عن محاولات فك الارتباط بين روسيا وإيران

د. مدى الفاتح

Apr 19, 2017

منذ أن دخلت روسيا بشكل مباشر على خط الصراع في سوريا دعماً لبشار الأسد ونظامه عبر القصف الجوي والاستخدام الكثيف للطيران، تغيرت حسابات كثيرة ومعادلات، وبدأ المحللون يتحدثون عما أطلق عليه في الكثير من وسائل الإعلام «التحالف الروسي الإيراني» في إشارة لروسيا وإيران التي كانت ميليشياتها الأسبق على الأرض، والتي كان وجودها من أهم العوامل التي منعت النظام من السقوط.
كان التدخل العسكري الروسي محبطاً لأنصار الثورة السورية، ومخيباً لكثير من الآمال. روسيا بكل إمكانياتها وثقلها على الساحة الدولية أصبحت نصيرة للنظام الذي تسبب في إحدى أكبر المآسي التي عاشها العالم، بل تجاوزت ذلك لتصل حد المراهنة عليه وعلى بقائه، وهو الأمر الذي بدا مفاجئاً وغير متوقع.
إزاء هذا الواقع الجديد راجت وجهة النظر التي تتعامل مع هذا الحلف كحقيقة واقعة وأبدية وشاعت تسميات من قبيل «التحالف الصليبي الصفوي» أو في بعض الأحيان «التحالف الصهيوصليبي الصفوي» بإضافة العنصر الاسرائيلي. مشكلة هذه الرؤية في كونها تصنع تحالفاً أسطورياً كبيراً بين أطراف بينها الكثير من التناقض، وأنها توقعنا في فخ «الأسطرة» والتضخيم الذي يقود لا محالة للشعور باليأس والعجز وفقدان الأمل.
لقد لاحظ المؤرخون أن الفترة التي انتصر فيها الأوروبيون، فيما أطلقوا عليه «حرباً صليبية»، كانت تلك التي تعامل معهم فيها أعداؤهم كوحدة واحدة، مطلقين عليهم اسم «الصليبيين». لقد خدم ذلك «التوحيد الذهني» كثيراً تلك الجماعات المتفرقة من الطوائف والدول والأشخاص، الذين جاءت بهم أهداف مختلفة ومتباينة وساعدهم على تناسي خلافاتهم الكثيرة واختلافاتهم.
كان الأولى قبل استسهال الحديث عن التحالف الروسي الإيراني والدخول في محاولات دؤوبة للترويج له عبر إقناع الناس بوجوده، أن نتساءل عما إذا كان «التحالف» هو الوصف الدقيق للعلاقة بين الطرفين، فهل هو تحالف فعلاً، أم مجرد علاقة منفعة مؤقتة؟ وهل العلاقة بين كل من موسكو وطهران هي علاقة استراتيجية «باقية وتتمدد»، أم مجرد علاقة تكتيكية فرضتها ظروف دولية وإقليمية معقدة؟
ليس هنا مقام الإجابة عن هذه الأسئلة التي سأتعمد تجاوزها وصولاً لقول إنه حتى إن سلمنا جدلاً بصحة منطق من يفترضون وجود تحالف فعلي بين الطرفين، فإنه لا شيء يمنع التفكير في طرق تفكيك ذلك التحالف، ورفض التعامل معه كحقيقة سياسية عبر التعاطي مع طرفيه كلا على حدة وتقديم محفزّات قد تساهم في فضّه.
مثال تاريخي آخر يمكن أخذه مما حدث في غزوة الأحزاب، حين تجمعت أطراف كثيرة للقضاء على الدين الصاعد وأهله. ورغم أن ذلك كان تحالفاً حقيقياً ومعلناً بين اليهود وقريش وقبائل غطفان، إلا أن النبي (ص) بحكمته وبصيرته كان يرفض أن يقبله كواقع، لعلمه أن القبول والتسليم بواقع كهذا يعني الاستسلام والنهاية، ومن هنا جاء التفكير في تفكيك ذلك التحالف عبر استمالة «غطفان» التي لم تلتحق بالحلف إلا رغبة في جني ثمار خيبر. كانت تلك حقيقة معلومة سهلت على المسلمين استغلالها عبر منح غطفان ما هو أكثر من ثمار خيبر، وهو ما أدى لتحييدها ودفع ضرها.
تلا ذلك محاولة الوقيعة بين الأطراف المتحالفة، حينما طلب النبي من الصحابي نعيم بن مسعود – رضي الله عنه – أن يقوم بمهمة التخذيل، وهو تشكيك الأحزاب بنفسها وبقدرات تحالفها، إضافة إلى زعزعة الثقة بين أركانها، بحيث يشعر كل طرف بأن الآخر يريد استغلاله لتحقيق مآربه، ما يؤدي في النهاية لانفراط عقد الحلف.
لو فارقنا التاريخ وعدنا إلى وقتنا الحاضر سنجد أنه جرت محاولات كثيرة من أجل استمالة روسيا وتحييدها من قبل دول عربية، خاصة تلك التي تعتبر داعمة للشعب السوري، حيث شهدنا خلال الأعوام السابقة زيارات مكثفة من وإلى موسكو، وبحثاً في سبل التعاون والشراكة الاقتصادية والدفاعية. يمكن النظر إلى تلك الجهود بإيجابية باعتبارها أرادت أن توصل رسالة إلى القيادة الروسية مفادها، أن كسب العالم الإسلامي الذي يشكل السنة غالبيته العظمى هو أولى من الناحية المادية من مساندة نظامٍ متهاوٍ في دمشق وملالي مهووسين في طهران.
العائق الوحيد أمام هذه الرسالة هو أنها لم تكن بصوت واحد، فلا العالم الإسلامي ولا العالم العربي يملك وجهة نظر متطابقة تجاه القضية السورية، بل إن البعض ما يزال يدعم النظام الرسمي بشكل مباشر، أو من وراء حجاب، بحجة الحفاظ على الدولة السورية وهو ما يلتقي مع الدعاية التي تسوّق بها روسيا تدخلها العسكري الدامي.
لو كانت تلك الرسالة واضحة ومتفقاً عليها لعلمت موسكو أنه ليس من المنطق أن تخسر عالماً إسلامياً سنياً مترامي الأطراف لحساب معارك طائفية وهوياتية ضيقة. لا أعني هنا مجرد الخسارة الاقتصادية على أهميتها، ولكن ما هو أهم من ذلك، أي تعثر المشروع الروسي الذي كان قد مضى بشكل جيد قبل أن يفسده التهور البوتيني، وهو مشروع طموح كان يهدف لتغيير معادلة القوة العالمية عبر التحول لمعادل موضوعي للقطب الأمريكي. كانت تلك الرؤية الاستراتيجية مستندة بالأساس إلى دول العالم الثالث التي تأذت من الهيمنة الأمريكية التي تشكل، للمفارقة، الدول المسلمة غالبيتها.
لقد راهن كثير من الذين رغبوا في الخروج من سيطرة الإمبريالية الأمريكية على روسيا وتحمسوا لها، إلا أن ما قامت به الأخيرة من تدخلات عسكرية في سوريا والقرم ساهم في إضعاف ذلك الحماس. الولايات المتحدة بدورها استغلت تهور الجيش الروسي وإسرافه في القتل، من أجل إيصال رسالة دعائية مضادة مفادها أن روسيا التي تراهنون عليها ليست أفضل بكثير من أمريكا التي تكرهون. وكوصية نابليون الشهيرة التي يقول فيها «حينما ترى عدوك يدمر نفسه لا تقاطعه»، لم تقاطع الولايات المتحدة في عهد أوباما روسيا وتركتها تقوم بتشويه نفسها واغتيال صورتها، عبر استخدام القوة المفرطة ورفض الاعتراف بوجود معارضة سورية معتدلة، والإصرار على الحسم العسكري وإساءة استغلال حق الفيتو.
لكننا اليوم أمام وضع مختلف ونظرية فك الارتباط التي لم يستطع العرب تطبيقها تبدو محل نظر عند الإدارة الأمريكية الجديدة التي تعمل على الضغط على إيران عبر انتقادها المتواصل والسعي للحد من نفوذها وتهديداتها، كما تعمل في الوقت ذاته على تحييد روسيا وتقريبها من المعسكر الغربي عبر تذكيرها بخطورة التمادي في ربط اسمها بنظام يتفنن في ابتكار وسائل القتل التي لا تستثني أحداً.
ربما ينظر البعض لهذه المحاولة الأمريكية لفك الارتباط بين موسكو وطهران بعين إيجابية باعتبارها قد تساهم، لو نجحت، في إيجاد حل للمأساة السورية المتطاولة، كما قد تساهم في الحد من تمدد الأذرع الإيرانية. لكن ما يجب ألا ننساه في غمرة هذا الحماس هو أن هذا التفكيك إذا أتى على الطريقة الأمريكية فإنه سوف يكون من المنطقي أن يخدم الولايات المتحدة ومصالحها في المقام الأول وهنا يتجلى الفرق بين فك الارتباط الذي يكون فيه العرب فاعلين، وذلك الذي يكونون فيه مجرد متفرجين، وأخشى ما أخشاه الخروج من ثنائية موسكو وطهران والسقوط في فخ ثنائية أخرى بين موسكو وواشنطن.
كاتب سوداني

عن محاولات فك الارتباط بين روسيا وإيران

د. مدى الفاتح

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left