«كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» لإيمان مرسال: تمرين على نوع أدبي جديد

رشا الأمير

Apr 19, 2017

يقتضي الواحِدَ ـ الواحِدَةَ أن يصل إلى الصفحة الأخيرة من كتاب إيمان مرسال «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» ليتحقّق ما حدس به خلال المطالعة، من أنّه بين يدي «شيء كتابي» لا يصحّ فيه وصفَ مؤلفٍ إلا على سبيل المجاز، ومن باب التسامح.
فـ«كيف تلتئم» أربعة فصول مدارها على «الأمومة»، اثنان منها سبق أن أشهرا، واثنان لم يُشهرا من ذي قبل. وإذ قد يتبادر لهذا الواحِدِ ـ الواحِدَةِ، للوهلة الأولى، أن اشتراك هذه الفصول الأربعة في المدار هو السلك الذي يسلكها، فسرعان ما يتبين أنّه على خطأ ــ ونِعم الخطأ… فإيمان مرسال، الابنةُ التي فقدت أمها مبكّرًا، ثم الأمُ التي ولدت صبيّين، أحدهما يشكو من «الاكتئاب الثنائي القطب»، هي نفسها السّلك الناظم لحبّات هذا الكتاب. أمّا الأمومة، فشأن آخَرُ ألوى وأعقد مِنْ أن يصلُح، في تجريده وإرساله، أن يوصف بالسلك… وكيف لا وأقلُّ ما ينتهي إليه المطالع أنّ «الأمومة» بالمفرد لا توجد أصلاً لا في الحقيقة ولا في الخيال، وأنّ أقلّ الأقل أن تُصَرَّف بالجمع، ويزيد الأمر التباسًا أن جَمْعَ الأمومة على معنى الفكرة والمفهوم ليس جَمعًا سالمًا، بل جمع تكسير على غير وزن أو قياس.
يفتتحُ الكتابَ فصلٌ بعنوان «عن الأمومة والعنف»، تسترجع فيه إيمان مرسال جملة من النظريّات ومن الشواهد الأدبيّة، وبالجملة من التجارب الشخصية، وينتهي معه القارئ، أو تفترض الكاتبة، أن ينتهيَ إلى إعادة نظر جذريّة في التصوّر الشائع، والسائد بسبب شيوعه، عن الأمومة. فالأمومة، بالمختصر، ليست إيثارًا وتضحيةً فقط، بل «تنطوي أيضًا على الأنانيّة وعلى شعور عميق بالذنب». ومن يقل أنانية وشعورًا بالذنب يقل، تصريحًا أو تلميحًا، ما هو أدهى، وأبعد ما يكون عَمّا يُنسب استسهالاً، وجريًا على عاميَّة غالبة، إلى الأمومة ــ من يقل أنانية وشعوراً بالذنب يقل، استطرادًا، «تنازعًا» و«صراعًا» و«مدافعة» وهلمَّ جَرا. وعلى ما تذهب مرسال في شرحها، فإنَّ صور العنف هذه أصيلة في الأمومة، بل في مشروع الأمومة نفسه، وكما أنّ الجنين يعتمد على الأمّ في كلّ ما يحتاج إليه ليعيش حتى لو كان ما يحتاج إليه ضد مصلحة أمّه، فإنّ «الأمّ ترفض أن تكون بيضة يشرخها المولود في طريقه إلى الحياة».
وإذ يصحّ ما تقدّم على كل الأجنّة، وعلى كل الأمَّهات، فأمومةُ إيمان مرسال الأولى تزيد عليه شحنة ذاتية ـ ثقافية لا يستهانُ بها: تشكيك في قدرة جسدها وصلاحيته، على الإيفاء بتبعات الحمل، وأنها وجدت نفسها، عند الوضع، في كندا، «بعيدًا عن الأهل وفي شبه عزلة».
على نهاية الفصل الأوّل يبدو للقارئ أنّ ما وضع في تصرّفه من معلومات علميّة ومن شواهد أدبيّة تنتهي بسيرة الحمل الأول، الذي حملته مرسال مدخلاً إلى رواية أو إلى شيء من قبيل الرواية. بحماسة يهمّ القارئ في مطالعة الفصل الثاني واعدًا نفسه بالمزيد من «التشويق»، ولكنّ توقّعه سرعان ما يخيب. فالفصل الثاني، الأطول بين الفصول الأربعة، والمعنون «كيف تجد أمك في صورتها؟ الأمومة والفوتوغرافيا»، ورقة، على ما يرد في الصفحة الأخيرة من الكتاب، قُدّمت إلى مؤتمر كان انعقاده في بيروت عام 2015. هنا أيضًا تتوسل مرسال بالصورة الوحيدة التي تجمع بينها وبين أمها، وبسيرة صور أخرى، لتصل حبل الرواية، أو ما يحبّ له القارئ أن يكون رواية، ولكن الوصل يتعذّر، وكأني بالأمر لا يغيب عنها كلّ الغياب حيث تكتب: «أمام هذا الأرشيف، (وتقصد بالأرشيف ما تسرده من قصص الصور وما تحيل إليه من مراجع) كان عليّ أن أذكّر نفسي بأنني لا أسعى لتقديم دراسة عن الأمومة في وسيط الفوتوغرافيا، بل أودّ اختبار أسئلتي عن الأمومة من خلال الفوتوغرافيا كوسيط».
بالطبع، يستفيد القارئ ما يستفيده من هذا الفصل، ولا سيّما ما يتوقف عنده من تغييب الأمهات، مع انتشار تقنيات التصوير الفوتوغرافيّ في أواسط القرن التاسع عشر، وما يحيل إليه هذا التغييب من مرجعيّة أخلاقيّة تضرب جذورها في فكرة «الأم المُضَحّية»، ولكن هذه الإفادة لا تعوض في شيء ما يقطعه هذا الفصل الدراسي، رغم محاولة مرسال ألا يكون كذلك، من تسلسل بين الفصلين الأول والثالث الذي سيأتي الكلام عليه. وتعمّق من هذا القطيعة اللغة البحثيّة التي تميّز هذا الفصل، والتي تبدو عليها سمات تعريب قسري مقارنة باللغة الطرية، المحبّبة في سذاجتها، التي تعمُّ فصولَ الكتاب الأخرى.
شَأنَ أعمال أخرى، للقراءة عاداتها. ومن عادات القراءة الراسخة أنَّ أم الكتاب في أوَّلِه.
كُتيّب «كيف تلتئم…» وبرمية يَحارُ القارئ في نِسبتها إلى رامية هي إيمان مرسال أم إلى الصّدَف؟ يُنزل أمَّه منزلة الواسطة من العِقد. بخلاف الفصلين الأوَّلين، قوام الفصل الثالث المعنون «يوميات»، نتف من يوميات مرسال تبدأ في سبتمبر/أيلول 2006 يوم أن بدأت عوارض الاضطراب تبدو على يوسف، الابن الثاني من أبنائها، وتنغلق في يناير/كانون الثاني 2016 على مشهد متخيَّل تشقّ في أثنائه رأسَ يوسف وتستخرج منه «قطعة الماس» التي تجعل منه كائنًا مختلفًا، وإذ تفعل ذلك فليس ابتغاء شِفائِه، بل لتتأمَّل «قطعة الماس» تلك، ولتحاول، كما تقول هي نفسها في موضع آخر، أن تفهم يوسف، أو بكلام آخر، وبشيء من التَّوَسُّعِ، ابتغاءَ شِفائها، هي، مِمّا ولدت..
في السيرة أنَّ النبيَّ محمدًا شُقَّ صَدره ثلاثًا (وفي بعض الروايات أربعًا): في الطفولة يوم أن «أتاهُ جِبْريلُ وهو يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فاسْتَخْرَجَ القَلْبَ، فاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فقالَ: هذا حَظُّ الشَّيْطانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأمَهُ ثُمَّ أعادَهُ فِي مكانِه» (حديث أنس بن مالك)، ثم عند البعثة، ثم قبيل الإسراء والمعراج. ورغم أنَّ روايات الشَّقَّيْن الأخيرين لا تتوقف عند واقعة اللأم تَوَقُّف رواية الشَّق الأول، فجميعها تشترك في أن الغاية من الشَّقّ في الحالات الثلاث هي نفسها: التطهير والغسل استعدادًا لأمر جلل واستقبالاً له.
هل أحمّل إيمان مرسال فوق ما تحتمل إذ أقيسُ شَقَّها الافتراضيَّ رأسَ يوسفَ على «شَقّ الصّدْر»؟ على الأرجح كلا… فشرعيّة «ثقافة الأمومة» التي تحاول أن تُؤسس لها بالعربية، من خلال تجربتها الشخصية، ومن خلال كتابها هذا، لا تتأكد إلا بالإحالةِ إلى شيء من قبيل هذه المقارنة التي يخلص الواحد متى ما دقّق فيها إلى أن الشَّقَّيْنِ في تضادّ مطلق.
فحيث تَفترض النبوّة في كلّ مرحلة من مراحلها تجديد الطهارة، يَسَعُ يوسف بن إيمان أن يعيش اضطرابه غير مبالٍ بـ«الشفاء»، وحيث القلب هو مُستودع العلقة، الرأس هو حرز «قطعة الماس»، وحيث يقوم جبريل، أو من يقوم مقامه في روايات أخرى، بتطهير القلب إنفاذًا لخطة إلهية، تُبادر الأم إلى اكتشاف شغاف العقل بالأصالة عن نفسها، وحيث يُتَمّم جبريلُ مهمته بأن يَلأم الشَّقَّ ويُعيد الصدر إلى نصابه، تُبقي الأمُ رأسَ ابنها كتابًا مفتوحًا تقرأ فيه ولا تملُّ مِنَ القراءة (تتمة الحديث المذكور أعلاه: «وَقَدْ كُنْتُ أَرْئِي أَثَرَ ذَلِكَ المِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ»)، وحيث شَّقُّ الصدر معجزة تفتح الباب أمام معجزات أكبر (النبوَّة)، شَقُّ الرأس مَفْضاةٌ إلى حِدادٍ لا طريقا واضحة المعالم لسلوكه (عنوان الفصل الأخير من الكتاب: «كيف تمشي في طريق الحداد»).
من مشروع الرواية الذي لا يكتمل إلى الإغراء بهذه المقارنة بين «شَقّ الصدر» و«شَقّ الرأس»، يقتضي هذا الكتاب، الذي لا ينتقص منه أن يُقال فيه بأنه قيدُ الإنشاء وبأنه، لربما، تمرينٌ على نوع أدبي جديد ــ يقتضي هذا الكتاب من قارئ نصوصه تسمّحا على تجريبيّته، ولكن لحسن الحظ أن هذا التسمّح لا يذهب سدًى، وأنّ مِنَ المكافآت التي يُكافَأ بها القارئُ المحبّ ما ينتهي إليه من أنَّ «ثقافةَ الأمومة» قد تكون أيْضًا وأيضًا ضِدّاً من أضداد «ثقافة النبوّة» مع تحفّظ لا يُستهان به: «ثقافة الأمومة» التي تُحدثنا عنها إيمان مرسال هي نَفْسُها بِنْتُ ثقافة يتيمةٍ في بلادنا ولغتنا… ومن يدري فلعَلَّ هذا اليُتْمَ هو حَظُّ الشيطان مِنّا آباءً وأمَّهاتٍ وبنين وبنات وشُعوبًا وقبائل…
كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» (152 صفحة؛ 1015× سم . حجم منمنم يدهش للوهلة الأولى)، هو «الإصدار الرابع في سلسلة «كيف تـ»» التي تُصدرها جمعية «مفردات»، (بدعــم من المجتمع الفلمنكي ومؤسسة فورد). تعرّف مفردات عن نفسها بأنها «جمعية دولية غير ربحية تُعنى بالفنون المعاصرة وتسعى إلى خلق مجالات للتفكير والإنتاج والمشاركة بين الفنانين المعاصرين العرب ونُظرائهم من مختلف أنحاء العالم». أما سلسلة «كيف تـ…»، فتعرّف عنها مفردات بأنها مشروع نشريّ يسعى إلى توظيف «شعبية كتب الأدلة للتعامل مع بعض احتياجات اليوم، سواء كانت مهارات أو أفكارا أو إدراكات أو مشاعر أو أدوات أو غيرها».
٭ روائيّة من لبنان

«كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» لإيمان مرسال: تمرين على نوع أدبي جديد

رشا الأمير

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left