الحلم الألماني والدرس الياباني

صادق الطائي

Apr 19, 2017

مع شهر نيسان/أبريل من كل عام تُسترجع أحداث إسقاط نظام صدام على يد قوات التحالف، الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، ويتجدد نقاش يمكن أن يصل حد الشجار بين من بقي متمسكا بحلم «حرية العراق» الذي سوقته قوات التحالف، ومن وقع في وهدة الحنين لأيام النظام الشمولي، الذي كان يوفر للناس الحد الأدنى من متطلبات الأمن والخدمات.
وتتصاعد حدة النقاشات حتى على توصيف يوم 9 نيسان/ابريل بين يوم إسقاط النظام أو يوم سقوط بغداد أو احتلال العراق، فينتفض المنتفضون شاجبين، قائلين إن بغداد لم ولن تسقط، وما سقط هو نظام الديكتاتور وتحررت بغداد من سطوة النظام الشمولي، كما أضفت تيارات الإسلام السياسي لمستها الترميزية على فعل مؤسس في الأصل على دلالات رمزية أوحى بسقوط النظام، وهو اسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في قلب بغداد، فبات الاسلاميون يطلقون على هذا اليوم «يوم سقوط الصنم» في ترميز واضح ودلالات دينية غير خافية. وعاش العراقيون دوامة الخلاف الممض، فإسقاط الديكتاتور جاء على يد الاحتلال الخارجي، ولكل حقبة فواتيرها التي يجب أن تسدد. وقد أعلنت الولايات المتحدة رسميا نفسها بحسب توصيفات الامم المتحدة انها قوة احتلال، تتحمل ما يفرضه عليها القانون الدولي، عندما أعلن الرئيس الاسبق جورج بوش انتهاء العمليات العسكرية. ووضع العراقيون من حلفاء التحالف الذين صرحوا بأن الامريكان لم يأتوا للاحتلال وانما لتحريرنا من الديكتاتورية في موقف محرج، هنا تحديدا ومن هذه النقطة ابتدأ تسويق الحلم الألماني، وفي احيان نادرة تتم الاشارة إلى الدرس الياباني. يذكر د. حيدر سعيد في أحد كتاباته المبكرة الراصدة للمشهد العراقي خريف عام 2004 «أفكر بألمانيا ككل العراقيين، ابدأ كتابتي بها، وستون سنة تفصلنا عن سقوط النازية، وسنة ونصف السنة عن سقوط نظام صدام حسين في العراق، سنة ونصف السنة والعراقيون يلهجون بألمانيا: المانيا… المانيا، أصبحت حلما عراقيا» فمن أين تسرب هذا الحلم؟ ربما تساوقا مع تشابه المقدمات وباستخدام المنطق البسيط توصلنا إلى وجوب تطابق النتائج، أو ربما من بنيات تاريخية تتسرب في لا وعينا السياسي. العراقيون اعتقدوا أن بلدهم سيصبح كألمانيا، هكذا يخبرنا د. حيدر سعيد في كتابه سياسة الرمز، ألمانيا التي أدركها العراقيون في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، القوة الاقتصادية العظمى والنموذج الكبير لدولة الرفاه، لان كثيرا من مقدمات البلدين متشابهة: البلدان عاشا ديكتاتورية عاتية، والبلدان تخلصا من الديكتاتورية بيد أجنبية واحدة، هي الولايات المتحدة، والعراق موعود بمشروع إعادة إعمار كمشروع مارشال، فلماذا لا تكون النتائج متشابهة؟ كما أن مقولة العراق جمجمة العرب، والعراق بروسيا العرب التي سادت حقبة الثلاثينيات، حتى أن البعض ينسبها دون تمحيص للملك فيصل الاول، في اشارة إلى الدور الذي يجب أن يلعبه العراق في توحيد المشرق، كما لعبت بروسيا الدور التوحيدي للامبراطورية الألمانية في القرن التاسع عشر، وربما تمثل ذلك في حلم الشريف حسين بلعب دور بسمارك العرب، الذي سيقوم بتوحيد العرب وإطلاق مشروعه الذي حمله انجاله فيما بعد في الحجاز والأردن والعراق، فهل بقي من الحلم البروسي شيء متغلغل في اللاوعي العراقي؟
البعض أراد طرح الدرس الياباني واتخاذه مقاربة عراقية أو خريطة طريق للمقبل من أحداث بعد الاحتلال، لكن الهجوم على هذه المقاربة جاء مبكرا من جهات دينية وسياسية نافذة في العراق، فالديكتاتورية العسكرية اليابانية، رغم قسوتها وجرائمها ضد الانسانية في البلدان التي كانت تحتلها، لم تكن معروفة أو محسوسة في مجتمعاتنا، مثلما حصل إبان حكم المانيا النازية، كما أن القنابل الذرية التي سقطت على المدن اليابانية اكسبتها نوعا من التعاطف مقرونا بكراهية المحتل الامريكي، والاهم من ذلك أن اليابان لم يتغير فيها نظام الحكم، إذ بقي الامبراطور هيروهيتو في الحكم، وتعاون مع قوات الاحتلال الامريكي، وخضعت اليابان لحكم الجنرال دوغلاس ماكارثر الحاكم العسكري أثناء احتلال اليابان، ما بين 1945 و1951. وقد ساعد ماكارثر اليابان على بناء نفسها، ووضع أسس نظام ديمقراطي فيها، كما كان له دور كبير في إصدار الأوامر لهيئة من الفقهاء الدستوريين الامريكيين، بوضع مسودة دستور اليابان، وطرحه لليابانيين، وتم تبنيه من قبل البرلمان، دستورا يمنع اليابان من التحول إلى قوى امبريالية مهيمنة في الشرق الاقصى، وحدد قوتها العسكرية في أدنى حد ممكن يمكنها من حماية البلد بالتعاون مع القواعد العسكرية الامريكية التي ستكون مسؤولة عن حماية اليابان. في اشارات مبكرة للمرجعية الشيعية في النجف، طالب عدد من المراجع قوات التحالف بجدولة زمنية لتواجدها في العراق، وشددت على أن تتم كتابة الدستور الجديد بأيدي عراقية وبأسرع وقت، وأعلنت مكاتب المراجع انها لن تسمح بتكرار تجربة اليابان ودستورها المستورد من الولايات المتحدة، فكانت تجربة كتابة الدستور ابان حكم السفير بول بريمر ومجلس الحكم الانتقالي بطريقة شابها الكثير من المشاكل التي ما زال العراق يعاني منها حتى الان. واليوم نجد بعض الاصوات التي وصلت حد اليأس، تطالب الامريكان وبأثر رجعي بحكم العراق المباشر واتخاذ المنهج أو الدرس الياباني خريطة طريق للتعامل مع العراق، لانهم توصلوا إلى أن الحزم والقوة وربما البطش هو الاسلوب الأنجع الذي ربما كان سيوصلنا إلى استقرار الامور، والمشكلة أن هذه الأصوات نفسها تتهم الولايات المتحدة بالتآمر على العراق، عبر حل الجيش والقوات الأمنية، وتركه نهبا للعصابات والمليشيات والفصائل المسلحة، كما أن بعض العراقيين يلومون الامريكان على تسليمهم مقدرات الحكم لطبقة سياسية فاشلة جاءت من منافي الجوار العراقي، وكل همها الاستحواذ على تركة الديكتاتور والتشبه به، حتى أمسى البلد وقد فرخ الديكتاتور الكبير ديكتاتوريات صغيرة متناثرة في احزاب ومليشيات وتيارات سياسية وعسكرية متناطحة أوصلت البلد إلى التهلكة.
وهنا يجب أن نسأل، لماذا كان هنالك سعي إلى مقاربات ألمانية ويابانية في عراق ما بعد صدام؟ مع أن نموذج تفكك دول اوروبا الشرقية وزوال النظم الشيوعية الشمولية فيها أكثر قربا واكثر فائدة في التطبيق العراقي، ربما يقول المجيب إن هذه المنظومة لم تسقط نتيجة حرب، ولم تسقطها الولايات المتحدة، ولم تحتل من دولة أو تحالف اجنبي. والاجابة صحيحة بكل تأكيد لكن ما يسببه النظام الشمولي من اضرار اجتماعية وسياسية واقتصادية متشابه، أو يكاد يكون متقاربا مع اختلاف مسببات الانهيار، وكذلك يمكننا أن نعود لمقاربتنا الاصلية، واعني المقاربة الألمانية، فالمانيا الشرقية مرت بنمطين شموليين النازية والشيوعية، فلماذا نحدد مقاربتنا بالنظام الشمولي النازي فقط ونتناسى ما حدث في المانيا الشرقية من عنف وتدمير ممنهج للمجتمع على يد الشرطة السرية (شتازي) بمستوى لا يقل اجراما عن (غوستابو) الحقبة النازية، فلماذا لم نلتفت لهذه المسألة؟
وربما كان الامر الاكثر منطقية في التعاطي مع الشأن العراقي بعد صدام هو النظر إلى العديد من ديكتاتوريات (جمهوريات الموز) في امريكا اللاتينية، فهي ديكتاتوريات اسقطتها الولايات المتحدة، ورغم تعاقب السلطة فيها عبر سلسلة من انقلابات العسكر، إلا أن اغلب هذه الدول وفي المحصلة النهائية تخلصت من ديكتاتورياتها، وهي تنعم اليوم بديمقراطيات صاعدة. كما أن المميز في تجارب امريكا اللاتينية نهاية القرن الماضي انها قامت وبنيت بجهود ابناء البلد وتكاتفهم واحساسهم بالحاجة للتخلص من ديكتاتوريات العسكر، كما تعاملت القوى السياسية في هذه الدول بندية مع الولايات المتحدة، على اسس تغليب المصلحة الوطنية، وحتى الحركات والاحزاب الماركسية التي كانت متشددة، منتصف القرن الماضي ألقت اسلحتها وشذبت نتوءاتها الثورية ونزلت لساحة العمل السياسي الليبرالي، وحققت نجاحات متميزة في عدد من الدول اللاتينية، فلماذا لم نسترشد بتجارب أمريكا اللاتينية ونستهدي بخطاها في التخلص من ارث ديكتاتوريتنا، وهي دول اقرب لنا من حيث الطبيعة الاجتماعية ونمط العيش ومستوى التحضر؟ لماذا ما يزال البعض مصرا على تسويق الحلم الالماني الزائف، الذي تحول إلى كابوس أو الدرس الياباني الذي رسبنا في اداء امتحانه بجدار؟
كاتب عراقي

الحلم الألماني والدرس الياباني

صادق الطائي

- -

1 COMMENT

  1. الذي يصنع الفرق يا سيدي هو الانسان. هو الموارد البشرية. هو العقل الحر المفكر المبدع المبتكر
    طبعا ليس المفروض ان يكون كل الناس عباقرة و لكن هناك عقل جمعي و هناك كتلة حرجة قادرة على قيادة مقطورة التقدم.
    اليانان و المانيا و منذ الامبراطور ميجي و بسمارك ركزا على بناء الانسان و هو رأس المال الحقيقي لاي دولة
    يمكن ان تشتري علامات تقدم او تفرضها عن طريق فرعون او ديكتاتور او قوة خارجية و لكن هذا التقدم سيزول مع زوال المال او الشخص او القوة المؤثرة و ما يبقى هو الناس. انظر الى انجازات مصر في عهد عبد الناصر اندثرت بعده و انجازات العراق في عهد صدام اندثرت بعده و حتى في عهده لانها مفروضة. الانجاز الحقيقي هو الذي يتم بالناس من اجل الناس بارادتهم.
    الديموقراطية اجراءات لا قيمة لها اذا لم تتأسس على الحرية اولا. و الا وجدنا من يفوز ب 90% و يتحدى ان اجراءاته سليمة مع ان النتيجة لا يمكن ان تكون كذلك لو كان هناك حرية فعلا للناخب و المرشح.
    الانسان الحر هو القوة وراء كل تقدم مستديم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left