ريتشارد فولك في كتاب «أفق فلسطين، نحو سلام عادل»: التفاوض غير مثمر مع استمرار الاستيطان

سمير ناصيف

Apr 15, 2017

صدر مؤخراً كتاب لريتشارد فولك بعنوان «أفق فلسطين، نحو سلام عادل» تناول فيه فولك، الأستاذ في القانون الدولي في جامعة برينستون الأمريكية والمقرر سابقا للأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (2008 ـ 2014)، ماضيا ومستقبلا قضية التفاوض لإنشاء الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية من أجل تحقيق السلام بين الشعبين في ظل استمرار عمليات الاستيطان الإسرائيلية وتوسعها وتطويرها في الأراضي الفلسطينية، ومدى فاعلية وجدوى هذا المسار التفاوضي في هذه المرحلة، بالمقارنة مع طروحات معارضة لهذا التوجه وفي طليعتها مواقف المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد.
أهمية هذا الكتاب، فضلا عما ورد فيه من مواقف وتحليلات، ان كاتبه أحد واضعي الدراسة القانونية حول التكوين العنصري للمنظومة القانونية الإسرائيلية الذي صدر مؤخرا عن منظمة «الاسكوا» التابعة للأمم المتحدة، ثم أرغمت المنظمة وأمينتها العامة ريما خلف على سحب اعتمادها له تحت الضغط الأمريكي ـ الإسرائيلي ما أدى إلى استقالة خلف رافضة التراجع عنه ومنددة بموقف الأمانة العامة للمنظمة الدولية تجاهه.
في مقدمة الكتاب، يقول فولك أن القيادة الفلسطينية مرت بمراحل مختلفة في تعاملها مع الاحتلال الإسرائيلي وتجاوزه لحقوق الفلسطينيين بينها العنف، ثم الدبلوماسية في اتفاقيات أوسلو وكامب ديفيد وغيرها، ويبدو، في رأيه، ان المقاومة الناشطة حاليا للمجتمع المدني الفلسطيني والعربي عن طريق مقاطعة البضائع والمنتوجات الصادرة عن المستوطنات ومواجهة إسرائيل في المؤسسات الاقتصادية والعلمية والحقوقية والرياضية كما فعلت حركة المقاومة الافريقية ضد النظام العنصري في جنوب افريقيا، هي من الوسائل الناجعة ولذلك تخشاها إسرائيل كثيراً وتقاومها بشتى الوسائل في المجتمعات الغربية.
كما ان إسرائيل، تحارب جميع منتقديها في الجامعات والحكومات ومؤسسات الأمم المتحدة بشراسة أكانوا يهوداً أو غير يهود.
في الفصل الأول من الكتاب، يوضح فولك أن وعد بلفور لم ينص على ضرورة نشوء دولة عنصرية يهودية يمارس فيها اليهود التمييز العنصري ضد سكانها الآخرين، بل على انشاء موطئ أو ملجأ يحتضنهم ويصبح ساحة وأرضاً لا يتعرضون فيها للتنكيل والتعدي ولا ينكلّون بالآخرين، ولكن القيادات الإسرائيلية حوّرت وقلبت هذا المفهوم (خصوصا قيادة نتنياهو الحالية). وهذا الأمر يفهم منه ان من الخطأ الاحتفال في بريطانيا أو غيرها بهذا اليوم وكأنه اليوم الذي سمح فيه اللورد بلفور بإنشاء دولة يهودية ذات عرق مهيمن عنصريا على الآخرين. وبالتالي، فمن حق الرئيس عباس والقيادات الفلسطينية الاعتراض على هذا الأمر.
ويعتبر فولك في هذا الفصل ان تجاوز القيادة الإسرائيلية الحالية لما نصت عليه اتفاقيات أوسلو واستخدامها لهذه الاتفاقيات لتوسيع الاستيطان وتطويره اثبتا ان حل الدولتين ليس واقعياً في ظل استمرار الاستيطان أو محاولة بناء مستوطنات جديدة (كما يجري حاليا) وان أي مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية في المستقبل القريب أو البعيد لا يمكن ان تنجح، وعلى الأرجح ستفشل، طالما استمر هذا الاستيطان وانه لا يبدو بن حكومة إسرائيل الحالية أو داعمتها الولايات المتحدة الأمريكية تسعيان لوقف الاستيطان بل لتنظيم مفاوضات عقيمة كسابقاتها قد تؤدي إلى المزيد من التنازلات إزاء حقوق الشعب الفلسطيني.
وبذلك، يندرج موقف فولك مع موقف ادوارد سعيد والمفكر الأمريكي البارز نعوم تشومسكي وغيرهما من الداعين لإنشاء دولة فلسطينية ـ إسرائيلية علمانية ديمقراطية واحدة يتساوى فيها مواطنوها بالحقوق والواجبات.
ويرى فولك ان تطبيق القرار الدولي (242) غير ممكن لأن حكومة إسرائيل الحالية لا تريد التخلي بل السيطرة على المزيد من الأراضي والاستمرار في توسيع وإنشاء المستوطنات.
وبالنسبة لمواقف الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب إزاء القضية الفلسطينية، يشير فولك إلى ان ترامب يتحدث حول هذا الموضوع بالعموميات مشيراً إلى وجود حقوق للفلسطينيين وإلى تعاطفه مع إسرائيل في الوقت عينه.
ويتوقع فولك ان يؤيد ترامب سياسة إسرائيل الأحادية التوجه والرامية إلى احتلال معظم الضفة الغربية وتبسط سيطرتها على مدينة القدس برمتها ثم وضع غزة تحت نفوذ مصر أو الأردن. ويصف فولك الرئيس ترامب بالمسؤول الذي تصعب معرفة ماذا سيفعله في أي شأن، وبالتالي ستكون مواقفه متسمة بالمفاجآت وعلى الأرجح السلبية.
وبنظره فان تركيز ترامب والمجموعات والدول المؤيدة لسياساته على مواجهة «داعش» من دون البحث عن حلول عادلة للقضية الفلسطينية قد يسيء إلى هذه القضية إذ أنه سيبعد التركيز (ليس لدى أمريكا فقط بل لدى بعض الدول العربية) على قضية العرب الأولى ألا وهي القضية الفلسطينية واحتلال الأراضي العربية والاستيلاء على القدس والتنكيل بالشعب الفلسطيني وحقوقه.
وتوقع فولك عودة المقاومة المسلحة الفلسطينية بدعم شعبي عربي وإسلامي إذا لم تتحقق العدالة للشعب الفلسطيني وتتوقف الممارسة العنصرية الإسرائيلية ضده.
وكما استخدمت اتفاقيات أوسلو من قبل إسرائيل لتثبيت وضع على الأرض يصعب التراجع عنه في الضفة والقدس فمن الممكن (حسب فولك) استخدام أي مفاوضات إسرائيلية ـ فلسطينية جديدة لتثبيت الوضع الميداني القائم حالياً المخالف للشرائع الدولية كأمر واقع. وهذا ما نبه إليه الراحل ادوارد سعيد وغيره لدى معارضته لاتفاقيات أوسلو في التسعينيات مثبتاً رؤياه الثاقبة آنذاك.
كما نبه سعيد، الذي يكن له الكاتب احتراماً كبيراً، إلى خطورة استمرار الانقسامات بين القيادات الفلسطينية عموماً.
ويعتبر فولك ان إسرائيل تنوي من دعوتها للمفاوضات، من دون تخليها عن الاستيطان وعملية تطويره، المزيد من الهيمنة على القيادة الفلسطينية واستخدام السلطة الفلسطينية كجهاز أمني لحماية نفسها من امكان نشوء انتفاضات ميدانية ومقاومة فلسطينية مسلحة ضدها، وأن الرئيس محمود عباس أدرك خطورة هذا الأمر وشدد على عدم موافقته على إجراء مفاوضات مع إسرائيل إلا اذا أوقفت الاستيطان وتوسيعه.
وتمنى فولك ألا تمارس الضغوط على الرئيس عباس وقيادته للمضي في مفاوضات غير مفيدة وربما ضارة للفلسطينيين والعرب، كما حدث في أوسلو وفي خريطة الطريق التي لم تطبق.
كما تمنى الكاتب تصعيد حملة المقاطعة الاقتصادية والثقافية والقانونية في المحافل الدولية لإسرائيل، كما أشار إلى ضرورة أن تظهر الدولة الفلسطينية التي اعترفت بها أكثرية دول العالم بأنها دولة محترمة وشرعية وأنها تمارس المقاومة الشرعية، كما تحاول أن تفعل حاليا.
وفي الجزء الثالث من الكتاب (الفصل العاشر) يؤكد فولك ان إسرائيل ستتحدى قرارات الأمم المتحدة عندما يناسبها هذا الامر وتؤيدها عندما تجري الأمور كما تشتهي وستدعمها الولايات المتحدة في ذلك. ويشير إلى مناسبات سابقة حدث فيها هذا الأمر حيث نجحت إسرائيل آنذاك في الغاء قرار يتهم الصهيونية بالعنصرية، وقد تنجح إسرائيل (إلى حد ما) حاليا في اعتبار كل دولة تقبل أن تمارس وسيلة المقاطعة فيها دولة عنصرية وتطلب إقصاء ومعاقبة المسؤولين والأكاديميين الذين يؤيدون هذه المقاطعة ويمارسونها.
لم يكن فولك قد أدرك لدى كتابته كتابه هذا ان دوره في تقرير (الاسكوا) سيدفع القيادة الإسرائيلية إلى ممارسة ضغوط لسحب التقرير مما أدى إلى استقالة ريما خلف، وإلى تصنيفه كأحد أكثر المعادين للسامية في العالم، وإلى اعتبار الأمين العام للأمم المتحدة التقرير معادياً للسامية. ويقود سفراء إسرائيل في العالم حالياً حملة شعواء ضد كل مؤيدي مقاطعة إسرائيل وضد كل محققي الكتب والتقارير المنتقدة لسياسات إسرائيل.
وفي الفصل الرابع من الكتاب، يركز فولك بشكل خاص على مواقف المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد وصحة ما كتبه وخصوصاً كون سعيد اعتبر أن معركة فلسطين الهامة جداً تتمحور في اكتساب الشرعية، وليس التبعية كدولة بنظر شعوب المنطقة والعالم، وأن القيادة الفلسطينية ستكتسب هذه الشرعية عندما تناضل لتحقيق أهدافها بجرأة وبشتى الوسائل، وأن الغزو العسكري لا يمكنه تحقيق الانتصار على شعب وقيادة جريئين يتمتعان بالشرعية بسبب مقاومتهما للباطل.
وهذا أمر، في رأي فولك، اكتشفه جورج بوش الابن بعد فشل الغزو الأمريكي للعراق واكتشفته إسرائيل بعد تعدياتها العسكرية في غزة ولبنان التي خسرتها سياسياً خسارة كبيرة ولم تحقق بنتيجتها أي انتصار عسكري كما رغبت.
ومن الأخطاء التي تحدّث عنها ادوارد سعيد في ممارسات القيادة الفلسطينية في مفاوضات أوسلو (التي ثبتت صحة رأيه فيها، حسب فولك) القبول بتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (A,B,C) والرضوخ لمبدأ ضرورة موافقة إسرائيل على كل الشروط واعتبار الولايات المتحدة العرّاب الدائم والوحيد للمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية وعدم التركيز على اعتماد القانون الدولي ودور الأمم المتحدة والقبول بضم إسرائيل لمستوطنات غير شرعية إلى أراضي إسرائيل تحت حجج أمنية.
هذه الأمور ساهمت في رأي الكاتب، في تطرف وتصليب نتنياهو بالنسبة لأي مفاوضات مقبلة، هذا بالإضافة إلى الصمت العربي المتزايد إزاء الاعتداءات الإسرائيلية على غزة، عام 2014، والتحول العام في مواقف ونظرة بعض الدول العربية إلى إسرائيل.
ومن الأخطار التي يحذر الكاتب منها، في الفصل الأخير من الكتاب، أي محاولات لإقصاء منظمة «حماس» عن أي مشروع سلام مقبل، أو القبول بإعادة احياء اتفاقيات أوسلو بعد الكارثة التي سببتها هذه الاتفاقيات، والتأكد من أن غزة والضفة هما من وطن واحد في أي حل يُطرح في المفاوضات.
Richard Anderson Falk: (Palestine’s Horizon: Towards a Just Peace)
Pluto Press, London, 2017
196 pages

ريتشارد فولك في كتاب «أفق فلسطين، نحو سلام عادل»: التفاوض غير مثمر مع استمرار الاستيطان

سمير ناصيف

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left