خطأ حماس الاستراتيجي

محمد عايش

Apr 18, 2017

إذا صحَّت التسريبات الإعلامية عن «وثيقة سياسية» ستصدر عن حركة حماس قريباً، وستكون نظيراً أو نداً أو بديلاً عن ميثاق الحركة، وستتضمن قبولاً بدولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، إذا صحَّ ذلك وصدرت هذه الوثيقة فعلاً؛ فسوف تكون حركة حماس قد ارتكبت ثالث خطأ استراتيجي في تاريخها.
ثمة خطآن استراتيجيان ارتكبتهما الحركة في السابق، الأول كان مشاركتها في الانتخابات الفلسطينية العامة عام 2006، رغم أنها لم تكن تعترف باتفاق أوسلو وما زالت، وهي الانتخابات التي حوَّلت الحركة إلى حزب سياسي يحاول أن يستحوذ على حصة في السلطة الفلسطينية، رغم أن هذه السلطة أنشأتها منظمة التحرير كمشروع انتقالي مؤقت، وبالتالي فالمنظمة ذاتها ومعها حركة فتح لا ترى في السلطة أي إنجاز، إلا بقدر أنها خطوة في اتجاه تحقيق الحلم الوطني الفلسطيني ببناء دولة ولو على جزء من أرض فلسطين. أما الخطأ الاستراتيجي الثاني فكان إعلان موقفها من الثورة السورية، وهو الموقف الذي لم يكن مطلوباً، ولن يكون مطلوباً من حركة تحرر فلسطينية، وهذا الخطأ كبد الحركة كثيراً من التكاليف، التي يعرفها أبناؤها أكثر مما يعرفها غيرهم، فضلاً عن أنه شكَّل انزلاقاً نحو صراع عربي داخلي لا علاقة للفلسطينيين به، وهو خطأ كانت حركة فتح قد ارتكبته في لبنان خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ودفعت ثمنه غالياً في ذلك الحين.
وبالعودة الى «الوثيقة السياسية» التي تقول الأنباء أنها ستصدر عن حركة حماس خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، لو صحت التسريبات أنها ستتضمن قبولاً بدولة على أراضي الـ67، فسوف تكون خطأ استراتيجياً كبيراً في مسار الحركة للأسباب التالية:
أولاً: الوثيقة السياسية، كما تقول التسريبات، لن تكون بديلاً عن ميثاق الحركة الذي لن يتم تعديله ولا المساس به، وهذا معناه أن المآخذ التي تُسجل على الميثاق ستظل موجودة، ولن يتم التخلص منها، كما لن يتم التخلص من الحرج الذي يُسببه الميثاق، خاصة فيما يتعلق بالحديث عن «الصراع مع اليهود»، وهي نظرية – أي الصراع مع اليهود- يجب أن تعترف حماس بكل شجاعة أنها غير صحيحة، إذ أن الفلسطينيين ليسوا في صراع ديني مع اليهود، وإنما هم في صراع مع الاحتلال الاسرائيلي، سواء كان هذا المحتل يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً. أما اليهود فكانوا جزءاً لا يتجزأً من الشعب الفلسطيني حتى عام 1948، وهذا ما يؤكده صلاح خلف (أبو إياد) في مذكراته، ويؤكده أيضاً القيادي في حركة فتح أبو داوود، الذي يقول في مذكراته إنه لا يخجل أن يقول بأن جارته اليهودية صديقة أمه كانت تقوم بإرضاعه.. بناء على ذلك كله فلن يعيب حركة حماس أن تقوم بتعديل ميثاقها أو إلغائه كله من أجل تصحيح المسار، وليس صحيحاً إصدار «وثيقة سياسية» تظل موجودة إلى جانب الميثاق، ومن يشأ أن يأخذ من هذا أو هذا فليفعل.
ثانياً: التسريبات تؤكد أن حماس ستعلن قبولها بدولة على حدود 67، وهذا لا مشكلة فيه مع أغلب أبناء الشعب الفلسطيني، لكن المشكلة أن هذا الاعلان ينطوي على تنازل في المطالبات وبدون أي ثمن أو مقابل؛ فإن يأتي هذا الإعلان من حركة حماس كرد على قبولها بمبادرة أو اتفاق سلام مع اسرائيل، يمكن أن يكون مقبولاً، أما أن يتم العرض بالمجان فهذا هو الخطأ الاستراتيجي. ورحم الله الشهيد ياسر عرفات عندما سلم وثيقة الاعتراف باسرائيل قبل دقائق من توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، إذ لم يكن عرفات يقبل تقديم هذا التنازل إلا في إطار اتفاق سلام وفي إطار مسار سياسي يكفل له الاستفادة من هذا التنازل.
ثالثاً: لا يوجد في كل ما تسرب عن الوثيقة أي تبرير للتوقيت، ولم يتمكن أحد من معرفة (لماذا الآن؟) أو الإجابة على هذا السؤال، وهذا دفع الكثيرين إلى التخوف من أن تكون حركة حماس تريد من «الوثيقة السياسية» التمهيد لتأسيس «دولة غزاوية» وتكريس الوضع القائم حالياً في الأراضي الفلسطينية، وهذه كارثة، خاصة بعد الأنباء عن نتائج انتخابات حماس الداخلية التي جاءت هي الأخرى لصالح «حماس – غزة».
رابعاً: يخشى البعض أيضاً أن تكون «الوثيقة السياسية» التي ستتبناها حركة حماس نتيجة للقاءات السرية بين خالد مشعل وتوني بلير، فإن يكون التحول استجابة لإغراءات بلير أمرا يختلف تماماً عن كونها استجابة لضرورات المصلحة الوطنية، وشعورا من الحركة بضرورة تصحيح المسار. هناك الكثير من الكلام الذي يُمكن أن يُحكى بعد إعلان «الوثيقة السياسية»، هذا إذا اتفقت الحركة فعلاً على الوثيقة وتم إعلانها، لكن الخلاصة الأهم في الأمر هو أن تقديم أي تنازل يجب أن يكون بثمن وليس بالمجان، كما أنه لا يوجد شيء في علم السياسة اسمه «وثيقة سياسية» وإنما يتوجب إلغاء الميثاق أو تعديله بما يتناسب مع المستجدات السياسية، فدساتير الدول يتم تعديلها وكل ما وضعه البشر يمكن نقاشه وتصحيحه، أما إصدار وثيقة موازية تتناقض مع الميثاق فهذا لا معنى له، ولم نسمع أن حركة سياسية أو حزباً أو منظمة قد سلك هذا السلوك من قبل.
كاتب فلسطيني

خطأ حماس الاستراتيجي

محمد عايش

- -

6 تعليقات

  1. ماذا يعني قبول حماس بدولة في أراضي ال67 ؟ هل بدأت حماس مسلسل التراجع؟

  2. ليس صحيحا ان موقف حماس من الثورة السورية كان خطأ بل كان موقف تاريخي يُحسب للحركة وليس عليها . حركات التحرر والمقاومة يجب ان تقف الى جانب الشعوب وتطلعاتها كما وقفت هذه الشعوب الى جانبها أصلا في نضالها .

  3. شكرا للكاتب على هذه التوضيحات وهذا المقال لكن هناك الكثير من الجوانب التي اغفلها واهمها ان حماس ستقبل على دولة في 67 لكن مع عدم التنازل عن الباقي ومع عدم الاعتراف باسرائيل وهذا يعني انها لن تتنازل عن شيء وانما ستؤكد المؤكد في وثيقتها .

  4. موقف حماس من ثورة الشعب السّوري كان موقفا سليما مائة بالمائة لأنّ بشار الكيمياوي قال : من ليس معي فهو ضدّي ، وحماس اتّخذت موقفا حياديّا فلم تقاتل مع بشّار ولا ضدّه ولم تشارك في إراقة دم السّوريّين التزاما منها بأن لاترفع سلاحها إلاّ في وجه العدوّ الصّهيوني ، ولم تخطئ الخطأ الذي وقع فيه حزب الله اللّبنانيّ الذي كان يرفع نفس الشّعار.

  5. الاخطاء الثلاثة و الميثاق هي وجهات نظر للكاتب المحترم و اعتقد انها غير مقنعة.
    اما عن ظن الكاتب ان التنازل يستوجب تنازل مقابل فهو خطأ استراتيجي لا يغتفر. لانك يا اخي الكاتب تضع الطرفين على قدم المساوة. قضيتنا قضية حق مقابل لص معتد لا يصح فيها التنازلات. و اننا نعلم ان اسرائيل هذه الى زوال لافتقارها الى الاساس الاخلاقي و الشرعي و القانوني و الجغرافي و التاريخي.. لايوجد دولة اخرى شبيهة لها في العالم و اغلب اليهود يعتقدون انها قصة قصيرة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left