هدوؤُكَ الذي غاب

أمال نوّار

Apr 19, 2017

إلى أخي: ليس أنّي أفتقدُ حركاتِكَ، صوتَكَ،
فالثرثرةُ الآن في الكَوْن
تُربّي فينا فَنَ الوَحْشَة،
إنّما عذابي أنْ ترحلَ
وتأخذَ هدوءَكَ العَذْب معك،
أنْ تُشرّعَ عينيكَ
لعصافيرَ مُنْهَكةٍ في الهواءِ
ولا شجر.
ضحكتُكَ المُتدرجة في جزيرةٍ نائية
كتنويعاتِ مَوْجٍ على الأنين ذاته،
غَمَّازةُ الخَّدِّ خنجرُ العُذوبة
يطعنُني بخِفّةِ روحِك.
نظرتُكَ الوادعةُ كيف كانتْ تسقطُ على
العالم، كما لو على عُشْبٍ تخشى
أنْ يتحطّم،
ووشوشاتُكَ إذ تصلُني غامضةً
كلُغةِ عصافيرَ عميقةٍ في الأرض،
وتلكَ التَمْتَمَات والجُمَل
التي انطفأَ عُودُها قبلَ أنْ تخْضَرّ،
تماماً مثل جَسَدِكَ.
عالمُكَ الخَفيّ الذي كان يجلسُ قُبالتي
كإلهٍ مُتواضعٍ يرحمُ الجَهْل،
وضَنْكُ روحِكَ (تباً لي كيف لم أُصارحْكَ)
إذْ رأيتُكَ مَرّةً كيف تحشو غليونَ الحياة
ولا شَعْرة تَبْغٍ تَفْلِتُ من صَبْرِك.
قليلٌ من النبيذِ كان يكفينا
لنجلسَ في حديقتي مع آلهةٍ قُدامَى،
بريقُ عينيكَ وأنتَ تتذكّرُ
بين أعمدةٍ من بَخُّور الأُنْس
وأنا أُصْغي إليكَ كقَمَرٍ عالٍ ووحيد
يَودُّ لو يَطُول الأرض.
يَدُكَ على كَتفي
أنا الأُخْتُ الغَيْمةُ في عينيك،
إذ أنزفُ من مرأى ورقة تشقُّ الريح،
يَدُكَ على الغَيْمةِ تُربّتُ،
على مائي وناري تُربّتُ
مِطرَقةً من ياسمين.
وأنتَ تُصدّقُ أفكارَكَ
وتصونُ براءتَكَ المُدْمية في المرايا
وظنَّكَ الطيّب بالحياة
بدءاً من النَمْل وحتى البهلوانات،
سُفُنٌ مُحَمَّلةٌ باليورانيوم
تعبرُ خفيفةً في خاطِرِك
وأحياناً يتطايرُ منها ريش.
تَذْبَحُكَ السُخْريةُ من الآخر
وظنُّكَ من ظنّي
أنَّ كلَّ نُقطةِ غباء
وراءها وَجَعٌ كَوْنيٌ في الذات،
وراءها نواةٌ كاللؤلؤة
ولحظاتٍ صاعقةٍ كالانفجار الأول
ولا تهمّ سماكة الأشياء إذ تنكسر.
حاضرٌ فيّ بظلِّكَ وأشيائِكَ
وقلبي من قلبِكَ يأخذُ مَذاقاتِه
وليس صحيحا أنّه بالموت يحلُّ الصمت
فقد تركتني مع جَمْعِكَ وفُتَاتِك
إلاّ صمتك،
هو فقط هدوءُكَ الذي غاب لا يُقَايَضُ،
هدوءُ بحيرةٍ عذراء عند صفصافةٍ وحيدة
عند جبلٍ بعيد،
هدوءٌ تكَبَّدَتْ أفواهُ حياةٍ بُركانيةٍ جامحة
لبَسْطِه
وليس لموتٍ أنْ يُقلّدَه،
ثم أنّ الصمتَ لا يُوْلَدُ من الصمت،
نحنُ نبكي قُربَ الحَجَر
ومراكبُنا تتمدّدُ ساكنةً
فوق صَخْبِ أرواحِنا.
غابَ هدوءُكَ في صمتِكَ وظَلّ صوتي
وصوتُكَ على سطحِ فكرةِ الموت
مثل صغيرين يلعبان لا مباليين
في فناء مقبرة.
خَفَرُكَ نائماً مثلما مُستيقظاً وأنتَ
تستلقي دائماً على الحافَّات
تاركاً صَدْرَ الأرضِ للأرض،
نائماً، ولم تعدْ غزالَ الأُمِ ولا الأُخت،
دَمُكَ حارٌّ في الغابة
ولم يُخْبرنا الصمتُ حارسُكَ
أَكنتَ تجري مع العاصفة
أم كنتَ تتأمّلُ قُرونَكَ في بُركةٍ
أم تنحني على زهرةِ حُلمِكَ
الأخيرِ
الأول
وجدناكَ
وقد استحالتْ سُمْرَتُكَ الخفيفة
إلى قِشْرةٍ بيضاء
مُتجمّداً بعُذوبتِكَ.

٭ شاعرة لبنانية مقيمة في أمريكا

هدوؤُكَ الذي غاب

أمال نوّار

- -

3 تعليقات

  1. وشاح من الحزن من أجل الفرح…هكذا رأيت وقرأت كلماتك سيدتي…مع المودة.

  2. تحيه طيبه والله زمان وهذا الغياب الطويل لعله خير ان شاءالله رجاء اكتبي إنجليزي اعتقد لديكي الكثير من المفردات الجميلة باللغة الانجليزية كوني بخير دائماً

  3. ما اجمل ان تكتب الاخت للاخ والاخ للاخت تلك العلاقه ذات الرونق الذي لا نشعر به الا حين الفراق فالسفر يبعد الاخت او الاخ وكلانا يفقتد الاخر فكيف ان فقد وطن يجمع بين الاخت والاخ حينما نحن لمرابع الطفولة وبيت الصبا ما اصعب ان لا نجد الام والاب وبيت الصبا واخيرا ضاع الوطن ايضا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left