بغداد- «القدس العربي» : حصدت رواية الكاتب السعودي محمد حسن علوان (موت صغير) على الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» بنسختها لهذا العام، الرواية التي قال عنها ياسر سليمان؛ رئيس مجلس أمناء الجائزة، إنها تسحرك بانسيابيتها وانتظام سردها وهدوء حركتها الداخلية؛ فتجعلك تغوص في عوالم بطلها، ابن عربي، في حله وترحاله وكأنك هو في أزمان مضطربة تصارع مآسيها بصبر يتردد. تتدفق الرواية بين يديك، وتجري ورائها بشغف أخّاذ وإيقاع متوازن يشهد لكاتبها محمد حسن علوان بقدرة رائعة على حياكة السرد دون تزويق أو بهرجة.
وفي حوار سابق مع علوان عن روايته هذه، أشار إلى أن الدافع من وراء كتابتها لم يكن الفكر الصوفيّ نفسه، بل شخصية محيي الدين بن عربي النزّاعة للرحيل بنوعيه: المعنوي والجغرافي. لقد رحل ابن عربي رحيلاً روحياً ليعيش حياة مختلفة عما كان يراد له وهو حري بها. وكذلك رحل رحيلاً جغرافياً واسع المدى رغم عدم اضطراره لذلك مدفوعاً بقلقٍ وجوديّ عاصف. هذه الجانب من شخصيته أغراه بالكتابة عنه أكثر من تصوفه نفسه.
مضيفاً في الحوار ذاته، أن الرحيل في الرواية ليس مجرد حدث، بل جزء من البنية الرئيسة للرواية. كل شيء يحدث في الرواية له ارتباط بهذه البنية بشكل أو بآخر. هذه نيّتي الفنية ككاتب وأنا أكتب. وهي نيّة تبلورت من استلهامي لشخصية ابن عربي وظروف حياته. فلننظر إليه وهو يقرّ بأن الوجود هو السفر والسكون عدم. ابن عربي كان يتماهى مع الوجود كما يتخيله. وأنا تماهيت معه كما تخيلته وقد قامت الرواية- بحسب الناقد إبراهيم عادل- على مستويين سرديين؛ الأول يحكي تاريخ انتقال (أوراق/ مخطوطة) تحكي سيرة ابن عربي منذ عام 610هـ/ 1212م وحتى وصولها بين أيدينا عام 1433هـ/ 2012م والتي تمر بأيام عصيبة في التاريخ الإسلامي، وتشهد ويشهد حاملوها الكثير من الحروب والصراعات والابتلاءات عبر ذلك التاريخ الممتد. أما المستوى الآخر فتأتي فيه سيرة ابن عربي منذ ميلاده وحتى وفاته وما مر به هو شخصيًا من صعاب وابتلاءات وصنوف المحن والسجن ورحلته الطويلة من غرب البلاد (في الأندلس حيث ولادته وشبابه) إلى شرقها (دمشق) مرورًا بالقاهرة ومكة وغيرها من حواضر العالم الإسلامي للبحث عن «أوتاده» الأربعة، حتى وافته المنية.
موضحاً أنه لحسن الحظ، فإن سيرة ابن عربي وحياته ليست صعبة التوثيق أو البحث كسير غيره من العلماء والمتصوفة، بل لقد كتب جزءًا كبيرًا منها بنفسه في كتابه الأشهر (الفتوحات المكيّة)، أو فيما جمعه المستشرقون والباحثون من سيرته، ولعل هذا الأمر يكون ذا حدين فهو من جهةٍ ييسّر على علوان مهمة كتابة رواية على لسان ابن عربي، بل ويجعل الأمر يبدو كما لو أنه يسردها بتفاصيلها بالفعل، ومن جهةٍ أخرى يجعل مهمته شاقة في كتابة رواية تأخذ من المصادر التاريخية موضوعها دون أن ينتقص ذلك من أدبيتها، أو يحولها إلى وثيقة تاريخية بلا روح.
وعن الرواية، يتحدث الكاتب إبراهيم شحبي، مبيناً أن علوان جمع أشتات رحلة طويلة من الأندلس إلى شمال أفريقيا ثم الحجاز ومصر والشام قضاها ابن عربي في طلب الأوتاد مستعيناً بالترقي المعرفي بداية بخروجه من مرسية التي ولد فيها إلى إشبيلية، ثم إلى قرطبة، ومراكش، وفاس، وبجاية، والإسكندرية، ومكة، وبغداد، وملطية وغيرها من المدن، وانتهاء بدمشق التي دفن فيها، ظل كل تلك السنوات في رحلة بحث لكي يصل إلى مرتبة القطب في جهاد شاق سخّره في طلب المعرفة فقرأ الكثير من الكتب وتعلم على كثير من العلماء، وعلم مئات الطلاب. كما أنها تصف على لسان ابن عربي تفاصيل السير من مدينة إلى أخرى، وأنواع المشاق والعقبات والأهوال التي صحبت تلك الرحلات، وتتوغل في وصف أحوال المدن التي أقام فيها، وحالات الحروب بين المرابطين والموحدين مرات، وأخرى بين العرب وجيوش الفرنجة، وقد عصفت تلك الحروب بالكثير من مدن الأندلس وشمال أفريقيا، كما تستحضر الرواية كثيراً من أسماء الخلفاء والأمراء وبعض قادة الجند والدراويش والعلماء والأعلام، وطلاب العلم، والخدم.
أما الكاتبة رنوة العمصي، فترى أن قراءة هذا العمل يجب أن يكون ضمن سياق مشهد ثقافي يشهد رواجًا واعياً أو غير واعٍ، كاملاً أو مجتزأ للفكر الصوفي والأدب الصوفي، وتعد من أبرز نماذجه على الصعيد الجماهيري، رواية «قواعد العشق الأربعون» للتركية إليف شافاق، .. وعلى العكس من رواية شافاق التي أغدقت بالبريق والسِّحر على الحالة الصوفيّة، تقف «موتٌ صغير» المأخوذ عنوانها من عبارة لمحيي الدين ابن عربي تقول: «الحبُّ موتٌ صغير»، على ما يشبه الحياد من الحالة الصوفية لابن عربي، فمع إقرارها بحدوث بعض الكرامات، ولحظات الصفاء والكشف، فإنها أيضًا ترصد الحالة اليومية العادية للرجل ومحيطه، فتظهر الوجه الآخر للشخصية، بالسّفر الذي يستدعي بالضرورة حالة من التنصل والتخلّي، بالمسالَمة التي تتجاوزها إلى مجاراة الملوك والسلاطين في بعض المواضع، وغيرها من الصور التي تثير في النفس التساؤل وعدم الارتياح. «موت صغير» تحكي الصوفية بوجهيها الناعم والقاسي، المرغوب معرفته والمتغاضى عنه، أبعد من حدودها الرومانسية المعهودة.
يشار إلى أن محمد حسن علوان ولد في الرياض عام 1979، وصدرت له خمس روايات» سقف الكفاية2002، صوفيا2004، طوق الطهارة2007، القندس2011، موت صغير2016، وكتاب (الرحيل نظرياته والعوامل المؤثرة فيه)2014.. ومن الجدير بالذكر أن روايته (القندس) رشحت ضمن القائمة القصيرة في البوكر العربية من بين 133 رواية مشاركة على مستوى العالم العربي. وفي عام 2015، فازت النسخة الفرنسية من (القندس) بجائزة معهد العالم العربي في باريس كأفضل رواية عربية مترجمة للفرنسية في العام 2015.
نبارك للأستاذ هذا التكريم من الناحية الفنية و الجمالية ، كما ابارك له اختياره الموضوع الصعب و الخوض فيه فهو من المواضيع العسيرة جدا من حيث البناء لأنها تتعلق بالجانب الروحي و التاريخي ،فهو قد عمل على أكثر من صعيد و كلها متعبة الجانب الروحي و تتبعه،شطحات الدراويش و الفكر الصوفي التي لا يدركها البسطاء و الكثير من الناس فقد مات الحلاج لأنه لم يفهم و غيره ، ومن جانب آخر فقد تتبع الرحلة الطويلة لإبن العربي عبر الفتوحات و التنقلات و هنا تبدو صعوبة التحكم في المسار الزمني و نقل الظروف الاجتماعية و السياسية و الثقافية لدول متناقضة و متصارعة و متحالفة في أقاليم أخرى ، و من غير ان اطلع على العمل السردي للأستاذ علواني أتصور انه سلك الطريق الصعب و نجح فيه ” كجده خالد بن الوليد” لما عبر الربع الخالي، هنيئا لك و مزيدا من التألق ميلس بوحفص من الجزائر
روايات السيرة اصبحت جزءا من عناصر الحداثة العربية في الخيال الفني، سواء الناطقة بلغة الضاد كما في (الحنظل الأليف) التي اعادت تركيب حياة المتصوف الحلبي خير الدين الأسدي، او الناطقة بلغات اجنبية كما في سمرقند لامين معلوف و التي تعيد تفسير سيرة عمر الخيام ، فمعلوف يكاد يرسم الخيام و كانه نسخة اسلامية من ليوناردو دافنشي الفان و المهندس،
بالنسبة للتصوف مغامرة اليف شفق في قواعد العشق الاربعون معرفة للجميع،
الاتكال على السيرة امر بغاية الاهمية لانه يضع الذاكرة في موضعها ابصحيح من المتسلسلة الزمانية، و حساسيتنا للتاريخ ان تعرضت للضعف بسبب الهزائم و الصراعات الداخلية فهي بحاجة لشيء من قوة الإيحاء بإسقاط الماضي على الحاضر، اية نتيجة تكون وساما على صدر المغامرة الفنية بشكل عام،