يتأسس على قاعدة استعداد فطري ومعرفي: التخييل البصري وشعرية الرغبة

رشيد المومني

Apr 15, 2017

إن غياب الرؤية الشعرية، يعني أساسا فقدان الإحساس بالرغبة التي يمكن اعتبارها طاقة خلاقة، تقود الكائن إلى الانتشاء برؤية المعلوم والمجهول على حد سواء، كي تأخذ في نهاية المطاف شكل هِبة يحظى الكائن بامتيازاتها. والمقصود بالهبة في هذا السياق، ذلك التفاعل القائم بين نداءِات الداخل ونداءات الخارج، التي تتبلور بموجبها اواليات الرغبة المنبثقة من صلب الرؤية الشعرية للعالم، كي تساهم في إبداع ممكنات فكرية وتقنية جديدة، بمختلف ما تمتلكه من مرجعيات كفيلة بتقديم اقتراحات عملية ومغرية، لكل من المعيش والمتخيل، بالاستناد إلى إرادة حقيقية تكفل إمكانية تحيينها، الشيء الذي يتعذر إدراكه، بمعزل عن حضور دبيب الرغبة، الذي تتجدد بها رؤية الكائن، كما تتجدد بها قابليته لاستشراف فضاءات بِكْرٍ، لم يطأها بعد طيف القراءة أو ظل الكتابة. التي تكون موضوع احتفاءات ذاتية، لها دورها الرمزي في تأجيل رهبة القيامة، نار الجحيم، وزمهرير اليأس.
إن الرغبة الإمتاعية التي نستأنس بها في مواجهتنا للمجهول، هي التي تحفز العين كي ترى، والسمع كي ينصت، والعقل كي يمضي بعيدا، في تجريبه وتوظيفه المغاير، لآليات الاستنباط والاستدلال.
أيضا تقترن الرغبة الموجهة للرؤية الشعرية، بمتعة المرح الذي تسعى الذات من خلاله، إلى تجاوز انتكاساتها الكبيرة والصغيرة، باعتبار أن الرؤية هي التي تتحكم في تحديد هوية المرئي، فتجعل منه فضاء للغبطة أو المكابدة، فالعين تمُدُّ المشهد بالهوية المناسبة التي تسمح لها بالخروج من أسْر الواجب إلى رحابة المتعة، باستخلاص ما يندرج في حكم الضروري، عبر مسارات المرح التي يتخلص الكائن بموجبها من جبروت الواجب وإكراهاته. هكذا يتحول مجهود تأثيث المعيش، – بما هو فضاء فردي أو جماعي، إلى شكل من أشكال الشطط، المسكون بحس طفولة، تظل حاضرة في عملية تأجيج طقس المتعة المستسلمة بكل أريحية وسخاء إلى فتنة تحديث المرئي بالجديد وبالمغاير. إن شعرية الرغبة هنا ترتقي بدلالة التسلية، كي تتجاوز حدودها البسيطة، إلى مستوى الممارسة المسؤولة، من حيث جمالية إمتاعها، التي تحفز الذات على تجريب كل الممكنات المقترحة والمحتملة، باعتبار أن جوهر التسلي هنا، يخلو من أي تهور ذي طبيعة مغامراتية أو مقامراتية، لأن المسؤولية هنا، بقدر ما هي فرِحةٌ بحريتها، فهي أيضا واعية بآفاق اشتغالها. تلك هي روح الشعري بامتياز. روح انفلاتٍ فرحٍ يستلزم إنجازَه حضورُ درجةٍ عاليةٍ من الإتقان المستند إلى قوانينه ومعاييره الضمنية، ذلك أن الدلالة التي تكتسبها رغبة التسلي هنا، تجعل الرؤية الشعرية ذاتَ بعد تفاعلي، بالنظر إلى امتلاكها لمبادرتها الفعلية، المنسجمة مع السياق المتواجدة فيه، بمعنى أنها لا تقنع باختزالها في شكل تأملٍ صامتٍ، مأخوذ بتتالي مشاهدَ طبيعيةٍ، عبر نافذة قطار سريع، بل هي الرؤية التي تمتلك صلاحية إيقاف القطار، والذهاب بالمشاهد مباشرة إلى النبع، من أجل إعادة النظر في وجهة الماء، والتدخل المباشر في عملية تدفقه، لذلك فإنها من هذا المنظور، خبيرة باستراتيجياتها ومشاريعها، وأيضا بأدوات عملها.
إن فعل الرغبة الذي يضيء أشكال المتخيل والمرئي، يتأسس على قاعدة استعداد فطري ومعرفي، يتفاوت من حيث قوته ونضجه من تجربة لأخرى، وبموجب حضور هذا الاستعداد أو غيابه، تتحدد ملامح هويةِ ما تتحقق رؤيته، إبداعه، وإنتاجه، كما تتحدد هوية ما يتلاشى ويزول.
وعلى الرغم من كون الاستعداد المعرفِي، يتميز بخصوصيته الذاتية، فإنه إلى جانب ذلك، ذو طبيعة اجتماعية، ومن المؤكد أن حضور أو غياب هذا الهاجس لدى المؤسسات المعنية، يترجم المستوى الثقافي والحضاري، الذي تتميز به الحقول المنضوية تحت وصايتها .لذلك، سيكون من الطبيعي، أن تقترن الرؤية الشعرية بالمعرفة الموجهة لها، التي تقود الجسد نحو كل تلك المواقع الجغرافية، التي تضم مختلف الكائنات، بمجموع فصائلها المادية الطبيعية والرمزية.
إن مصدر التعرف على الكون بكل ما يمتلكه من أسرار، يعود إلى الرؤية المسكونة بفضول التعرف، الذي يمضي بها إلى أقصى درجات الرحابة الممكنة. ففي قلب هذه الرحابة الضاجة بما هو معلوم ومجهول، تجد العين ضالتها، حيث التعدد والاختلاف، يزدهي بتحولاته التي تُعيد البصيرةُ على ضوئِه اكتشاف ذاتها، كما تعيد اكتشاف إمكانياتها في فهم دلالات العلاقات القائمة بين العناصر، من أجل الاقتداء بآليات اشتغالها في لعبة الخلق والإبداع. إن الأمر يتعلق أساسا بذلك الافتتان الكبير بالأشكال، وفراديسها اللانهائية. إن رؤية أشكال الكون بعمق معرفي مثقل بشعريته، يضاعف من قدرة الذات على الخلق، سواء في فضاءات المعيش، أو في فضاءات الفن. هذه الملاحظة تجد دليلها في المسارح العالمية الكبرى، في الأشرطة السينمائية الباذخة، في التجارب التشكيلية الاستثنائية، وأكثر من ذلك، في قلب النصوص الشعرية، التي تعيد إنتاج المرئي على طريقتها. ومن المؤكد أن رغبة الرؤية على الانتماء إلى رحابة العالم، وإلى ما يتفاعل فيه من أشكال، هو الذي يؤجج انفعالاتِ المُخيِّلة، كما يؤجج شطحات الحلم، وبالتالي لا تظل هذه الرغبة معزولة عن الواقع، بل على العكس من ذلك، تحاول أن تتماهى معه، من خلال الارتقاء به، كي يكون في مستوى المخيلة، وفي مستوى الحلم. إن الشكل هو دائما صيغة من صيغ القول، هو لغة وخطاب، هو فضلا عن ذلك جمل تتميز بدلالاتها الخاصة في كتاب الأشكال.
إن الشكل عادة، هو موضوع استقصاء دقيق، ومتعدد الإيقاعات، من قِبلِ العين المسكونة بشعرية الرغبة، كما أنه عتبةٌ ممكنة لمسكن دلالي ما. إن التردد على مقامات هذه العتبات، هو تردد على فضاءات معرفية وفكرية، والمقصود بالشكل هنا، هو مجموع المكونات التي تجعل من الشيء شيئا، بمجموع ما يتمتع به من مقومات، تخص هندسَتَه كما تخص حجمَه، أصواته وألوانه وباقي ما يمتلكه من مكونات.
إن التسكع الترحالي، والسفر عبر الأشكال، هو علة وجود الرغبة. أيضا، هو دليل حياتها وحيويتها. إن العلاقة الجمالية التي ينسجها فرح العين بالشكل، هي التي توسع من حقل المخيلة، كما تحفزها على اختلاق، وتخيل أشكال أخرى، لأن الشكل، ومهما كانت طبيعته وخصوصيته، هو في حد ذاته، نواة دلالية يمكن أن يتفرع عنها ما لا حصر له من الأشكال، لأن كل مكون وكل خاصية من خواص الشكل، قابلة ومهيأة لأن تكون رحما لشكل/أشكال ما، علما بأن الطبيعة، وبحكم منطق اشتغالها، تكتفي بإنتاج نماذج أولية، لأنماط متعددة من الأشكال، كي تسمح للتفاعلات الداخلية والخارجية، بإبداع المزيد من نماذجها، كما أن الشكل، ومهما كانت طبيعته، يتضمن جدليا في داخله احتمالات شكلية لانهائية، فالهيئة التي هو عليها الآن، ليست سوى إمكان مؤقت من إمكاناته المستقبلية والمحتملة، التي يمكن أن تعلن عن حضورها، من خلال تعدد مستويات التفكيك وإعادة التركيب، التي يمكن أن تُخضعها لها هذه الاحتمالات، باعتبار أن الرؤية الواعية بدلالة اشتغالها على الوجود، وما فيه من كائنات، هي الأرضية التي يشتغل عليها المتخيل البصري. بمعنى أن المتخيل البصري، ومهما كان متطرفا، فإن مرجعيته تتمثل دائما في ما تمت رؤيته، وفي ما هو الآن موضوع للرؤية. وبالنظر إلى الاستعداد الطبيعي الذي يتمتع به المرئي في إحداث التحولات على ذاته، فإن التخييل البصري، هو أيضا، يبادر إلى خلق الأشكال التي يميل إلى إنشائها، بالاعتماد على الشكل النموذج. ما يعنينا هنا بالأشكال المخلوقة، هو الاهتمام أولا وأخيرا، بالرغبة في التسلي، أي تجريب خلق أشكال جديدة، تكون على سبيل استحداث وظائف جديدة، منسجمة مع خصوصيتها الجديدة، والحديثة العهد بالظهور. بعض نماذج هذا التخييل، يمكن ملاحظتها وبشكل جد ملموس بصريا، في المنجز الحداثي لفن التصوير، الذي يستطيع بفعل التقنيات المتطورة، أن يهدينا إمكانيات جد متقدمة، لاشتغال التخييل البصري، الذي ينطلق من شكل بصري مادي، وموضوع رهن إشارة آلية التصوير. وفي سياق الحديث عن الأشكال الجديدة والطوفانية التي يتم إبداعها، يمكن الحديث عن إمكانيات الحلم الدائم، بعوالم مغايرة ومختلفة، غالبا ما تكون مستندة إلى نشوة البحث عن الإواليات، الكفيلة بتجاوز العادي والمألوف. ولعل الفضاءات التي تستشرفها الحداثة، يعود مصدرها إلى افتتان الرؤية، بالبحث عن واقع جديد، قوامه ذلك التفاعل القائم بين ما هو موجود، وما ينبغي إيجاده.

يتأسس على قاعدة استعداد فطري ومعرفي: التخييل البصري وشعرية الرغبة

رشيد المومني

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left