“الفسيخ” و”الرنجة”… صناعة ربيعية ملحها يحلو بمصر

Apr 16, 2017

10

القاهرة ـ من أسماء أحمد ـ رغم أزمة اقتصادية تشغل العقول وأخرى أمنية تؤلم العواطف وتملكان سويا ألباب المصريين هذه الأيام، تبقى كلمتا “الفسيخ” و”الرنجة” ربما الأكثر تداولا على ألسنتهم في أبريل/نيسان، هذا الموسم المعروف بأعياد ذات طعم ورائحة مميزين.

سمك البوري المعتق المسمى بـ”الفسيخ”، وأسماك الرنجة رغم ملوحتهما، تحلو بهما موائد المصريين في عيد الربيع المسمى هنا بـ”شم النسيم” الذي يحلو للبعض أن يسميه مازحاً “شم الفسيخ”.

ولهذه الوجبة الخاصة قبل وصولها للأسواق ومنها لأيدي المحتفلين وبطونهم، مراحل صناعة في مناطق محددة بالبلاد لاسيما محافظات الدقهلية وكفر الشيخ والبحيرة، في دلتا النيل شمالا، وكانت للأناضول رحلة لرصد هذه المراحل.

في إحدى قرى مركز أبو المطامير بمحافظة البحيرة، وفي مصنع صغير، بدأت الرحلة بمراقبة صيد السمك من مزرعة سمكية ملاصقة للمصنع، الفسيخ ها هنا يتم اصطياده أسماكه وتجهيزها من الألف إلى الياء، أما أسماك الرنجة فيتم استيرادها من دول اسكندنافية وإعدادها في مصر.

كميات أسماك البوري التي ستتحول فسيخ لاحقا، تخرج بواسطة الشباك التي يمسكها بقوة عمال مصريون، نصبوها قبل يوم لتجمع لحم البحر الطري.

بعد تفريغ الشباك، توضع الأسماك في صناديق متوسطة الحجم لنقلها إلى المصنع، حيث توجد أيضا هناك صناديق أسماك الرنجة المستوردة في صورتها الأولية قبل التمليح.

وتنتظرهناك ثلاثة فتيات لا يتجاوزن الـ 20 عامًا من أعمارهن، تتلقف أيديهن الماهرة المدربة، الأسماك من هذه الصناديق، ينظفنها جيدًا، ثم يعدنها للصناديق مرة أخرى.

عمال آخرون عددهم لا يتخطى أصابع اليد الواحدة يأخذون الأسماك إلى مرحلة التمليح لتعتيقها في دورة الحصول على الفسيخ والرنجة، وفق ما استمعت له وراقبته مراسلة الأناضول.

ويقول عبد العزيز فهمي (65 عامًا) وشهرته “سي عبده”، صاحب المصنع، إنه توارث المهنة “أبًا عن جد”، مُشيرًا أنه أنشأ مزرعة سمكية متكاملة على أعلى مستوى، وبها جميع مقومات العمل من زراعة السمك وتربيته، بالإضافة إلى صناعة وتعبئة وتدخين الأسماك (طريقة لحفظ الأسماك بالتدخين)، مُشيرًا إلى أنه يقوم بصناعة “الفسيخ والرنجة” في مصنعه الخاص.

وعن صناعة الفسيخ، يشرح عبد العزيز لمراسلة “الأناضول” أنّه يصنع فقط من العائلة البورية ومنها “البوري”، و”الجبايش”، و”الهليلي”، و”الكبوت” حيث يتم تنظيف البوري جيدًا ويترك ليجف ثم يدخل المعمل.

ويضيف “يتم رص (تصفيف) السمك (البوري) في غرفة بها تكييف درجة حرارته 20 مئوية، لمدة ثلاثة أيام”.

ويتابع “عقب ذلك يرص في براميل (صناديق) كبيرة على هيئة طبقات تفصل بينها كمية معينة من الملح، ويترك 3 أيام أخرى، ثم يتم تصفية السمك من دمائه ثم يرص في صناديق مرة أخرى، ويتم تمليح كل كيلوغرام سمك بكيلوغرام من الملح، ويترك 15 يوما حتى ينضج السمك ويصبح الفسيخ”.

أمّا “الرنجة” فيشير عبد العزيز، إلى أنّ صناعتها لم تكن موجودة في مصر، وكان يتم استيرادها جاهزة، حتى تعلموا صناعتها في السنوات الأخيرة (لم يحددها) وبرعوا فيها وأصبحوا يصدرونها إلى الخارج.

ويوضح أنه يتم صناعة الرنجة من سمك “الهارنج” بعد استيراده من هولندا أو النرويج أو اسكتلندا، وذلك لأنها تعيش في المياه الباردة، وبها نسبة دسم عالية تكسبها لونها الذهبي، ثم يتم تمليحها لمدة ثلاثة أيام مثل “الفسيخ”.

ويلفت إلى أنه يتم تجفيف تلك الأسماك على “قطع خشبية خاصة بها” ثم تدخل الفرن، وتُشعل أسفلها نيران بقطع خشب من أشجار الليمون أو البرتقال لمدة 12 ساعة إذا كان التدخين على البارد، أو لمدة 48 ساعة إذا كان تدخين على الساخن.

ويشدد على أنّ مُديريتي الصحة والطب البيطري بمصر تُشددان الرقابة على صناعة “الفسيخ والرنجة”، وخصوصًا هذه الأيام (موسم شم النسيم) لتجنب وقوع أي حالات تسمم جراء تناول “فسيخ أو رنجة” فاسدة، موضحا أن تلك الجهات الحكومية تقوم بزيارة دورية له كل 10 أيام لأخذ عينات من الأسماك وتحليلها ومنحه موافقة لبيعها.

ويبين أنّ كيلوغرام “الفسيخ” يتراوح سعره من 80 إلى 100 جنيه (نحو 5 دولارات)، والرنجة الممتازة لا يقل سعر الواحدة منها عن 50 أو 60 جنيهًا (نحو 3 دولارات).

وعن الخوف من الأسماك الفاسدة وتأثيرها على حركة الصناعة، يبيّن عبد العزيز إلى أنّ فساد “الفسيخ” يأتي من سوء التخزين أو التمليح أو معيشتها في مياه غير نظيفة أو إطعامها طعاما غير نظيف.

ويلفت إلى أنه في موسم “شم النسيم” يدخل في صناعة “الفسيخ” أشخاص غير مختصين، قد يصنعون “الفسيخ” من الأسماك النافقة ويبيعونه للمواطنين وهو ما يسبب حالات تسمم لمن يتناوله، أمّا الرنجة فلا تفسد بسهولة.

وينصح “عبد العزيز″ المصريين بفحص “الفسيخ” قبل شرائه، حيث أنّ الفسيخ الجيد تكون عيني السمكة بارزة، ولحمها متماسك لا يوجد به فراغات، وغير مرن، أمّا غير ذلك تكون فاسدة.

وعن تاريخ صناعة “الفسيخ” يقول عبد العزيز إنّه يرجع لعصر قدماء المصريين الذين كانوا يجففون الأسماك، وكان يُسمى حينها “سمك مقدد” يأخذونه معهم في الحروب لأنه لا يفسد بمرور الوقت وكان يتم تقديمه كوجبات للجنود.

ويذكر أنّ مصر تقوم بتصدير “الفسيخ والرنجة” للسعودية ودول الخليج منذ فترة طويلة، دون مزيد من التفاصيل حول الكميات والنسب.

ولا توجد إحصائيات رسمية لحجم تلك الصناعة الموسمية.

وتاريخيا عادة الاحتفال بأعياد الربيع تليدة في مصر، فكان المصري القديم يبدؤها بمهرجان شعبي مع طلوع شمس اليوم، وهو ما زال موجودا حتى الآن لكنه تحول لخروج الأسر للمتنزهات والحدائق العامة، واصطحاب الأطفال لحدائق الحيوان، وتلوين البيض وتجهيز الرنجة والفسيخ والبصل والسردين والليمون، وغيرها من أطعمة شم النسيم.

وترجع تسمية اليوم بـ”شم النسيم” لما أطلق الفراعنة على هذه الاحتفالية “عيد شموش” أي بعث الحياة، وحرِّف الاسم في العصر القبطي إلى اسم “شم” ، وأضيفت إليه كلمة النسيم نسبة إلى نسمة الربيع. (الأناضول)

- -

3 تعليقات

  1. هناك حالات تسمم حصلت من جراء أكل الفسيخ الغير مراقب إنتاجه
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. بصراحة لا أعرف كيف يستطيع المصريون أكل هذا الطعام !

    جيراني مصريون وحين يحتفلون بشم النسيم تصبح الروائح في البناء الذي أقطن فيه لا تحتمل وتبعث على الاقياء والغثيان.

    في سوريا يحتفلون بعيد الفصح ببيض ملون وحلويات خاصة بالمناسبة ولكن بلا روائح وبلا عفن !

Leave a Reply to نوارة+سوريا Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left