العنف يتربع فوق عرش الأوطان

د. ناصر عبد الرحمن الفرا

كم هو مروع ما يجتاح عالمنا العربي من عنف وقسوة. العنف، بمختلف مسمياته وذرائعه يكتسح منطقتنا من كافة جوانبها وعلى طول الأوقات. عنف يربك العقل، يدمي القلب ويؤرق المضاجع. مثله مثل الرياح العاصفة التي تهب بشكل عشوائي، تأتي موجة العنف من الشمال، ثم تجتاز الوسط لتصل للشرق. وأحياناً تنطلق من الغرب لتصل للجنوب ثم تعود إلى الشمال. العنف يضرب يومياً بلا رأفة ولا رحمة في عمق ضمائرنا. يضرب بدون أي اعتبار، فيولد البغضاء، يهز المشاعر ويحرق الأعصاب. تنطلق شرارته من لبنان، ليقفز من ثم إلى العراق، وبعدها يجتاح ليبيا وسورية، مخلفاً كماً هائلاً من العذاب والركام، ثم يعود كعادته لفلسطين والصومال، فيتوارى باليمن والبحرين، ليعصف بعدها في مصر وتونس، بعد أن كان قد دمر في الجزائر وقسم في السودان. انها دوامة العنف التي لا تتوقف عن الدوران.
حيناً ينفجر العنف من تحت الأرض، أو ينقل فى السيارات والشاحنات، أو يتساقط من أعلى السماء، وحيناً آخر يحمله جسد فتي أو على ظهر حيوان. أينما نظر المرء، يذهل مما يخلفه العنف من قتل ودمار. على بصيص شعاعه نرى كيف يتدفق سيلاً عارماً من الدماء، تتناثر الجثث وتتبعثر الأشلاء. من جراء حدة العنف يتشرد ملايين العباد وتهجر القرى وتعشش في المدن الاشباح. على نغم ويلات العنف تسمع نواح النساء، نشيج الرجال وصراخ الأطفال الأبرياء. لا يطلع صباح ولا يحل مساء بدون أن تسمع دوي الانفجارات، رنين الرصاص وهدير الدبابات والطائرات التي تنثر قذائفها، مزهقة كماً هائلاً من الأرواح، مدمرة البنيان الأسواق المساجد الكنائس والمنتجعات.
صورة بلادنا الآن صورة كئيبة، مظلمة، سوداء. رائحة العنف التي تفوح منها نتنة ومقززة للأبدان. انها مزيح من رائحة التعذيب القهر الرعب الموت والجثث التي تتعفن، لأنها لا تجد من يدفنها بكرامة وحسب ما تمليه المعتقدات. دراماتيكي ذاك المنظر الذي يطل علينا دوماً من خلف الشاشات. كثير هم من يحاولون قدر المستطاع تجنب مشاهدة التلفاز وعدم متابعة الأحداث، لكننا أدمنا حتى النخاع، فكل يوم نحتاج لجرعه من الأخبار العاجلة لنتأكد بأننا مازلنا نفكر، نتابع وأننا حقاً على قيد الحياة. استمرار دوامة العنف يشعرنا بنشوة وجودنا، مثل تلك ‘النشوة’ التي يشعرها من يسفك دماء الأبرياء. لا يفهم أحد كيف يتلذذ من يحترف مهنة العنف وهو يشاهد آثار ما يخلفه من ويلات. والبلاء الأعظم، كيف يتجرأ ويعود ويرتكب بفظاعة نفس الأخطاء. لا يضع فى الحسبان أن الدائرة يمكن أن تدور عليه، وأن تطال احباءه ورفقاءه يوماً ما. مخطئ من يعتقد أن جرائم القتل ضد أبناء وطنه تجعله شخصا مهابا وأن يديه الملطختين هما من سينقذ البلاد ويحمي العباد.
بعد كل مذبحة كثير هم من يدعون الله أن يلعن روح السفاح. ويسخطون على كل قاتل تحت أي راية كان، وعلى كل مجرم جعل من بلده جهنم حمراء. ويطلبون من الله أن يوقع أشد العذاب على كل من حرم الآباء حق التمتع بمجالسة الأبناء، وعلى كل ما ساهم في تهجير خيرة الرجال والنساء وإهدار كرامة الإنسان وثروات البلاد، بل ويكررون اللعنة على كل من يرعب من يؤمن بالحرية، وعلى كل من يفرق بين الخلان ويفصل للأبد بين رفقاء الصبا والغرام.
لقد لطخت الدماء مستقبل بلادنا بالتشاؤم وأفقدت الكثير مما تبقى من حب أماني وآمال. لكن ومع ذلك تبقى إرادة البقاء وعزيمة التمتع بكرامة الحياة أقوى من كل ظالم مجرم غدار، غاو للفتنة وللقتل بدون أي مبررات.
جراء العنف أصبحنا لا نفكر ولا نبدع في أي من الاشياء. فقط نتابع الحدث بعد الحدث قبل فوات الأوان. لقد الفنا العنف بغير رغبة، لدرجة أنه أضحى بالنسبة لنا شيئا معتادا. لقد تحولت أوطاننا أمام العالم إلى مجرد فيلم رعب بدون سيناريو ولا ابطال، يطارد فيه القتلة بعضهم كما تطارد خفافيش الليل بعضها في جنح الظلام، ثم يأتون في نهاية المقام ويتبجحون بالقول انهم رواد تسامح وسلام. إن لم تقارن الأقوال بالأفعال، لن يصدق أحد بتاتاً مقولة انهم متحضرون أو انهم جزء من خيرة أمة أخرجت للناس، ولا انهم أحفاد من ساهم في بناء صروح الثقافة ومجد الحضارات.
عندما يتمعن الواحد منا كيف يتفنن الآخر فى جلد الذات، بقتله الغير ببرودة لا مثيل لها، لا يمكنه أن يصدق بتاتاً أنه يمقت العنف ولا يهواه. ممارسة مهنة العنف من أجل العنف ليست سوى عملية قتل، اغتيال، إرهاب وإزهاق للأرواح الأبرياء. أمام هذا الحال، الأجدى نبذ العنف ورفض كل من يهواه، وألا يساهم أحد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فى رعايته أو التحفيز على ارتكاب فظائعه، تحت أي ذريعة كانت. هكذا توضع الثوابت الاساسية لمواجهته واقتلاع بعض من جذوره المتعمقة والمتشعبة بين البلدان. رغم كافة الصعوبات، من الأجدى تشجيع ثقافة التفاهم والحوار بين مختلف المكونات، لأن ذلك أفضل وأضمن من تفشي العنف والعنف المضاد.
العنف فى بلادنا متنوع الألوان والأشكال، رغم كون العنف ذي الطابع السياسي- الديني هو المهيمن في عالمنا الآن. بينهم علاقة تشابك وتجاذب، ما يجعله أشرس أنواع العنف وأكثرها فتكاً بالإنسان. كذلك هنالك تنوع في مصادر العنف، حسب من يزاوله. فهنالك أولاً العنف الرسمي المبرمج والممارس من قبل القوى المستبدة الحاكمة. ثانياً العنف غير الرسمي، الذي تقوم به طائفة، تنظيم أو ما شابهما. وثالثاً العنف الذي يمارس بين الأفراد، مثل حال الممارس من قبل القوي ضد الضعيف، الغني ضد الفقير، الرجل ضد المرأة، الكبير ضد الصغير، المتعجرف ضد المتواضع والمتزمت ضد المتسامح….
رغم خطورة كافة أنواع العنف وتأثيرها السلبي، لسنا هنا بصدد رصدها وإبراز كافة معالمها، وإنما فقط التركيز وحث الآخرين على التأمل في ما تحدثه من نتائج وعواقب وخيمة عندما يتربع بإجلال فوق عرش أوطاننا. كذلك التأكيد على ان العنف بكافة أشكاله يتبلور قولاً ويتجسد فعلاً في غياب دولة القانون، الحريات، التعددية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، التباعد الطبقي، سوء إدارة المؤسسات العامة، التفاوت المتباين في توزيع الثروات، التمسك بالفكر الواحد المتحجر وهيمنة الحكم الظالم. إذا تمكنا من تحييد كل واحدة من هذه الأسباب، نكون قد بدأنا تجفيف كل واحد من المستنقعات، الذي يرتوي منها ويعيش على ضفافها أبشع وأقسى سلوك اختاره الإنسان في التعامل مع الغير ومع الذات.

‘ كاتب فلسطيني

Email this page
Share on Facebook