في ذكرى الغزو: حسابات المقاومين والمستعمرين

د. مثنى عبدالله

Apr 18, 2017

راح مُحدّثي الأوروبي يحصي كوارث الاحتلال في العراق، ضاغطا عليّ كي يستفزني بما يسميها حسنات الامريكان، كي أنطلق في جلد الذات، كما يفعل الكثيرون.
كان يقول إن عراق ما بعد أربعة عشر عاما من ذكرى الغزو، لن يكون هو العراق ما قبله لا في شكل الخريطة ولا الانسان، وإنه لم يعد سوى قصاصات أرض ما يلصقها بعضها ببعض أوهن من خيط العنكبوت، وإن الإنسان في هذا البلد لم يعد أمامه سوى قبول الامر الواقع، والتكيف مع مخرجات الغزو والاحتلال كي لا يبقى صنبور الخسائر مفتوحا يأكل من مستقبله.
وعندما وجدني غير متفق تماما مع ما يقول ألقى سؤالا مغرضا فقال، ما الذي فعلتموه أنتم كعراقيين للتصدي لما جاء به الغزو وماذا جنيتم؟ قلت المقاومة. فانفجر غاضبا مُسطّرا لي مصير الدول التي قاومت، من الجزائر حتى فيتنام، ومؤكدا بأن كل الدول التي تعرضت للغزو والاحتلال، لو كانت أسلمت أمرها للغزاة لباتوا كلهم اليوم كاليابان، ولما وصلت حالة الفقر بالفيتناميين إلى أن تؤجر الامهات أرحامهن للامريكان وغيرهم للحصول على بضعة دولارات. فماذا كانت حسابات الغزاة وحسابات المقاومين في العراق؟
لا شك أن التحديات التي يشهدها الوطن اليوم هي أحد مخرجات قرار الغزو، وهي ناتج طبيعي للتحولات التي جاء بها المحتل، والتي لم تستثن جانبا من جوانب الحياة في هذا البلد إلا واخترقته. إن كل ما نراه اليوم من صور مختلفة وأشكال متعددة للتشرذم ما هو الا انعكاس لهذه الاجندة، التي استهدفت وبشكل صميمي الهوية العراقية، حيث كان الهدف الرئيسي في برنامج الغزاة هو الطي التام لهذه الرمزية، بكل ما يتعلق بها وتحويه من مبادئ وتقاليد وقيم عليا موروثة، والسعي المغرض لتحميلها وزر السياسة والظروف والملابسات التي مرت بالتاريخ العراقي، إلى الحد الذي باشرت فيه مراكز بحوث ودراسات وقنوات فضائية التثقيف بأن العراق دولة مصطنعة، وأن ما تسمى بالهوية الوطنية كانت مجرد ضاغط وهمي لتجميع السكان تحت هذه الراية. ولان المحتل بات هو المسيطر الوحيد على المشهد، فقد راح يدير حملة شعواء على كل الملاذات الآمنة للخطاب الوطني، وبات يلاحق أصواته، ويُشرّع القوانين بهدف الدفع بهذا الاتجاه نحو التلاشي والانقراض. بينما كان في الوقت نفسه يلقي بكل ثقله لتمتين أسس النموذج الطائفي، ويهيئ البنى التحتية اللازمة لديمومته ورفع صوت خطابه الفكري المعطوب. فهو يعلم جيدا أن هذا الاتجاه كان يعاني من هزيمة دائمة، وعار مستديم ولعنات أزلية، وأن نفخ الروح فيه يتطلب تحريك المياه الآسنة تحت قصص وروايات تاريخية، ترج صفوف المجتمع وتبعث اصطفافات على أسس خائرة، وتدفع بشخصيات عارية من لبوس الوطنية إلى الصفوف المتقدمة، كي يحدث الاضطراب القيّمي المنشود، لأن هذا النوع من الاضطراب يلقي حالة من القنوط في الاوساط المثقفة الواعية، وبالتالي يشدها بعيدا نحو الانزاء لعدم قدرتها على العيش في الوسط الجديد. هذه المعادلة الجديدة ليس لها من معنى في المنهج الفكري للمستعمر لا من بعيد ولا من قريب، أي أنه غير معني بالطائفة أو القومية وليس في قاموسه رفع الظلم عن هذه وردع تلك، لكنها عجلة تقود مشروعه، فهي تُحفّز على طرح أشكالات ماضية قادرة على إنتاج حُجب كبرى وصغرى. صغرى بين أطياف المجتمع بعضهم مع بعض، حيث تبدأ مفاهيم الاكثرية والاقلية، وتسميات الطائفة الظالمة والطائفة المظلومة، والطائفة المنتصرة والطائفة الخاسرة، وكلها تقود إلى التشرذم والتحارب والتحزب والانفصال. وحُجب كبرى بين المجتمع والمستعمر، حيث تغيب إشكالية الاحتلال عن ذهنية المجتمع، إلى الحد الذي يرى فيه البعض أنه نعمة بعثت فيهم روح الانفصال والبحث عن المغانم، فوسائل المشروع المبهرة والتمويل المفتوح والتخطيط الاستراتيجي، قادرة على أن تعمي بصائر البعض وتقودهم إلى مواقع أخرى يقفون فيها بالضد من مستقبل اجيالهم وأوطانهم.
لكن قدر العراق جعل حسابات الغزاة المستعمرين ليست هي الوحيدة في الساحة. كانت حسابات المقاومين أنهم أقل في الامكانات والعدد، لكن استثماراتهم في الوعي ومراهناتهم على القيم كانت عالية جدا، لقد استخلصوا روح كل القيم المعنوية التي عرفها المجتمع العراقي خلال قرون، كما استخلصوا كل القيم الروحية التي مرت على أرض الرافدين، فانبثقت ترسيمات المقاومة النظرية والعملية بأرقى صورة وأدق تفصيل، مما قادها إلى رفض علمي لكل الاطروحات التي كانت تُنظّر وفق مقولة أمريكا التي لا تقهر، ومقولة دعونا ننتظر، وهراء التحذير من التهلكة. لقد رفضت الانصياع إلى ما يسمونه القبول بالامر الواقع، وضرورة الانحناء أمام العاصفة، لانها كانت ترى في الغزو والاحتلال منعطفا خطيرا ليس في حياة العراقيين وحدهم، بل هو فعل يهدد الامتين العربية والاسلامية، وأن الخوف ليس على البناء المادي في هاتين المنظومتين وحسب، بل على بنى الانسان وقيمه ومسلماته الروحية، لذا كانت سرعة الانبثاق بعد أيام قليلة من الغزو، دليلا على أن المشروع حاضر في الذهنية العراقية، لان روح التصدي أصلا موجودة في القيم والمفاهيم الاجتماعية السائدة، ولم يتطلب وقتا للتحضيرات، لأن الدافع لحالة استفزاز الروح الوطنية، كي تنتج خيارات متنوعة من المواجهة في وجه المحتل، كانت حاضرة. كما كان أيمانها قويا بأن الشعوب لا يمكن أن تندثر، وأن وجود جيوش الغزاة الجرارة على أرض بلد ما ليس دائما دليلا على الانتصار، بل الانتصار الحقيقي هو ديمومة عملية التحفيز المقاوم، الذي يعطي دفعات قوية للوعي الاجتماعي كي يرى أهمية الكرامة، ويرفع من مستوى منسوب التحدي في وجه المشروع المقبل. فكان الانجاز التاريخي الكبير حين تكبد المحتل خسائر مادية ومعنوية كبرى، دفعت شعوبه وقياداته السياسية، وحتى بعض القيادات العسكرية إلى المطالبة الملحة بالرحيل، خوفا من زيادة الغوص في المستنقع العراقي. كما انكشفت الرموز التي أوكل لها قيادة البلد، وخواءها الفكري وفشلها في إدارة البلاد ووضاعة قيمها الاخلاقية والسلوكية، بعد الكثير من فضائح السرقات والفساد وصراع النفوذ الطائفي والاثني.
يقينا حين تخور قواك وأنت تواجه الجلاد فتعطيه كل اعترافاتك، دون أدنى ضغط جسدي أو نفسي، فإنك تنفخ فيه المزيد من الغطرسة والعنجهية والتجبر، فيشعر بالانتصار عليك دون جهد، فتسقط في نظره كإنسان، لكن حتى لو اعترفت تحت تاثير الضغط البدني والنفسي، وحصل منك على ما يريد فإنه يبقى يشعر بالهزيمة في داخل نفسه أمامك لانه نالها بعد جهد جهيد. لذا في قرارة نفسه ستبقى أنت في دور البطولة وهو في دور الخسّة. وهذا هو حال الشعوب أيضا حين تواجه الغزاة، فتصوروا لو لم يكن في العراق مقاومة، ماذا كان سيكون مشروع الاحتلال في حسابات الغزاة؟
باحث سياسي عراقي

في ذكرى الغزو: حسابات المقاومين والمستعمرين

د. مثنى عبدالله

- -

5 تعليقات

  1. قال لي صديق نرويجي مرة : لولا أن السُنة حاربوا الأمريكان بالعراق لما سلم الأمريكان العراق لعدوتهم إيران !
    فقلت له : لماذا حارب إذاً النرويجيين الغزاة الألمان في الحرب العالمية الثانية ؟
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. منتوجات الاحتلال
    الخيانة للوطن للدين والاخلاق ،التآمر ،الاعتقالات العشوائية فالتعذيب ثم القتل ،الإقصاء والتهميش ،تسيس القضاء وأفراغ المؤسسات الاخرى كالبرلمان من محتواها، تهريب ونهب الأموال واستخدامها لبناء ماكنه اعلاميه ضخمه لشرعنة وتكريس الطائفيه والفساد وغسل الادمغه، عقد الصفقات الوهميه والمشبوهة، تشكيل المليشيات والاعدامات الميدانيه للابرياء، الاغتيالات بالكواتم، فرق تسد، تصفية العلماء والأساتذة والأطباء، استيراد الاغذيه والأدوية الفاسدة ، تحريف مناهج التدريس، تشكيل لجان التحقيق لدفن الحقيقة، شراء الذمم بما في ذلك شيوخ وقبائل، تزوير الوثائق والشهادات ،النصب والمراوغه في التعامل مع الشركاء، تزوير الانتخابات، تكميم الأفواه وقتل وتهجير المعارضين ، قلب المعاني والمصطلحات وتغيير المفاهيم فمثلا الوطني الجيد هو الخائن الجيد والسياسي الصادق هو السارق الكاذب،والمشاريع الوطنية هي المشاريع الفاسدة. أضفاء الشرعيه على التخابر والتجسس والمشاريع الصهيونيه. الغايه تبرر الوسيله. مافيات أجراميه مليئه بالاحقاد بلا منازع.

  3. من سوء حظ العراق انه لم يحتل فقط بل قام غزاته بتعريضه للإتلاف و الضياع
    -
    ومن سوء حظه البليغ وجود بعض العراقيين ممن كانوا على استعداد لإتلاف
    -
    بلدهم بدافع الانتقام من الطائفة والعرق المختلفة مما جبلوا عليه
    -
    اما مقولة ان العراق كان كيانا مصطنعا فهي تنم عن جهل بمفهوم الدولة
    -
    والتي تم تعريفها على انها كيانا مصطنعا فبما اختلف عراق ما قبل الاحتلال
    -
    عن باقي الدول حتى بختص بهكذا تعريف دون سواه ؟
    -
    تحياتي

  4. مع احترامي الشديد لراي الدكتور مثنى ولكني كعراقي ارى الامر غير ذلك لقد كانت المقاومة اذا اردنا ان نسميها مقاومة اولا ذات صفة واحدة وهي انها كانت سنية وهنا هي الكارثة فالمقاومة كما تسميها لم تكون الوعاء لكل العراقيين بل كانت وعاء للقادمين من خارج البلاد(الزرقاوي وجماعته) وحاضنة لهم .ثم ان هذه المقاومة لم يكن لها تاريخ نضالي ولم تكن معروفة بتصديها للظلم الذي وزعه البعث على كل العراقيين بل الانكى ان هذه المقاومة الذي سيطر عليها الزرقاوي قتلت من العراقيين العزل اكثر من المحتل الامريكي وهي كانت محدودة في منطقة واحدة من العراق لقد غلب عليها الطابع الطائفي لالاسف الشديد فلهذا لم تستطع الاستمرارواني اعتقد كذلك انها اعطت الفرصة لهؤلاء الفاسدين القادمين مع المحتل او من تسلقوا من الانتهازيين للثراء الفاحش وكذلك ادت الى تثبيت اقدام الطائفيين من السنة والشيعة في الحكم وكذلك كان لالاحزاب الكردية دور خبيث فيما حصل ليحصلوا على ما يريدون واكثر.

  5. سلام واحترام لمن قال الصدق وتكلم عدلا .تحية للأخ سلام عادل

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left