الهوية من الإكراه إلى التحرر في «سدوم» عبد الحميد شوقي

بوشعيب الساوري

Apr 20, 2017

تنشغل رواية «سدوم» للكاتب المغربي عبد الحميد شوقي بإشكالية الهوية، إذ نلمس فيها حرصا على النبش في كل ما يتعلق بتاريخ الشخصيات، والمنشأ العائلي والاسم والأصل، والعلاقة مع الأبوين والجسد، والمحيط والوضع الاجتماعي ومكان الميلاد، والتكوين واللقاءات المواقف الحاسمة، وغيرها مما يساهم في تكوين الشخصية، وهي كلها معايير لتحديد الهوية.
تحاول الشخصيات الرئيسية السبع لرواية «سدوم» أن تخرج الهوية من طابعها الموضوعي الإكراهي، إلى طابعها الذاتي عبر التحرر، الذي يتيحه لها اختيارها الفني، وأفعالها الموسومة بالتحرر، لتنتقل من وضع المنفعلة إلى وضع الفاعلة وسيدة مصيرها واختياراتها الواعية، إذ عرفت كل الشخصيات انتقالا من عالم إلى آخر، مع تسجيل هوة زمنية كبيرة بين العالمين، تعقبها عودة. لكن بعد أن تكون الذات قد اغتنت وتحررت، وتحولت من هاربة من عالمها الأول الكريه والضيق إلى باحثة عنه، وناظرة إليه بتصور جديد. يتعلق الأمر بنظرة تعود إلى ماضي الطفولة برؤية فنية متحررة تجعله مخصبا لاختياراتها الفنية.
عانت جل شخصيات رواية «سدوم» من إشكالية الهوية؛ «كاميليا» بين اعتقادها بأنها تنتمي إلى أسرة مسلمة متحررة وحداثية، وبين اكتشافها بأنها متبناة وهي من أبوين يهوديين، كمال وانتسابه إلى أمه بدل أبيه، آسلين ومشكلة الانتماء الأمازيغي، ميلاد وعدم انتسابه إلى الأب. كما أن الشخصيات تعيش مشكلة مع الاسم كأسلين التي رفضت اسمها الأمازيغي الكاهنة. ومع ذلك ستقوم الشخصيات بالتحرر من هذا الإكراه بتغيير أسمائها بإرادتها في الغالب، انسجاما مع تحررها الفني، الذي كان بالنسبة لها ميلادا جديدا وهوية جديدة، إذ يجعلها تتصالح مع ذواتها وتتفهم أخطاءها وأخطاء غيرها وجناياتهم الوجودية، وتتقبّلها وتكشف عن أعطاب المجتمع وتناقضاته، لتعلن تمردها عليه. وهكذا يصبح مصطفى الراهب، وعائشة تصير أسلين، وحليمة أحلام، وراشيل كاميليا، ونور الدين نوري. وهي تحولات تعكس التقابل بين ماضي الشخصيات وحاضرها، بين زمن الحرمان واللامبالاة والطيش والإكراهات الاجتماعية وضغوطاتها وكيف ساهمت في تكوين الذات المعطوبة، وبين حاضرها الموسوم بالتحرر الفكري والجسدي، أو تقابل بين جانب ظاهر وآخر خفي في الشخصيات، يتولى البوح، كاختيار سردي، على كشفه، وهذا الجانب الخفي مرتبط بتجربتها الماضية، ومـــــدى تأثيرها في هويتها الجــــديدة، والكشف أيضاً عن أعطــــابها واستنطاق الأماكن وإبراز أشكال التحول الذي طالها هي والشخصية.
تتكون الرواية من 21 فصلا تناوب على سردها سبعة فنانين، تولى كل واحد سرد ثلاثة فصول على هذا الترتيب؛
كاميليا فنانة تشكيلية، الفصل الأول والثامن والخامس عشر، سامية شاعرة الفصل الثاني والتاسع والسادس عشر، أحلام صحافية مهتمة بالفن، الفصل الثالث والعاشر والسابع عشر، أسلين ممثلة الفصل الرابع والحادي عشر والثامن عشر، الراهب روائي، الفصل الخامس والثاني عشر والتاسع عشر، ميلاد شاعر الفصل السادس والثالث عشر والعشرون، نوري مخرج سينمائي الفصل السابع والرابع عشر والواحد والعشرون.
تبوح الشخصيات لبعضها محاولة التخلص من أعباء سردية ثقيلة تفتح كوات إلى تجارب قاسية مطبوعة في ذاكرتها، كاشفة عن عيوبها وعما ساهم في تكوينها من خلال الكثير من الأفعال والقرارات والمواقف التي كان لها فعل تدميري بالنسبة لجل الشخصيات (سامية، ميلاد) وكذا النهاية المأساوية لبعض الشخصيات ووقعها في ذاكرة وهوية الساردين (جنون وانتحار عاشق سامية، قتل ميلاد لأمه العاهرة) كما تشترك في اكتشافها لسر يؤثر في كل مسار حياتها ويقلبها رأسا (كاكتشاف كاميليا لمذكرة والدها واكتشافها أنها تحمل في دمها عروقا يهودية).
يقود هذا التصدع كل الشخصيات إلى العودة إلى طفولتها وتحاول التصالح معها، عبر جعلها معينا بالنسبة لها على الإبداع. فتحاول كل شخصية استعادة ذلك الطفل الذي كانته، مسلطة الضوء على ظروف نشأته وتكونه (ميلاد أسلين، كاميليا، نوري) وانعكاسات وآثار ذلك على اهتماماتها الفنية الراهنة، لتؤكد الرواية أنهم فنانون قادمون من المأساة؛ فما عاشته الشخصيات في ماضيها كان له وقع كبير على شخصياتها، ظل محددا لذواتها وملتصقا بهوياتها، بل هو الذي حسم اختياراتها الفنية، إذ سعت جل الشخصيات إلى تحويل تجاربها الماضية القاسية الموشومة في ذاكراتها، التي تشكل مصدر أعطاب هوياتها الراسخة في وجدانها إلى عمل فني؛ كالراهب الذي حول جلال الذي كانت له علاقة مثلية معه في الطفولة إلى بطل لإحدى رواياته، النوري وعلاقته بالسينما وكيف قادته إلى استيحاء فيلم سينمائي من أماكن طفولته إلى فيلم، وكاميليا التي حولت إجهاضها إلى لوحة غير مكتملة، وسامية حولت علاقتها المفجعة مع حليم إلى شعر.
هكذا ابتكرت كل شخصية تجربة فنية انطلاقا من ماضيها القاسي المستعاد. تقول كاميليا: «أنت ابتكرت امرأة من عرق.. أنا ابتكرت عاشقا يتعالى على ألوان المعتقد.. الراهب ابتكر نصفه المنسي ونفخ فيه روحا من ورق.. أحلام ابتكرت غلاما يلحس ملوحة توقظ ثعباناً هلاميا… أسلين ابتكرت اسما يعكس رنين الدفوف الأطلسية.. والنوري ابتكر فحولة تسترجع طفولة من أفلام تبعث الحياة في حائط». رغم انشغالات الشخصيات بالفن، فإنها لم تفوت وضع اليد على مجموعة من الأحداث التي جرت في المغرب والتحولات التي طالته كحركة 20 فبراير، وتستشكلها، كالدعوة إلى الحداثة وأعطابها وعوائقها. تتناول الشخصيات تلك الأحداث بحس نقدي هدام للكثير من الصور النمطية، بخلفية حجاجية سقراطية تنقض التمثلات والأفكار الهشة؛ مثل إبرازها لتناقضات الخطاب الداعي إلى الحداثة، لتكشف كيف أنه في العمق مكبّل بقيود أزمنة سابقة عليها، تأتى لها ذلك عبر تعرية الكثير من التناقضات التي يعاني منها المجتمع: «نحن أبطال عندما يتعلق الأمر بالشعارات، لكننا نصبح الأسوأ حراس العقيدة والهوية الأخلاقية». لتبرز الرواية التناقض الحاصل بين الشعارات والأفعال، كوالدي كاميليا اللذين سمحا بتحررها ورفضا ارتباطها بيهودي. تقول: «كنا محصنين وراء قيم الحضارة الليبرالية التي تجاوزت هذه السفاسف. كنت فقط أحاول أن أجد تبريرا لموقف ماما وبابا عندما تسامحا مع حملي، ولم يتسامحا مع ملة الشخص الذي حملت منه».
كما أن كل واحد من هؤلاء الساردين ينتقد الفن الذي يشتغل فيه، ويحاول تقديم تصور جديد يعكس قناعته الخاصة، مثلا الراهب يرفض الرواية الوعظية، ويدعو إلى رواية أكثر تحررا، ونلاحظ أيضا أن كل شخصية من الشخصيات السبع للرواية منشغلة بإشكالية فنية، كأحلام التي تحاول حل إشكال وتعبّر عنه بلغة كانطية: أين يكمن سر الجمال في الأعمال الإبداعية والفنية؟ وتتساءل أسلين: كيف ينبغي أن يكون الأداء المسرحي؟ والنوري منشغل بكيف يكون سينمائيا ناجحا؟ وعلى الرغم من الوضع المزري لأغلب الشخصيات (قادمة من التهميش) نفسيا واجتماعيا، استطاعت أن تتعلم وتحصل على شواهد عليا (سامية، أحلام، نوري، ميلاد) وهو ما ساعدها على إيجاد حلول لهذه الإشكالات المتمثلة في حل أساس وهو التحرر الفكري والجسدي والمصالحة مع الذات والجسد، منتصرة بذلك للفن على حساب التاريخ. فعلى الرغم من أن لكل شخصية إشكاليتها إلا أن الشخصيات تلتقي حول حل واحد ومفتاح لكل إشكالاتها، وهو تحرر الجسد، الذي لن تستطيع تجاوز مشكلاتها وأعطابها إلا به، إذ تعلن الشخصيات عن مطامح تحررية، اقتناعا وسلوكا، ومواقف، ولو أنها كانت تصطدم بواقع مكبّل بإرث من الإكراهات والقيود الاجتماعية والثقافية، تعمل على مساءلتها وخلخلة أسسها الهشة، وما تسببه من أعطاب نفسية واجتماعية وأفكار مغشوشة حول الذات. فحولت لقاءاتها إلى فسحة للنقاش الفكري والجمالي الحر، مطلقة العنان لأجسادها لتعبر عن نفسها بحرية، تتقاسم اللذة الجنسية والبوح، في إطار مصالحتها مع ذاتها، مبرزة كيف يساهم المجتمع وقيمه ورغباته المعوجة على حرق الذوات، وتكشف كل شخصية عن سر أو حقيقة صادمة صاحبتها طوال حياتها ولم تستطع التخلص منها (النوري، ميلاد، سامية والراهب) وكشف عيوبها وأخطائها، كسامية التي دفعت بعاشقها إلى الجنون فالانتحار. لتعيش الشخصيات تحررا فكريا يتأسس انطلاقاً من التحرر الجسدي الرافض لمنطق الوصاية الذي تعبر عنه الرواية على لسان إحدى الشخصيات: «هذا يشبه اتفاقاً جماعياً بيننا. لا غيرة.. لا وصايا.. لا نفاق… كلنا أسياد لأسرارنا الصغيرة».
يتعلق الأمر بثلة من الفنانين السدوميين، كما تقول الرواية، لديهم مشكلة يتقاسمونها وهي كيف يتحرر الفن من الأخلاق: «لم يكن جسدي يطالب بغير حقه في أن يكون سيدا على نفسه ومالكا لأعضائه ومتمتعا بحريته». فتحاول كل شخصية إعادة الاعتبار للجسد في الإبداع (سامية شاعرة، تحاول الكتابة بالجسد، أسلين ممثلة عبر الجسد، يجعل الراهب جسده كمنطلق للكتابة الروائية) عبر تحريره من كل القيود ليكون خادما للفن كغاية خارج كل اعتبار أخلاقي، وذلك بتحويله إلى مرتكز للإبداع، لتنتقل بذلك الشخصيات من أن تكون ضحية ونتيجة لحتميات اجتماعية وثقافية خارجية إلى سيدة لمصيرها واختياراتها وقرارتها، فتخرج هوياتها من ضيق الإكراه إلى رحابة التحرر.

٭ كاتب مغربي

الهوية من الإكراه إلى التحرر في «سدوم» عبد الحميد شوقي

بوشعيب الساوري

- -

1 COMMENT

  1. ـ1
    لن يكون تعليقي تكرارا لما يمكن أن يستنتجه قارىء أو يحلله ناقد. فتلك إضافات نوعية و تفكيكية تساعد على تبيان خيوط الحكي و طريقة نسجه ما أمكن. تبدو الرواية محكمة البناء و النسج، كما تبدو منتقاة في شخوصها و محاولة تحقيق الانسجام بينها في التفاعل و البوح و السرد و الحكي و تسلسل الأحداث عبر الأزمنة الممكنة. هكذا يتضح البناء و الشكل إلى جانب الأسلوب و الحكي المتضمن داخل النص الروائي.
    الإشارة التي سأنطلق منها متعلقة بنوعية الخطاب الثقافي الذي اختاره الكاتب لشخصياته. و لن نعدم مصدرا للتفسير إذا ما استعنا بمعرفة مرجعية الكاتب و إطاره المهني و الأكاديمي. لذلك سنلج الفكرة المستنتجة علّها تسعفنا في تفاعل جديد تبتغيه الرواية ربما كرسالة ثقافية مؤطرة بتصور سوسيو ثقافي و نفسي يحكم المجتمع و الزمن و التاريخ و الثقافة.
    يذكرني تحليل شخصيات الرواية و طبيعتها التحرريـة المتفق على فوضاها و عبثيتها أحيانا بمرحلة الستينيات أو ربما أواخرها و مرحلة السبعينيات على الخصوص. و هنا سنتكلم عن الحضور الوجودي و العبثي فلسفة و سلوكا، عن جيل يريد أن يفكّ عقدة التناقضات الحضارية التي وصلت إلى أوج عقدتها بين أزمنة و اعتقادات و عادات و ثقافة عيش و اقتصاد معرفة و معرفة اقتصاد. جيل تذمر مما هو قائم، أراد الانسلاخ من إرث ولّى و الانخراط في تجربة الحياة. لكنه جيل يعيش بجراح ما دام النفسي و المشاعري و التربوي المتحكم بخيوطه في لحظات الضعف أو المرض أو الموت. جيل سيكون سلاحه الحرية و الحب، سيصهر في هيولى المقدس و المدنس ليعيد صياغته بما تأتى من تجربة العيش. جيل يسائل المرجعيات الإديولوجية القائمة، تلك التي تنبني على مرجعيات دينية أو أسطورية تاريخية. يسائل مسألة الهوية، فينقش على حجرها الأصم. لكنه جيل لا يعي مسار الآت بقدر ما يعيش الآن. فهل يمكننا أن نناقش الكاتب و الروائي و الشاعر و المثقف في مضمون هذه الاسنتاجات و مضمر قصده داخلها؟
    لعل مجرد الكتابة عن الرواية طرق لأجوبة و لمخفي و لخطاب ثقافي يحكم صاحبها، فنقول إن الروائي عبد الحميد شوقي امتلك مشروعا ثقافيا و ضمنّه كرسالة داخل عمله الروائي. فكّك القائم و استعمل درجات من السخرية القدرية و الواقعية التي تبين هشاشة هذا القائم أمام شمس حرية و تحرر و زمن جديد منفتح على شموس العالم التي تزيح رطوبة الرتابة المستكينة للماضي و لأعراف و معتقدات بالية.
    …__

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left