كل مدن العراق. لكن صدورها من الحشد الشعبي جعلني عرضة للاستجواب عما إذا كنت متطوعاِ في الحشد، بل إن الضابط الذي تولى مهمة استجوابي سألني بشكل صريح لم أتعرض له إلا في الضاحية الجنوبية في بيروت من قبل جنود حزب الله إذا ما كنت شيعياً، وشكلت إجابتي بوصفي سنياً إرباكاً أكبر للضابط الكردي السني الذي جعلني أنتظر في مقاعد الانتظار حتى تم التأكد من سلطات مطار بغداد من صحة تأشيرتي، لأدخل إلى المدينة مدركاً أنني الآن خارج فقاعة الحصانة رغم أنني لا أزال على أراضي جمهورية العراق.
على النقيض كانت أربيل وبقية مناطق كردستان السياحية التي زرتها بيئة تتمتع بقدر كبير من الأمان رغم الواقع الجغرافي المثير للمفارقة بوصفها منطقة متاخمة لمناطق سيطرة «الدولة الإسلامية» والحرب التي تشهدها. الأمر الذي أثار في ذهني حيرة شديدة والعديد من التساؤلات حول حقيقة هذا الوضع السياسي والعسكري المتناقض. يزيد منه واقع احتضان كردستان لعشرات الآلاف من النازحين العرب من مناطق الحرب مع «الدولة» في تغير ديموغرافي غير مقصود عزز من اختلاط المواطنين الأكراد بأشقائهم العرب في بلد يعاني من فوضى من المذاهب والانتماءات العرقية والدينية. استطعت بأعجوبة العودة منه سالماً لا وبل سعيداً بزيارته كمغامرة بالغة الاعتيادية.

مغامرة الحياة العادية في العراق بين السيطرات

حسام هلالي:

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left