حال الطوارئ في مصر تهدد: الصحافة وتيران وصنافير والإمام الأكبر

حسام عبد البصير

Apr 15, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي»:أعلن الرئيس المصري السيسي على عجل حال الطوارئ وكأنه لا يدري ان البلاد التي يحكمها تعيش الحالة منذ ستة عقود باستثناء فترات وجيزة تم رفع الطوارئ ثم لم تلبث ان عادت من جديد. ففي أعقاب التفجيرات الإرهابية التي ضربت كنيستين في طنطا والاسكندرية، وخلفت عشرات القتلى والمصابين، اجتمع الرئيس في مجلس الدفاع الوطني، وبدا مستعداً إلى اللجوء إلى كافة الخيارات للانتصار على عدو يزداد كل يوم شراسة رغم تسخير كافة قدرات الدولة في مواجهته. خرج من الاجتماع ليعلن حال الطوارئ في البلاد، كما يعلن عن تشكيل المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب، وقرر نزول القوات المسلحة إلى الشوارع من جديد لحماية المنشآت العامة ودور العبادة.
النظرة المتأنية للقرارات توحي أنها ستساهم في قمع القوى الشعبية للحيلولة دون عودة حراكها في الشارع خاصة مع بدء إقدام السلطة على اتخاذ قرارات صادمة أهمها على الإطلاق تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وقد سارع بالفعل الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب، لإحالة اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والمعروفة باتفاقية تيران وصنافير، إلى اللجنة التشريعية لبدء مناقشتها وجاء قرار الإحالة بعد ساعات من موافقة مجلس الوزراء على تطبيق حال الطوارئ في البلاد.

يد السلطة في كافة شؤون البلاد

لن يكون للمحامي خالد علي ورفاقه وآلاف المتظاهرين السلميين بعد اليوم مجرد التفكير في الخروج للشوارع ولا حتى الجلوس على المقاهي ليس بسبب قانون التظاهر سيئ السمعة، لكن بسبب قانون الطوارئ الأعمى الذي لا يتيح في أي حال التظاهر ويحمل رقم 162 لسنة 1958 الذي ستحكم مصر من خلاله، وتتيح المادة الثالثة في القانون لرئيس الجمهورية وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة وكذلك تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال، كما تتيح المادة نفسها مراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها. كما يطلق القانون يد السلطات في كافة شؤون البلاد بما فيها تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها، وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها والاستيلاء على أي منقول أو عقار، والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات وكذلك تأجيل أداء الديون والالتزامات المستحقة، والتي تستحق على ما يستولى عليه أو على ما تفرض عليه الحراسة وسحب تراخيص الأسلحة أو الذخائر أو المواد القابلة للانفجار أو المفرقعات على اختلاف أنواعها والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة، وتصل سطوة القانون لحد إطلاق يد السلطات في إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة، ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية توسيع دائرة الحقوق المبينة في المادة السابقة على أن يعرض هذا القرار على مجلس الأمة في أول اجتماع له. كما لن يكون بوسع النشطاء اللجوء للمحاكم لملاحقة الحكومة، فطبقاً للمادة 11 لا تقبل الدعوى المدنية أمام محاكم أمن الدولة وطبقا للمادة 12 لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة ولا تكون هذه الأحكام نهائية إلا بعد التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية.

السياحة ستدفع الثمن

وكأنها ناقصة «موت»، إذ ستتلقى صناعة السياحة المغشي عليها منذ حلول ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير ضربة قاتلة إثر تطبيق حال الطوارئ، حيث من شبه المتعارف عليه في أوساط تلك الصناعة عزوف السياح عن التردد على دولة تفعل قانون الطوارئ لما يحمله من ظلال تنبئ بصعوبة التحرك بحرية وعدم الاستقرار الأمني. وقد بدأت بالفعل تداعيات المرحلة التي دخلتها مصر للتو في تفاقم أزمة السياحة. حيث أكد مصدر مسؤول في وزارة السياحة: «إن تفجيرات كنيستي طنطا والإسكندرية سيكون لها تأثير سلبي كبير على قطاع السياحة، والذي كان يراهن على التعافي خلال الفترة المقبلة».
واعترف المصدر أن بعض الدول بدأت تعيد نظرتها للوضع الراهن والمستجدات التي طرأت على الساحة المصرية والأنباء الواردة من الأقصر أهم مقصد سياحي وتاريخي للأجانب ليست سارة، حيث لا تتجاوز نسبة شغل الفنادق في المدينة التي تقع أعالي جنوب مصر 15٪.
فيما توقع رئيس شعبة شركات السياحة والطيران السابق عماري عبد العظيم، أن يسفر قرار فرض حال الطوارئ عن التأثير سلبياً على السياحة في مصر. وكان أصحاب الشركات السياحية في مختلف المدن التي يقصدها السياح قد تسلل لهم الأمل قبل وقوع التفجيرات الأخيرة في تعافي صناعتهم وبدأوا في تجهيز وترتيبات إقامة السياح ووسائل نقلهم، وقاموا بدفع مستحقات حجز الفنادق والآن يعيشون حالة قلق بالغ خشية ان تقوم الشركات الأجنبية المتعاقدين معها بإلغاء العقود.
وتشير المادة الرابعة من قانون الطوارئ إلى تولي قوات الأمن أو القوات المسلحة تنفيذ الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه، وإذا تولت القوات المسلحة هذا التنفيذ يكون لضباطها ولضباط الصف ابتداء من الرتبة التي يعينها وزير الحربية، سلطة تنظيم المحاضر للمخالفات التي تقع لتلك الأوامر.

الضرب في الميت حرام

تعيش صناعة الصحف أزمة حادة أسفرت عن إغلاق عدد منها خلال الفترة الماضية من بينها «التحرير» ومن قبلها «آفاق عربية» و»البديل». وتفكر مجالس إدارات صحف أخرى في الإغلاق بسبب تراجع كبير في دخل الإعلانات التي كانت تمثل لها شريان الحياة في الانفاق على إصداراتها، ودفعت الأزمة صحفا كثيرة إلى إعادة هيكلة أوضاعها لضغط النفقات، وفي هذا الإطار سرحت صحف كبرى من بينها «المصري اليوم» و»اليوم السابع» عددا كبيرا من محرريها، غير ان حال الطوارئ التي أقدم عليها السيسي ستكون بمثابة رصاصة الرحمة التي ستقضي على كائن في طور الموت السريري بالفعل لتعلن تشييع جنازته عما قريب. فالحريات العامة وفي القلب منها «صاحبة الجلالة» الصحافة على رأس ضحايا قانون الطوارئ الذي يخول للسلطة مراقبة كافة المواد الإعلامية والتحريرية قبل طبعها ومراقبة الرسائل البريدية والتضييق على عمل الإعلاميين وملاحقتهم.
ويترتب على فرض حالة الطوارئ إجراءات عدة منها تقييد حرية الأفراد أو اعتقالهم إداريا بأمر من الحاكم العسكري يكون كتابيا أو شفهيا، وتفتيش المنازل دون سند قضائي، والسماح بمراقبة الرسائل البريدية والهواتف الشخصية حسب قانون الطوارئ الذي يمنح الحاكم الحق في إصدار أوامر بمراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها. وفيما يبدو تسريعا نحو عسكرة الدولة حصل قبل أيام ضباط القوات المسلحة على حق الضبطية القضائية لتنفيذ أوامر الرئيس، ويخولهم ذلك الحق سلطة تنظيم المحاضر للمخالفات كما إن لهم الحق في القبض في الحال على المخالفين وإيداعهم السجون.

البرلمان يستدرج الطيب

ما إن ينال الكنيسة تفجير أو تتعرض سيناء لعملية إرهابية إلا ويتحول نظر السيسي نحو شيخ الأزهر مطالبا اياه بسرعة تطوير الخطاب الديني ما دفع أغلب المراقبين للدهشة فضلاً عن غضب لجنة كبار علماء الأزهر ذلك لأن الإمام الأكبر كان في صدارة المشهد غداة إنهاء حكم الإخوان، كما ندد بشدة بالتفجيرات الإرهابية التي وقعت في طنطا والإسكندرية، مؤكدا أنها تمثل جريمة كبرى في حق المصريين جميعا ومشددا على أن هذا العمل الإرهابي الجبان لا تقوم به إلا فئة باغية، استحلت الأنفس التي حرمها الله وتجردت من مشاعر الرحمة والإنسانية معرضةً عن التعاليم السمحة التي نادت بها جميع الأديان السماوية، بل وعن القيم والمبادئ الأخلاقية. رغم كل ذلك التنديد إلا ان السيسي لم يتوجه بمطلبه نحو مشيخة الأزهر بل إلى البرلمان مطالباً اياه بالتصدي لتفعيل «التجديد الديني» وهي إشارة موحية وذات دلالة لا يمكن اغفالها، فالبرلمان الذي أعلن رئيسه فور وقوع التفجيرات الأخيرة انه في حالة انعقاد دائم لن يدخر جهداً في تلبية أوامر الرئيس وفهم مغزاها، إذ بات من شبه المرجح، أن يصدر قانونا يسمح بإقالة شيخ الأزهر د. أحمد الطيب. ومن اللافت ان الكتائب الإعلامية للنظام تلقت الرسالة على الفور وبدأت في الهجوم على الرمز الديني لمسلمي مصر، وفي هذا السياق هاجمت الإعلامية لميس الحديدي، شيخ الأزهر، أحمد الطيب، بعد التفجيرات التي شهدتها الكنيستان وتساءلت بنبرة غضب في برنامجها على «سي بي سي»: «ماذا فعل الإمام الأكبر لمواجهة هذا التطرف بخطابه الديني وعن إحساسه عند مشاهدة هذه المشاهد الدموية؟ وتشهد عدة لجان في البرلمان حالة من الحراك الرامي للتعاطي مع ما أوحت به مطالب الرئيس بأن يهم البرلمان بالتجديد الديني وفي مقدمة ذلك الأمر بالطبع بسن قانون يسمح بإقالة شيخ الأزهر وهو الأمر الذي لم يسبق لأي رئيس تناول سدة الحكم على مدار عقود ماضية اتخاذه أو السعي إليه.

الحل ليس في قانون الطوارئ

واللافت ان مصر عاشت سنوات طويلة منذ تأسيس النظام الجمهوري مع حال الطوارئ، غير ان ذلك لم يمنع العمليات الإرهابية أو يحفظ أمنها، بل على النقيض تماماً فأشد العمليات الإرهابية قسوة وقعت خلال تفعيل حال الطوارئ. وأبرز الدلائل التي تؤكد ان قانون الطوارئ وحده لن يحقق الأمن والاستقرار للبلاد، ان اغتيال رئيس الجمهورية أنور السادات، تم في ظل إعلان حال الطوارئ كما ان محاولتين لاغتيال وزيري داخلية كلاهما كان في منصبه جرتا خلال فترة الطوارئ نفسها، كما ان اغتيال رئيس مجلس الشعب الأسبق، رفعت المحجوب، وطاقم حراسته تم بينما كان قانون الطوارئ يحكم مصر، واغتيال عدد من قيادات وعناصر جهاز مباحث أمن الدولة تم في ظل الحالة نفسها كما ان الرئيس المخلوع مبارك فقد مقعده واقتيد لمستشفى السجن خلال حال الطوارئ التي شهدتها مصر إبان ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير.

 حال الطوارئ في مصر تهدد: الصحافة وتيران وصنافير والإمام الأكبر

حسام عبد البصير

- -

1 COMMENT

  1. والله العظيم غريب أمر الأخوة السودانيين. يعني في لحظة انشغال مصر بمكافحة الإرهاب .تفتح جبهة حلايب.ما الهدف ؟؟؟ إسقاط النظام المصري . صعبة شوية

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left