مسالخ بشرية تقدم الموت للمواطنين

رشيد أخريبيش

Apr 21, 2017

حملت الأمّ المسكينة ابنها المريض بين يديها، توجّهت به إلى إحدى مستشفيات العاصمة الاقتصادية، معتقدة أنّ مستشفيات الوطن ستنقذ فلذة كبدها، وستقدّم له العناية الضرورية، لكن ما إن وصلت إلى مستشفى الأحلام حتى صُدمَت من هول ما رأت، الأطبّاء الذين انتظرت منهم خيراً لا أثر لهم، والممرضون الذين كُلّفوا برعاية المرضى فضّلوا النّوم على رعاية ابنها المريض، والوطن الذي عوّلت عليه كثيرا خيّب آمالها.
انتظرت كثيرا داخل المستشفى حاملة ابنها، ازدادت حالة الإبن سوءاً، فارق الحياة وهو بين ذراعيها فصرخت صرخة ألم فاضت من القلب الحزين على ابنها الذي راح ضحية الإهمال، وكذلك على وطنٍ تكالب عليه المفسدون من كل حدَبٍ وصوب.
صورة الأمّ التي فقدت فلذة كبدها، هي صورة مصغّرة لما يحدث يوميّاً في مستشفيات الموت التي أصبحت تحصد أرواح المغاربة من الذين يلجأون إليها، صرخة الأم المكلومة عرّت واقع من يُشيدون بقطاع الصّحة في البلد، وعرّت واقع البلد الذي يعيش على وقع المهرجانات وعلى وقع الحفلات التي لا تنتهي، وربما عرت شعارات من يحاولون تقسيم الغنيمة الحكومية هذه الأيام، أمّا أحوال الشّعب فتبقى من الأشياء الثّانوية لدى هؤلاء، فدور الشّعب غالبا ما ينتهى مع انتهاء موعد الانتخابات، ولا جدوى من ذكر الشعب بعد ذلك خصوصاً في هذه الظرفية الصعبة التي يتهافت فيها الساسة على الكراسي.
في أوطاننا يُعامل الموّاطن كبضاعة لا حقوق لديه ولا حرية ولا هم يحزنون، يملكونه يرثونه ويورّثُونه لأبنائهم، يحتاجونه فقط عندما يريدون تجديد الشّرعية الانتخابية والتربع على الكراسي، فدوره لا يتجاوز الإدلاء بورقة التصويت لإعطاء الساسة فرصة أخرى لكي يحكموه إلى ما لا نهاية، أمّا دون ذلك فلا يعنيهم في شيء. قد يعاني المواطن، وقد يعيش المآسي، و قد يموت في صمت دون أن يحرّك ذلك شعرة في جسد هؤلاء.
دولة الحق التي شنّفوا بها أسماع العباد هي مجرد أكذوبة، والديمقراطية التي لطّخوا بها صفحات الجرائد ونادوا بها في إعلامهم، ماهي إلا خدعة من أجل تمويه الشعب الذي يعاني الويلات .
من هنا نفهم لماذا طالب بعض اللاّجئين المسلمين في ألمانيا بمنحهم حقوق الكلاب؟ ولماذا يصرّ الكثير من أبناء الوطن على مغادرة بلدانهم والاستقرار في بلدان غربية ؟ الكلاب في بلاد الغرب تتمتع على الأقل بحقوقها الكاملة، على عكس بلداننا التي قضت على أحلام الشعوب وجرّعتها السم الزّعاف حتى تمنت لو صارت من فصيلة الكلاب يا للأسف .
يحز في النّفس أن يُحترم الكلاب في بلاد الغرب ويتم إذلال الإنسان في أوطاننا، نخجلُ عندما نسمع عن مراكز لرعاية الكلاب والحيوانات، والمواطن في بلادنا يأكل من
القمامة وينام في العراء، نخجل عندما نرى تلك الرّعاية التامة بصحة الحيوانات وأبناء المغاربة يفارقون الحياة في مستشفيات الموت بلا أدنى رعاية، كما حصل مع أُمّنا الحنون التي فقدت ابنها دون التفاتة من أحد، في بلد يدّعي القائمون على تسييره أن الصّحة فيه ارتقت ووصلت إلى العالمية.
مستشفياتنا أصبحت عبارة عن مسالخ بشرية تقدم الموت بالمجان ومن يخالفنا الرأي عليه بزيارة هذه المستشفيات للوقوف على حجم الكارثة التي أصابت قطاع الصحة، ولا نبالغ إن قلنا إن التفكير في الدخول إليها مغامرة كبرى، في ظل الإهمال وعدم الاهتمام بصحة المواطن التي لا تساوي جناح بعوضة عند القائمين على هذا القطاع .
المفسدون استنزفوا الثروات، استنزفوا الأموال، واستنزفوا الأحلام، وها هم يستنزفون الدّم من عروقنا، عبر توفير الموت لنا في كل زاوية و حين. لا نعلم ماذا يضير هؤلاء لو بقينا أمواتاً فوق وجه البسيطة؟ وماذا سيضيرهم لو أنّهم وفروا لنا حياة أشبه بحياة الكلاب وذلك أضعف الإيمان .

٭ كاتب من المغرب

مسالخ بشرية تقدم الموت للمواطنين

رشيد أخريبيش

- -

2 تعليقات

  1. صدعوا رؤوسنا لسنوات بالمستشفيات الميدانية التي وهبها ملكهم هنا وناك لبعض البلدان المعوزة وسوقوها دليلا على تقدمهم وكرمهم واكتساحهم للعالم.. والحقيقة التي كنا نعرفها وينكروتها تنفضه كل يوم أكثر..
    رحم الله الطفلة ايديا وإخوتها ضحايا بروباغوندا دولتهم.. وسيعلم المغاربة قريبا حجم الخديعة التي كانوا يعيشون فيها رغم الأقلام المأجورة التي عبثا تلمع صورته المهيبة بتيشورته في بذخ ميامي يتباكى على أبواب ترامب.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left