صواريخ ترامب في الشعيرات سددت ضربة للعلاقات الروسية الأمريكية

فالح الحمراني

Apr 15, 2017

موسكو ـ «القدس العربي»: ألحقت الضربة الصاروخية الأمريكية لمطار الشعيرات السوري العسكري في 7 الجاري تدميرا ليس فقط بالقدرات الجوية للنظام السوري المتهم بتورطه في استعمال الأسلحة الكيميائية، وانما أيضا بالعلاقات مع روسيا، وبددت كافة أوهام موسكو المتعلقة بالسياسة الخارجية لدونالد ترامب. كما تشير الدلائل إلى ان العلاقات بين البلدين دخلت في طريق مسدود، وعززت الميول الداعية إلى ضرورة ان تقوي روسيا جبروتها العسكري وقدراتها الاقتصادية في مواجهة الاحتمالات، بما في ذلك العقوبات التي تشل مصادر مواردها المالية أو احتمال مواجهات عسكرية مع الغرب.
واعترف الرئيس فلاديمير بوتين بانحطاط مستوى الثقة بين روسيا وأمريكا، لاسيما على المستوى العسكري. وكان الرئيس الروسي وصف في وقت سابق الضربة الأمريكية للقاعدة العسكرية في حمص بانها انتهاك سافر للقانون الدولي.
وحسب تقييم وزارة الخارجية الروسية فإن علاقات الولايات المتحدة وروسيا تمر بأكثر المراحل تعقيدا منذ نهاية الحرب الباردة، وجاء في بيان لها ان إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما استعملت كافة الأساليب لتعقيد خلافات الولايات المتحدة مع روسيا، وحاولت فرض القيود على تنامي نفوذ موسكو في الشؤون الدولية، فضلا عن إنزال ضربة باقتصاد روسيا من خلال العقوبات ولم تحقق أهدافها.
ويحدد الجانب الروسي شروط انفراج العلاقات بين البلدين بالاعتراف بمصالح موسكو المشروعة والتعاون على أساس متكافئ ولكن هذه الشروط لا تحظى بترحيب تام في واشنطن رغم ان موسكو مستعدة للحوار مع واشنطن حول كافة القضايا الثنائية والدولية، لاسيما في المجالات التي تتطابق فيها أهدافهما مثل مكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الإبادة وتسوية النزاعات الإقليمية وضمان الإنماء الاقتصادي.

تفجير التناقضات

وفجرت الضربة الأمريكية بقوة أكبر، كافة النقاط الخلافية في العلاقات الروسية الأمريكية، وبرهنت على مدى عمق التناقضات بين رؤية موسكو للنظام الدولي والإقليمي ونهج الطرفين في تسوية النزاعات والمشاكل الثنائية أو على مستوى الساحة الإقليمية. في ما يبدو ان بقاء الدولتين على طرفي نقيض سيستمر لفترة طويلة أخرى، ومن دون شك ستترك خلافاتهما تداعيات سلبية على الشؤون الدولية بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وموازين واصطفاف القوى فيها.
وتربط موسكو التغيرات الحادة التي طرأت على نهج سياسة الرئيس ترامب إزاء سوريا بالمشاكل السياسية الأمريكية وبترامب نفسه، الذي كما تقول يتعرض لضغوط داخلية متنامية بسبب احتمالات ارتباط بعض أعضاء فريقه بموسكو. ويجري النظر في موسكو لهذا، كشاهد على تأثير القوى التي تضمر عداء مستداما حيال روسيا وعلى توجهات الرئيس ترامب التي أعلن عنها. وثمة اعتقادات بأن التجاء ترامب لاستعمال القوة على الساحة الدولية قد منحه متنفسا، لأن خصومه أوقفوا، ولو مؤقتا الحملات ضده. وانه في الوقت نفسه كان مضطرا للخضوع لبرنامجهم السياسي الخارجي.
ويلفت مدير مؤسسة كارنيغي للسلام في موسكو ترينين إلى ان ترامب بإعطائه الأوامر بإنزال ضربة في سوريا، يكون قد تصرف مثل فلاديمير بوتين مع باراك اوباما في ايلول/سبتمبر 2015 حين بدأ حملته العسكرية في الشرق الأوسط. والآن حسب المراقب السياسي: «ان روسيا وأمريكا تورطتا في النزاع السوري، وان أهدافهما تتطابق جزئيا وحسب».
ويجمع المراقبون على انه بعد الضربة الأمريكية الأخيرة فإن أخطار المواجهة بين أمريكا وروسيا زادت أكثر، بيد ان الخيارات ما زالت مفتوحة وتعتمد في الدرجة الأولى على النهج الذي سوف تختطه الإدارة الأمريكية، فاذا ما تبنى الرئيس ترامب نصائح بعض مستشاريه الداعين إلى التركيز على إزاحة بشار الأسد ونظامه ومن ثم تصفية الدولة الإسلامية، فان هذا سيعني إذلالا لروسيا ويصعد من احتمالات المواجهة بين موسكو وواشنطن وتأجيج أزمة ترتقي بمستواها إلى أزمة الكاريبي الشهيرة عام 1962 حينما حاول الاتحاد السوفييتي نشر أسلحة نووية في كوبا وهددت أمريكا بتدمير السفن التي كانت تحملها. ولكن في حال الخيار الدبلوماسي فهناك احتمال أكبر للتوصل إلى عقد اتفاقية، وهو ما تميل له موسكو لتعزيز انجازاتها. وهناك قناعات في موسكو مفادها ان ترامب يسعى بصدق للتوصل إلى اتفاق ما، ولا يستبعد ان يكون الحديث قد جرى عن ذلك خلال المباحثات التي أجراها وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون خلال مباحثاته مع وزير الخارجية سيرغي لافروف والرئيس فلاديمير بوتين في 12 نيسان/ابريل الحالي، والتي اعتبر الرئيس ترامب نتائجها «غير سيئة».

البعد الجيوسياسي

وهناك تناقضات مستدامة في مصالح موسكو وواشنطن تتخطى جدول أعمال الساعة، في مقدمتها الشرق الأوسط، إذ ثمة تطابق واختلاف في المصالح. وتقول روسيا انها معنية بالدرجة الأولى في ضمان الأمن في المنطقة ولا تريد زعزعة الاستقرار في المنطقة القريبة من حدودها وانتقال القوى الإرهابية لأراضيها. وعلى الرغم من ان روسيا تعتقد انها لاعب نافذ في الشرق الأوسط، إلا أنها تفتقر إلى الثروات والبرامج لاستعادة الوضع الذي كان الاتحاد السوفييتي يتمتع به في وقت ما.
وتدرك موسكو ان المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط متعددة الأبعاد، من بينها دعم إسرائيل من دون حدود، والانطلاق من رؤيتها لآفاق التسوية الشرق أوسطية، وبالتالي تحديدها موقفها إزاء القضايا الإقليمية في المنطقة من وجهة نظر إسرائيلية. فضلا عن ان السياسة الخارجية الأمريكية ازاء دول الخليج كما ترى موسكو، تنطلق من الاهتمامات التجارية مع المنطقة والسماح لها بالوصول للثروات النفطية، علاوة على ذلك فان أمريكا تشارك في مكافحة الإرهاب في المنطقة، ويدفع تنامي قدرات الدولة الإسلامية أمريكا إلى حضورها العسكري في المنطقة.
وتتطابق وجهة نظر روسيا وأمريكا في ان الدولة الإسلامية والحركات الجهادية المتطرفة تشكل خطرا على الاستقرار في المنطقة. ويرى مراقبون ان مكافحة الإرهاب تمنح الفرصة لإقامة تعاون عميق بين روسيا وأمريكا. بيد ان الحرب في سوريا كشفت عن خلافات جوهرية بين البلدين. وترفض روسيا قطعا تغيير النظام السوري ورئيسه الأسد، بدعم أمريكي. وتدرج موسكو مثل هذا التغيير في إطار «ثورات الورود» التي شهدتها بعض دول الاتحاد السوفييتي السابق، وتعتقد انها ستكون مصدرا لنشر الفوضى في الشرق الأوسط. وترى ان بوسع الانتخابات في سوريا وحدها ان تقرر مصير الأسد وحكومته. بينما تذهب أمريكا إلى ان روسيا تدعم نظام الأسد من خلال قصفها المعارضة المعتدلة. وتقول ان السلام لن يحل في سوريا ولن تكون دولة موحدة ما دام الأسد في السلطة. كما ان هناك تباينا في منهج ودوافع محاربة الولايات المتحدة وروسيا للإرهاب، واختلاف رؤيتها لمستقبل الأمن في أوروبا وفي شؤون الطاقة وتسوية المشاكل الدولية بما في ذلك البرامج النووية في كوريا الشمالية والموقف من إيران وتسوية النزاعات.
إلى جانب ذلك فثمة خلاف كبير في اسلوب الحرب ضد الإرهاب. وهناك مؤشرات على تجميد موسكو وواشنطن خلافاتهما الآن، لإتاحة الفرصة للعثور على طرق لتسويتها.

صواريخ ترامب في الشعيرات سددت ضربة للعلاقات الروسية الأمريكية

فالح الحمراني

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left