اللغة العربية والقومية العربية الحديثة

د. نورالدين ثنيو

Apr 15, 2017

حول صلة اللغة العربية بالقومية العربية الحديثة، يمكن القول إن اللغة العربية طُلِبَت لمحاولة توكيد نزعة أيديولوجية برسم الاستقلال عن الدولة العثمانية، ثم عن الاستعمار والنزعات الإقليمية.
فقد كان المطلوب هو القومية العربية وليس اللغة العربية كوجود ذاتي تستطيع أن تنجز متطلبات العصر الحديث والمعاصر. فتوكؤ النزعة القومية على عامل اللغة العربية هو اقرب إلى الاستنجاد السياسي بها للاستقلال عن الدولة العثمانية، ولم تكن عن مقصد معرفي، طغت عليه ايديويوجيا بدل إبستومولوجيا اللغة كعامل حيوي لازدهار الشخصية العربية، في كل مكوناتها الدينية والاجتماعية والتاريخية وتطلعاتها المستقبلية، خاصة على مستوى طريقة التعامل مع العالم وتنوعه الحضاري والثقافي، حيث اخْتُزِلت اللغة العربية إلى بعدٍ واحدٍ هو، قومية السلطة السياسية، استغلتها الأحزاب والتنظيمات السياسية ذات التوجه القومي، التي كانت في حقيقة الأمر توجهات إقليمية، لأنها كانت تدعو وتروِّج للدولة الإقليمية.
فقد أفضت النزعة القومية إلى نوع من الانكفاء على الذات العربية، واستغلالها ليس ضدا على من ليسوا عربا، بل ضد العرب أنفسهم، عندما تشكلت الأحزاب القومية والبعثية والعروبية، ضد بعضها بعضا، كشفت في نهاية التحليل عن سوء استخدام اللغة العربية كلغة تداول وسيمياء للعالم العربي والإسلامي والدولي، عندما راحت كل دولة عربية إلى احتكار اللغة العربية وتضمينها البيانات السياسية التي تصدر عن الأحزاب والحكومات العربية، التي تؤبد الحاكم والسلطة ولو ضد منطق الدولة المدنية الحديثة.
والحقيقة، كما يشهد على ذلك تاريخ الحضارة العربية، أن التوكيد الحصري على اللغة العربية في تثبيت الذات والهوية، على ما يرى القوميون العرب طوال القرن العشرين تقريبا، فيه افتئات على قوة وفاعلية اللغة العربية، التي لم تتحدد في منطلقها وخاصيتها على إقليم جغرافي محدد، بل هي دائما برسم الانفتاح، سواء بالدين أو الحضارة أو معاني الكلمات. فقد واصلت اللغة العربية إمداد المراكز الحضارية التي جاءت بعد حضارة العرب بالمعاني والدلالات والحكمة والأثر البالغ، في إعادة تشكيل قوميات ومجتمعات جديدة شكّلت اللغة العربية قوامها الجوهري، إن على صعيد فهم وإدراك رسالة الدين الإسلامي واستيعاب الإنجازات العلمية والفكرية المتوارثة عن حضارة العرب في عهدها الكلاسيكي، كما حدث مثلا لحضارات أخرى في العديد من المناطق الآسيوية والإفريقية، إضافة لفضل العربية على النهضة الأوروبية الحديثة. وعليه، فقد توقفت اللغة العربية في المثال العربي عن العطاء الريادي، لكنها تواصلت مع بقية الحضارات التي جاءت في أعقاب حضارة العرب الكلاسيكية، واستفادت من دلالات ومعاني الوضوح والأمر البين، كما جاء في رسالة القرآن الكريم، كشفت في نهاية التحليل والمطاف عالمية الرسالة وتأبيِّها عن الانكفاء أو الدعوة القومية الحادة التي ترمي إلى الاستغلال لخاصية الوضوح للغة العربية.
واليوم، ليس هناك إطلاقا ما يحول بين العرب وإمكانية استعادة امتلاك خاصية الوضوح في اللغة العربية لإدراكها واستيعابها، عبر التداول العام والإبداع والخلق في كافة المجالات والحقول العلمية الفنية، الإعلامية، التكنولوجية وإعادة إصلاح الخطاب الديني والسياسي، وفق إيقاع العصر الفائق، ووتيرة العولمة التي تقتضي انفتاح المشاريع والبرامج والخطط وحتى الدعوات إلى ما هو عالمي وإنساني.
إن التعويل الحصري على اللغة العربية من قبل القوميين العرب، كما سبقت الإشارة، كان في موضع الاستنجاد بها وليس للإبداع والإنتاج المعرفي والثقافي، بل كان التعويل على اللغة محمَّلا بالبطانة السياسية الظرفية للخروج في البداية من الأسر العثماني، ثم صارت بعد ذلك تعاند في توظيف اللغة في تمجيد الدولة والحزب والقائد، وعلّقت كل شيء على السلطة، ولم تراع التَّنوع والاختلاف والكثرة التي تزخر بها المجتمعات والشعوب العربية. وهكذا، فقد خلفت مزاحمة السياسة للغة واستغلالها، إلى النيل من عبقرية اللغة العربية في لحظتها الحديثة، عندما تمت مضايقتها وحشوها بمفردات وكلمات مبهمة وملتبسة، يصعب استيعابها بتلقائية ويسر، نشير إلى تعريب المفردة الأجنبية بأكثر من معنى، أو ما دون المعني أو إلى معنى خاطئ أصلاً، فضلا عن الأثر السلبي الذي تركته الحروب العربية العربية، والخلافات السياسية والمماحكات والسِّجالات بين الأنظمة العربية الحديثة، التي قلمّا امتلأت أجهزتها بقيم ومبادئ وطرق تسيير الشأن العام والدولة المدنية على أسس من التناوب والديمقراطية.
تعامل القوميون العرب مع اللغة العربية كهوية حَصْرية لهم، وهذا ما أدّى إلى الافتئات على قوة وقدرات ومكامن اللغة العربية في عصرها الحديث، الذي يجب أن تنفتح عليه، الأمر الذي أفرز ظاهرة الأدب العربي في المهجر خارج البلاد العربية التي سادت فيها أحادية السلطة والحكم، على امتداد التاريخ العربي الحديث والمعاصر، فضلا عن رصيد اللغة العربية في المجال العلمي والمعرفي الذي قدّمته الجامعات الأجنبية في العالم العربي.
اللغة العربية لغة تأبى المحلية، وتَندُّ عن القبيلة والعشيرة والقطر، بل تطلعت وما زالت إلى ما هو واضح وبيّن في كل بقاع العالم، لتتجاوب مع رسالة القرآن الكريم الذي انفتحت معانيه على آفاق الدنيا والتاريخ والآخرة، واستمرت دلالات آياته حتى مع أجناس من غير الجنس العربي. وفي هذا المعنى يرى الشيخ صبحي صالح «اللغة العربية، ليست فرعا من اللغات الإنسانية، فهي جميعا تتبادل التأثير والتأثر. وهي جميعا تُقْرِض غيرها وتَقْتَرض منه متى تجاورت أو اتصل بعضها ببعض على أي وجه، وبأي سبب ولأي غاية… ولم يكن ما أدخلته (العربية) من الألفاظ الأجنبية قليلا، لأنها عربت منه الكثير قبل الإسلام، حتى رأيناه في لغة الشعر الجاهلي، وقرأناه في سور القرآن، واستخرجناه من بعض الحديث النبوي، ثم عرّبت منه الكثير بعد الإسلام».
ومن هنا، فالتحدي الداهم للغة العربية، بناء على ما تقدّم، هو في المأزق العربي الراهن الذي يظهر تعدُّد أنظمة حكم عربية تتعامل مع لغة عربية واحدة. والدعوة هنا ليس إلى تعدد استخدام اللغة العربية إلى توحيد النظام السياسي لتتحرر تبعا لذلك اللغة العربية. وللتوضيح أكثر نقول، إن نظاما عربيا لا يتصرف مع اللغة العربية بما يتصرف به نظام عربي آخر.. ومن هنا وجه الإرباك واللبس في استخدام الكلمات وما تحمله من شحنة وحمولة أيديولوجية وسياسة وطنية ظرفية. ونأخذ على سبيل المثال النظام العربي الليبي كما حاول أن يجسده معمر القذَّافي، ونشير إلى دور اللغة في انهيار حكمه. فقد عمد منذ بداية عهده بالحكم إلى تغيير المصطلحات المتداولة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحتى في الدبلوماسية الدولية، ونظّر للمسألة الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية في وثيقة أيديولوجية أطلق عليها «الكتاب الأخضر»، الذي أراده نظرية عالمية ثالثة يتجاوز بها النظرية الرأسمالية والنظرية الاشتراكية، من دون أن يشير إلى الخلفية التاريخية والفكرية التي تستند إليها النظرية الثالثة في مجتمع ليبي متخلف متوارث عن لحظة انهيار الحضارة العربية لعصرها الذهبي. لكن وجه السقوط وانهيار نظام القذَّافي جاء من إخفاقه في ترسيخ مفردات الكتاب الأخضر وممارسته السياسية، التي تبين في نهاية المطاف أنه أراد من خلال قاموسه الفاشل أن يغطي على المعاني الواضحة والبَيّنة في مفاهيم الفكر السياسي الحديث والمعاصر، ثم أن ثورة الشعب الليبي ضد الزعيم القذَّافي تمثلت في قدرة الشعب على احتفاظه بمعاني الكلمات والمفاهيم المتداولة في العالم، ولم تتمكن منه مصطلحات خطاب الكتاب الأخضر التي فقدت وهجها وبريقها الأول مع بداية الانقلاب عام 1969، لماّ تسلم الحكم.
وهكذا، انهار النظام الليبي بسبب غياب النظام السياسي ذاته، لأن ما حاوله الزعيم القذَّافي هو استمرار للغة الانقلاب في عصر مفارق تماما لها، الأمر الذي صار يعني الفوضى الواضحة.
وهكذا، فعندما تستقل اللغة العربية عن النظام السياسي العربي المتخلِّف، تزدهر الكلمات ومفردات القاموس العربي ويتسع دورها ووظيفتها لتعبر عن الإنسان بصيغة الجمع والفرد، وعن المجتمع كأمة من الأفراد، كمواطنين لدولة قوام وجودها الأفراد ذاتهم. ويوضح هذه الحقيقة الشيخ محمد المبارك على النحو التالي: «إن اللغة حادثة اجتماعية… اللغة متصلة بحياة شعب من الشعوب تنتقل معه في الآفاق المادية والمعنوية، ترسم فيها صور بيئته الخصبة أو الوعرة.. وتنعزل معه إذا هو انعزل، وتختلط بغيرها إذا هو اختلط بغيره من الشعوب، ثم هي ترافقه في آفاق حياته الفكرية، فتنخفض فلا تسجل إلا الحسيات، وتُحَلَّق إذا حلّق الشعب في آفاق التفكير العلمي والفلسفي».
كاتب وباحث جزائري

اللغة العربية والقومية العربية الحديثة

د. نورالدين ثنيو

- -

1 COMMENT

  1. وما تقول بشأن اللغة العربية التي حماها رجال من أصحاب الزوايا والمساجد ؛ كقوّة مقاومة وهوية أمة حرّة ؛ ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left