رؤية للحل في ليبيا قد تُمهد لوساطة عُمانية

رشيد خشانة

Apr 15, 2017

 ثمة مقالات لـ»مُحللين» تبدو رصينة ومُحايدة، ثم لا يلبث أن يتضحُ أنها بالون اختبار تُطلقه جهات رسمية لقياس ردود الفعل على مبادرات تُعدُها في الخفاء. ومقال الصحافي ريتشارد غالوسيان عن آفاق الحل السياسي في ليبيا، الصادر أخيرا في صحيفة «تايمز أوف عُمان»، هو من هذا النوع.
فالصحافة في السلطنة «مُنضبطة» ومنسجمة مع أصحاب القرار، وكاتب المقال مُقرَبٌ من دوائر القرار في مسقط، لذا فهو لم ينطق عن هوى، خاصة أن المقال صدر في صحيفة ناطقة باللغة الانكليزية وليس في صحيفة ناطقة بالعربية، لأنه مُوجهٌ للخارج، وتحديدا للأطراف المؤثرة في الملف الليبي.
اعتادت سلطنة عُمان منذ فترة بعيدة على استخدام تكتيك الاستشعار عن بُعد، لا سيما أنها «تخصصت» في دبلوماسية الكواليس، إذ تقوم بأدوار في العمق، بعيدا عن أنظار الإعلام، لجمع الأعداء أو الغُرماء حول طاولة واحدة. هذا ما فعلته بين الأمريكيين والإيرانيين في 2013، تمهيدا لمفاوضات رسمية لاحقا حول البرنامج النووي الإيراني، وبعد ذلك بين الفريقين اليمنيين المُتحاربين، بفضل علاقاتها المتينة مع الحوثيين، ما شكل تمهيدا لمحادثات جنيف، وقبل ذلك بين العرب والإسرائيليين. كما حافظت السلطنة على علاقاتها مع الرئيس السوري بشار الأسد على عكس دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.

دور محوري؟

الأرجح أن الرؤية التي يطرحها الصحافي غالوسيان، المعروف بدفاعه عن السلطنة، ليست بعيدة عما يُخالجُ أفكار صُنَاع الدبلوماسية العُمانية في شأن المخارج الممكنة من الأزمة الليبية. ورأى غالوسيان أن أنصار الزعيم السابق معمر القذافي، وتحديدا أسرته، يمكن أن يلعبوا دورا محوريا في تشكيل هيئة للحقيقة والمصالحة، على غرار ما عرفته افريقيا الجنوبية بعد القضاء على نظام الفصل العنصري. واستطرادا اعتبر أن غالبية رؤساء القبائل ما زالوا مُؤيدين للنظام السابق، وأن في وسعهم أن يقوموا بمحاولة لتوحيد البلد، بدعم من الجنرال خليفة حفتر، وبمنأى عن حكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج. وزاد غالوسيان أن إخلاء سبيل سيف الاسلام القذافي، الذي كان معتقلا في الزنتان، جعل التساؤل عن الدور الذي يمكن أن يلعبه في بلد مُمزَق منطقيا ووجيها. وأشار إلى أن سيف الاسلام دائم التواصل مع أشخاص داخل ليبيا وخارجها، لعرض خطته لإنقاذ ليبيا عليهم.
أكثر من ذلك، جزم غالوسيان أن نجل العقيد القذافي يلعب حاليا في الملعب القبلي مُستندا إلى القبائل التي كانت تدعم والده، والتي تعتبره قادرا على قيادة عملية مصالحة شاملة. في هذا السياق يعتقد غالوسيان أن الوحيد الذي يمكن أن يساعد سيف الاسلام على هذا الدور هو الجنرال حفتر «بحكم علاقاته المتينة مع قبيلتي ورفللة، كبرى القبائل الليبية، وورشفانة اللتين كانتا تؤيدان القذافي الأب وتُعارضان حاليا الجماعات الإرهابية، وكلا القبيلتين من المنطقة الغربية».
ويقول غالوسيان أيضا إن القبائل تعتقد أن في وسع جماعة القذافي إيجاد ترتيب مع الأطراف الليبية الأخرى من أجل الصفح عن الجرائم المرتكبة منذ 2011، لا سيما أن بعض المؤشرات على هذا التقارب بدأت تظهر، مع إخلاء سبيل شخصيات من رجال النظام السابق أخيرا، بعدما ظلوا في السجن نحو ست سنوات. وتطرق غالوسيان إلى دور عائشة معمر القذافي التي قال عنها إنها تستقطب الأضواء أيضا، مُعتبرا أنها تستطيع العمل إلى جانب شقيقها لمدِ أيديهما إلى كافة الليبيين، لاسيما أنها كسبت دعوى لدى محكمة العدل الأوروبية ضد العقوبات التي أقرها مجلس الأمن الدولي في حق النظام الليبي السابق، ما يُشكل حسب غالوسيان، مؤشرا إلى احتمال الإفراج عن أموال النظام المُجمَدة، وهي في النهاية أموال الشعب الليبي وتُقدر بمليارات الدولارات.  

تجاهل للنخب الجديدة
إلى هنا تنتهي «أفكار» المُحلل، وهي نقاط تتطابق مع السياسة التي توختها سلطنة عُمان إزاء الملف الليبي حتى الآن، ومن أبرز معالمها استضافة أفراد من أسرة القذافي أبرزهم عائشة، بعدما غادرت منفاها الاختياري السابق في الجزائر. وعلى الصعيد السياسي تُقاطع السلطنة النخب الليبية الجديدة، التي أطاحت القذافي ونظامه. ومن هنا يبدو أن الموقف العُماني ماض في رفض الاعتراف بالقوى الليبية المُنبثقة من انتفاضة 17 فبراير 2011 والتمسك بما تبقى من اللاعبين السابقين في الساحة الليبية. وهذا يعني إعادة عقارب الساعة عشر سنوات إلى الخلف، أي إلى مشروع «ليبيا الغد» الذي تزعمه سيف الاسلام في عهد والده، واعدا بسن دستور وإدخال إصلاحات بنيوية على النظام السياسي، لكنه فشل فشلا ذريعا حين قرع والده الجرس إيذانا بنهاية الفسحة الانفتاحية. بهذا المعنى يُشكل احتضان أفراد من أسرة القذافي (أساسا أرملته وابنته) احتضانا سياسيا لمشروع «مصالحة» يُفضي إلى غسل جلابيب أركان النظام السابق وإعادتهم إلى السلطة. ولا يُشير مشروع غالوسيان إلى دور القوى الفاعلة الأخرى في المسرح الليبي، إذ أنه يتناسى أن ثلاث قوى رئيسية تتحكم حاليا بالمصير الليبي، وهي التالية:
* المعارضون السابقون للقذافي ومنهم الجنرال حفتر وغالبية أعضاء البرلمان (مقره في طبرق).
* الجماعات الإسلامية التي تسيطر على كل من طرابلس ومصراتة.
* أنصار النظام السابق الذين لا يمكن تجاهلهم أو إقصاؤهم، بشرط ألا تكون أياديهم مُلطخة بالدماء أو يكونوا ضالعين في الفساد.

جلادون وضحايا

أما مسار الحقيقة والمصالحة فلا يمكن أن يقوده أنصار النظام السابق، لأن أسس العدالة الانتقالية في التجارب المماثلة عبر العالم، تقوم على منح الفرصة لضحايا القمع كي يكشفوا عن الحقائق ويخلعوا الأقنعة عن الجلادين، وليس على أن يتولى قيادة العملية عُتاة النظام الراحل. من هذه الزاوية تشكل التجربتان الجنوب افريقية والتونسية نموذجين لمصالحة لا تُعيد النظام المخلوع إلى سدة الحكم، ولا تستأصل أيضا من عمل في أجهزة الدولة طيلة فترة الاستبداد، التي استمرت، في ظل حكم القذافي المديد، اثنين وأربعين عاما. وبتعبير آخر لا يمكن تجليسُ الجلاد في مقعد الضحية، وإنما ينبغي اجتراح عدالة انتقالية حقيقية، تكون مُقدمة لحوار شامل بين قوى سلمية لا إقصاء فيه ولا استثناء، كي يتيسَر سنُ دستور جديد وإجراء انتخابات عامة حرة وشفافة تُعيد السيادة لمن انتُزعت منه بانقلاب عسكري ذات يوم من سنة 1969.
 كاتب تونسي

رؤية للحل في ليبيا قد تُمهد لوساطة عُمانية

رشيد خشانة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left