الرأسمال يبحث فرصة أرباحه ببناء بلداننا المدمرة والمخرجة اللبنانية عساف تسأل من يبني دمار استعباد 75 فتاة؟

زهرة مرعي

Apr 15, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: كي لا يطوي النسيان عذابات 75 فتاة سورية تمّ استعبادهن على مدار سنوات في تجارة الجنس، كان العرض المسرحي «لا طلب لا عرض» في الجامعة الأمريكية في بيروت، من ضمن فعاليات مؤتمر دولي ناقش إعمار ما بعد الحرب في سوريا، وفلسطين، والعراق واليمن؟ قد يُبنى الحجر سريعاً، لكن من يبني نفساً بشرية اختُرقت في يوم استعباد غير مزدهر أقله 15 مرة؟
سحر عساف الأكاديمية في الجامعة الأمريكية، المخرجة والممثلة تجيب على السؤال: لماذا أخذت على عاتقك استعادة الجريمة البشعة؟ كثر هزّتهم الجريمة وأنا منهم. لازمت خيالي طويلا. سريعاً طواها النسيان كما حالنا الدائم، جريمة تمحو أخرى. شخصياً لم أنس. راودتني أفكار أنفذها من خلال سلاحي كمخرجة وممثلة. ولأن مؤتمراً كان مقرراً في الجامعة الأمريكية للبحث في إعمار ما بعد الحرب في سوريا، وفلسطين، والعراق واليمن، فكرت في دور لي. طرحت فكرتي ووافق المنظمون، وكان للعرض تمويل متواضع فهو غير مُكلف. اهتمامي بالعرض نبع من رغبي كمواطنة في فهم تلك القضية. بدأت البحث عبر الصحف، لفتني ما كتبته رانيا حمزة في «ليجال أجندة» تواصلنا وأطلعني على المزيد من خلال مقابلات مباشرة أجرتها مع الفتيات. أفضى بحثي إلى أن وسائل الإعلام جميعها لم تأت على سيرة «الزبون». تناول الإعلام عذابات الفتيات، وغياب القانون، وقائد العصابة المباشر عماد الريحاوي، طبيب الإجهاض والأمن العام المتواطئ. وحده «الزبون» بقي غائباً. في حسابات رياضية بسيطة يتبين أن عدداً هائلاً من الرجال اللبنانيين كانوا يرتادون المكان المعروف بـ»شيه موريس وسيلفر» فتظهر أرقام مالية مخيفة. فالفتيات صرّحن أن اليوم غير المزدحم يعني استقبال 15 زبوناً للواحدة. بضرب 15 زبوناً بـ 7 أيام و75 فتاة ـ مع العلم في نهايات الأسبوع والأعياد يرتفع منسوب العمل ـ ندرك أن «البزنس» يدر على عماد الريحاوي ما لا يقل عن مليون دولار شهرياً. فمن داعمه الأول؟ هم الرجال. «لا طلب لا عرض» عندها سيبحث القواد عن عمل آخر وغير شرعي. وربما توقف عن جلب الفتيات من سوريا، واستعبادهن، وضربهن بما لا يتصوره عقل بشري. نقطة الزبون أردت الإضاءة عليها.
تضيف سحر عساف أن دراسة لمنظمة «كفى» شكلت العمود الفقري للعرض. وتقول: عنوان الدراسة «ما يقوله مشترو الجنس» أو استكشاف الطلب على الدعارة. اجريت الدراسة سنة 2011 ونشرت سنة 2014. قال الرجال في دراسة «كفى» أنهم كانوا يدركون أن الفتيات يضربن، وممنوع الاعتراض على طلب الزبون. ويعرفون تماماً أن الفتيات محتجزات، وأن الحرب، والفقر، والظلم، أو زوج باعها هو السبب. وأحدهم يرتدع عن شراء الجنس. ليس اللوم جميعه على «الزبون» لكنه حلقة أساسية، مع العلم أن القانون اللبناني في موضوع الدعارة يجرم المرأة ولا يطال الرجل.
بالسؤال عن التركيز الإعلامي وما هو العنصر الأكثر جاذبية حضور الزبون أو حضور الفتيات؟ تؤكد عساف: طبعاً الفتيات وإعلام آخر قام بدوره المطلوب، لكنه لم يضئ على الزبون. سيرة الفتيات أكثر تسويقاً للمطبوعة. في رأيي أن الـ75 فتاة كنّ محظوظات بالكولونيل مصطفى بدران الذي يتقن التمييز بين الإتجار بالبشر والدعارة نتيجة دورات تدريبية خضع لها. صنفهن مباشرة بالضحايا، ونقلهن إلى جمعيات مختصة. لو تركن للقانون اللبناني لنقلهن من سجن «شيه موريس وسيلفر» إلى سجن الدولة.
جمهور محدود شاهد العرض الأول والوحيد فكم وصلت الفكرة؟ تلت العرض ساعة نقاش. تضيف عساف: صوت مسؤولة قسم الإتجار بالنساء في جمعية «كفى» غادة جبور كان الأكثر حضوراً. تبنيت موقف «كفى» في مسرحي، فالجمعية تدعو لإلغاء الدعارة في لبنان لأنها تُسلّع المرأة حتى وإن طلبتها. هذا الطلب خلفه أسباب يجب بحثها البيئة، الاغتصاب، التعنيف وغيرها. تشير الإحصاءات أن دخول الفتيات عالم الدعارة يبدأ في الصغر. وعلينا أن نعرف استحالة أن تفتح فتاة أو امرأة عينيها صباحاً وتقرر امتهان الدعارة. نعم أضاء العرض على زاوية كانت مغفلة، والأهم أنه فتح باب النقاش.
ترسم المخرجة سحر عساف صورة «للزبون» في عالم الدعارة يقول «الزبون» أنه يدفع 50 ألفاً ومن حقه كل ما يريد. وبالطبع ليس للفتاة رأي أو خيار.
الريحاوي منعهن من طلب الواقي الذكري. والخيار متروك «للزبون». حضرت العرض واحدة من الفتيات الـ75. رغبت في مزيد من الكلام فجمعنا بأمس لقاء مطول. لم يسبق أن التقيت إحداهن، الجمعيات ترفض واحترم رغبتها في حمايتهن. اللقاء مع هذه الفتاة تمّ لأنها تزوجت وتركت مكان التأهيل. علمت بالعرض من خلال زوجها الذي شاهد الإعلان عبر فيسبوك. أخبرتني بما يطابق العرض والذي أخذته من خلال الصحافيات اللواتي التقيت بهن. روت لي تلك الفتاة أسماء أنواع التعذيب التي أطلقها الريحاوي على أفعاله. منها «الفراشة». الضرب الدائم على الرجلين ووضعهما في الماء منعاً لتورمهما ولأي أثر، تفادياً للتعطيل عن العمل. الضرب على الوجه، والأثر يخفيه الميك آب. كان الريحاوي يجبر الفتيات على تحصيل «البخشيش». ولأنه هو من يقبض المال مباشرة كان يضع على اسم التي فشلت في تحصيله علامة «إكس». وشكوى الزبون تعني «إكس». والحارسة تساعد في وضع «إكس» لكل من تهمل أظافرها. السادسة صباحاً موعد الريحاوي اليومي لإحياء «الحفلة» كما يسميها. الضرب يتماثل مع عدد «الإكسات». ومن جمعت الكثير لا تعرف من أين يأتيها الضرب. والجدول الخالي يعني ضرب آخر ثلاث فتيات ترد اسماؤهن.
أين وجدت مادة العرض في كل هذا نسألها؟ فتجيب: ألم يلحظ «الزبائن» بعضاً من الضرب؟ هل يمكن إخفاءه جميعه؟ ألم يكن لأحدهم قلب وضمير فامتنع أو رفع شكوى؟ هذه صورة «الزبون» وكذلك صورة القواد الذي «يحيي حفل» الضرب باكراً.
وبماذا خدمت العرض دراسة «كفى»؟ تناولت الدراسة 55 رجلاً، فمن الصعب أن يُجهر أحدهم بشراء الجنس. جميعهم أقروا برؤية علامات تعذيب، واحد منهم امتنع عن شراء الجنس. في خلفيتنا أن من يشتري الجنس أمي، جاهل، محروم من الجنس. أثبتت الدراسة أن الطلب يأتي من فئات مختلفة تماماً. هم خريجو جامعات ومتزوجون و67 في المئة منهم مرتبطون بعلاقة زواج، خطوبة أو حب. في رأيي منح الحق في تنوع العلاقات للرجل، وأن تكون له شرعية الدخول على من يريد إن امتلك المال، هو الحافز لشراء الجنس.
مسرحة قضية إنسانية اجتماعية عن استعباد 75 فتاة لعشر سنوات كم يخدم الهدف؟ أظن أن المسرح الوثائقي الذي قدمته والذي اعتمد تقنية «التوصيل المسجل» فالممثل يسمع صوت الشخصية التي يلعبها من خلال سمّاعة في أذنيه، ويقول ما يسمعه حرفياً حتى النفس والتنهيدة. هو مسرح مباشر يضيء على القضية التي تبناها ويقدمها كما هي للمشاهد. في اعتقادي هو مسرح مهم في تسليط الضوء على قضية كبيرة لم تعش لسنة. ولا شك بوجود فتيات في لحظتنا الراهنة يتمُّ تعذيبهن وبيعهن. سيتم بناء الحجر في الدول العربية المنكوبة، لكن أثر إرغام المرأة على الدعارة لا يُمحى. نفسياً تخسر جنسانيتها، وتعيش عذابات من عانى التعذيب الممنهج في السجون، فهي اخترقت في جسدها لمرات لا تُحصى.
في نهاية 2016 كان لسحر عساف لبننة مسرحية الملك لير، وأن تختار استاذ المسرح روجيه عساف للعب الشخصية. عرض قدم بنجاح في مسرح المدينة. تصف هذا الحدث الإبداعي بانه: صعب وممتع معاً. ألغي نفسي حين أكون حيال عمل مسرحي فهو يستحوذ على تفكيري ومشاعري وطاقتي. لأول مرة شكسبير بالمحكية اللبنانية، متعته في صعوبته، وهو مسرح شعبي وللجميع. العمل مع روجيه عساف سلس لأنه أستاذ كبير. يعرف جيداً كيف يحترم دوره، دور المخرج وباقي الأطراف. اسمه فرض رهبة، وفي الواقع هو من سهّل العمل. يصل قبل نصف ساعة من زمن البروفة يجالس الطلاب ويتناقش معهم. لم نتفق أحيانا في الرأي لكنه كان يخلص للقول أنت المخرجة وأنا الممثل. العمل معه فائدة كبيرة لي.
سحر عساف على الخشبة حالياً تؤدي دوراً في «كيف كان العشا»؟ لمرات متتالية كانت في دور القائد. رغبت في راحة فكانت ممثلة. ترى: نعمة أن يكون الممثل بإدارة مخرج محترف وفريق متعاون وموهوب. أن أتغنج كممثلة هي فرصة للتنفس براحة. «كيف كان العشا» خفيفة وعميقة معاً، وتمس جميع البشر في طرحها لموضوع الحب، والزواج، والرغبة وغيرها مما نعيشه في حياتنا.
عساف نشيطة في اختصاصها، أسست مع روبرت مايرز، ورافي فغالي وسني عبد الباقي فرقة «تحويل» والحافز: عملنا سوية مراراً وتكراراً، ورغبنا أن تجمعنا فرقة بهدف إنتاج مسرح مختلف عربي وأجنبي ولجميع الناس. أول عمل تمثل في ترجمة مسرحية أمريكية إلى العربية وتقديمها في بيروت. وعمل آخر لعصام محفوظ تُرجم للإنكليزية وعُرض في نيويورك من اخراجي. الهدف أن نقدم أعمالاً تحاكي واقعنا.
وأخيراً؟ سعي لتطوير «لا طلب لا عرض» يجب أن تُعرض في الجامعات والمدارس في بيروت وخارجها، وفي كل مكان متاح. رغبتي أن يسمع أكبر عدد ممكن بعذابات تلك الفتيات. العرض الأول استكشافي لفائدة الطرح الذي اخترته. وتواصلي المباشر مع إحدى الناجيات من العصابة سيجعلها عنصراً يشارك في إيصال القصة، هي في العشرين من عمرها، وتم انتهاكها على مدار ثلاث سنوات. وافقت على حضور صوتها في العرض وترغب أن تبقى القصة حية كي لا يتكرر استعباد أخريات.

الرأسمال يبحث فرصة أرباحه ببناء بلداننا المدمرة والمخرجة اللبنانية عساف تسأل من يبني دمار استعباد 75 فتاة؟

زهرة مرعي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left