استراتيجية القضاء على الإرهاب تبقى أولوية ترامب رغم الضربة الأمريكية

رلى موفّق

Apr 15, 2017

الضربة الأمريكية على مطار الشعيرات بعد الهجوم الكيميائي للنظام السوري على بلدة خان شيخون، شكّلت خطاً فاصلاً بين أمريكا بالأمس واليوم. خاض المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب حملته الانتخابية تحت شعار «لنعيد العظمة إلى أمريكا مجدداً». فأمريكا الدولة الأقوى في العالم فقدت تلك الصفة في زمن الرئيس السابق باراك أوباما، حتى أن روسيا، إزاء وهن «سيد البيت الأبيض»، أعادت إحياء حلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمجد الامبراطورية والدولة العظمى وزمن القطبين، لا بل إن إيران وجدت الفرصة الذهبية في إعادة إحياء الامبراطورية الفارسية، وأضحت الشوكة في خاصرة دول المنطقة. تمددت حيثما أمكنها، واستثمرت في الشيعة العرب لتحقيق مشروعها التوسعي على مرأى من واشنطن، وعلى حساب حلفائها التقليديين.
تغيّر المشهد مع الضربة الأمريكية. كان خصوم ترامب ينتظرون أن يروا كيف سيتصرّف الرجل في أول امتحان له. استخدام غاز السارين في خان شيخون كان الامتحان، والذي على أساس نتائجه ستعمد كل الأطراف إلى بناء حساباتها. لم يكن واضحاً بالملموس كيف يمكن لهذا الرجل أن يتصرّف. فأوباما تحدث كثيراً عن خطوط حمر، وعند الامتحان لم يحوّل أقواله إلى أفعال. الخلَف فعل ما قاله. أرسى المعادلة التي سيسير عليها في سياسته، وإن كان معروفاً أن أمريكا تتميز بقدر عال من «البراغماتية»، بحيث أنها قادرة على تعديل مسارها في الاتجاه الذي يخدم مصالحها أولاً.
الضربة الأمريكية أعادت شدّ عصب حلف شمال الأطلسي الذي أيّد الرئيس الأمريكي في خطوته، كما أعطت دول الخليج نموذجاً مختلفاً عن أداء سلفه في التعامل مع الأزمة السورية، حيث أصاب الحلفاء بخيبات أمل كبيرة، نتيجة سياسة إدارة الظهر للحلفاء التقليديين لواشنطن على حساب غض الطرف عن إيران وتدخلها في شؤون المنطقة. وهي أرسلت رسالة إلى إيران أن زمن الإفادة من تراخي أوباما حيالها قد انتهى، وهي جازمة في وضع حد لتوسّعها العسكري والأمني في المنطقة، ولتهديدها شركاء الولايات المتحدة، سواء أكانوا في الخليج أم في العالم العربي أم في المنطقة بشكل عام. لكن في الضربة أيضاً رسالة إلى موسكو، التي أخطرتها أمريكا بها، في إشارة واضحة لرغبتها في ترك باب التعاون مفتوحاً، وفي الذهاب باستفزاز موسكو، وكانت الإدارة الأمريكية حريصة على العمل بمذكرة التفاهم الثنائية في شأن ضمان سلامة الطيران في الأجواء السورية.
ولكن السؤال الذي يُطرح هو: ماذا بعد الضربة؟
يقول المتابعون لسياسة ترامب الخارجية، ولا سيما حيال الشرق الأوسط، أن الرجل رسم الخطوط العريضة لاستراتيجيته في المنطقة منذ حملته الانتخابية ولم يُغيّر فيها. الأولوية للقضاء على الإرهاب الذي يشكله «تنظيم الدولة الإسلامية». وهذا يتطلب وضع خطة عمل متكاملة. القضاء على «داعش» يتطلب خطوات تحضيرية لما قبل ولما بعد. وهذا ما يتم العمل عليه. الضربة الأمريكية كانت تأديبية للأسد، في رسالة له ولمن وراءه، بأنه ممنوع تجاوز الخطوط الحمر، سواء عبر استخدام الأسلحة الكيميائية أو اللعب في الوقت الضائع. فإنزال أمريكا لقواتها في شمال سوريا لوقف تقدّم الأتراك وحلفائهم أو النظام وحلفائه أو قوات سوريا الديمقراطية في اتجاه الرقة رسالة للأطراف جميعاً بأن تغيير «الستاتيكو القائم» ممنوع قبل أن تصبح الإدارة الأمريكية جاهزة في خطتها.
المتابعون في واشطن يتحدثون عن مؤتمر سيُعقد، على أبعد تقدير في تموز/يوليو المقبل، لتحالف دول الشرق الأوسط، الدول التي ستساهم في عملية القضاء على تنظيم «الدولة». تلك الخطة تتضمن أعداد القوات التي ستشارك على الأرض، وفي مقدمها الجيش السوري الحر، الذي لا يزال الرهان عليه، كما القوات التي ستمسك بالأرض بعد تحريرها. في المسلمات أن المناطق المحررة ستكون في عهدة قوى محلية معتدلة، من أبناء المناطق نفسها، مدعومة بقوى هذا التحالف.
على أن الخطة لا تبحث في مدى إمكانية تطبيق المناطق الآمنة سواء على الحدود مع تركيا أو الأردن وتوقيتها فحسب، بل إن المسألة الرئيسية ترتبط في أن عملية مكافحة الإرهاب «السنّي»، سواء المتعلق بتنظيم «الدولة» أو التنظيمات الأخرى، لا يمكن أن تتم من دون تبعات مرتبطة بها، وفي مقدمها مصير التواجد العسكري الإيراني من خلال الميليشيات الشيعية التابعة له، سواء من الميليشيات اللبنانية، وهي الأبرز، المتمثلة بحزب الله، أو العراقية أو الأفغانية أو الباكستانية وغيرها.
وهذا المسار لا يمكن أن يتم من دون روسيا، التي هي في نظر الأمريكيين الراعي والحليف لإيران في سوريا. فعين أمريكا على روسيا. هي في استراتيجيتها تريد فصلها عن إيران. بالطبع ليست المهمة سهلة، وربما باتت أصعب بعد ضربة مطار الشعيرات. لكن بعدما يهدأ الروس من صدمة «الصفعة»، ومن الضغط الدبلوماسي عليهم، وبعد أن تبرّد اجتماعات موسكو، بين وزيري خارجية البلدين سيرغي لافروف وريكس تيلرسون، مفاعيل الغضب الروسي، سيبدأ البحث في العمق بشكل أفضل، ولا سيما أن واشنطن تدرك أن سوريا لم تكن يوماً دولة صديقة لأمريكا بل كانت على الدوام في المحور الروسي، وأن لموسكو قواعدها ومصالحها على شاطئ المتوسط، وأن مسار الحل للأزمة لا يمكن إلا أن يكون سياسياً. هو بدأ برعاية الطرفين ومقوّمات النجاح تتطلب تعاوناً ورعاية مشتركة للحل. أما مصير الأسد، فإنه أصبح جزءاً من أوراق الضغط القريبة المدى، ذلك أن بداية مسار العملية الانتقالية ووضع الدستور، وسط موازين غير مختلة وتحديد طبيعة النظام المقبل، من شأنه أن يرسم عنده المعالم النهائية لمصلحة الأطراف المعنيين بالأزمة.
وأمريكا التي ترغب في أن ترى نوعاً من فك الارتباط الروسي عن إيران، تدرك أن في يدها أوراقاً عدة يمكنها أن تضغط بها على موسكو، من العقوبات الاقتصادية إلى التمسك بالمطالبة بالخروج من جزيرة القرم وإعادتها إلى أوكرانيا، إلى العلاقة مع دول الحلف الأطلسي. تماماً كما تدرك موسكو أن هيبتها الداخلية على المحك، إذا لم يُفض تدخلها العسكري في سوريا إلى تسوية سياسية، وأن احتجاجات الشارع الروسي على الوضع الاقتصادي وواقع الحريات ممكن أن تذهب إلى حدود الانفلات، وأن استقرارها الأمني، الذي بدأ بالاهتزاز، سيضعها تحت ضغوط كبيرة. إنها وقائع من شأنها أن تدفع موسكو إلى الانخراط أكثر في الاستراتيجية الأمريكية وتوفير مظلة دولية بدل أن تذهب نحو التطويق والمواجهة التي ستكون حكماً مكلفة على الطرفين، لكنها مكلفة عليها أكثر إذا لم تلجم إيران، ولم تكن جزءاً في الحرب على الإرهاب ضمن استراتيجية متكاملة ترسمها أمريكا مع حلفائها!

استراتيجية القضاء على الإرهاب تبقى أولوية ترامب رغم الضربة الأمريكية

رلى موفّق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left