حزب الله ولعبة «التهجير الديموغرافي» في سورية

مجد ربيع

May 10, 2017

من مفارقات الكوميديا السوداء أن يتم إجبار أهالي مضايا والزبداني من جهة والفوعة وكفريا من جهة أخرى على الخروج من أراضيهم لصالح حزب الله كمستفيد مباشر أكبر من هذه العملية دون أية جهوزية من قبل ممثلي الثورة السورية والمعارضة المنتشرة في أصقاع الأرض للنفخ في وجه هذا الحزب الآيل للسقوط وردعه عن إكمال خطته التي عمل عليها طويلاً مدعوماً من إيران، حيث الإمكانية واردةٌ اليوم أكثر من أي وقت مضى لعزل هذا الحزب عالمياً وإسقاطه….
فحزب الله، الذي أنشأ دولة فوق الدولة الرسمية اللبنانية، «دولة السلاح» على حساب المؤسسات، والتي لم تجد نفسها مضطرة يوماً إلى الالتزام بأي نظام داخل لبنان، وتعتمد في وجودها خارجياً على توازنات إقليمية تعود في معظمها إلى حرب العراق ووضع إيران كقوة أمر واقع على الأرض، بدون هذه التوازنات لايمكن لإسرائيل الجارة القبول ببقاءها -أي ببقاء دولة الحزب-.
ورغم الهدوء الغالب على شكل العلاقة بينهما خلال السنوات الماضية، والاتفاق الضمني والذي يقضي بأن يسوّق حزب الله نفسه عربياً على أنه راعي للمقاومة وبذلك يحتكرها فلا يكون على إسرائيل أن تُقلق نفسها بملاحقة مقاومين آخرين…
فلم يعد من الممكن لإسرائيل القبول باستمرار الحزب بأخطبوتيته الحالية على الأقل بعد اليوم، خصوصاً وأننا شهدنا في السنوات الأخيرة أنه لم يتورّع عن التورط بدورٍ واسع في سوريا لقمع الثورة ورغم أنه استخدم أغلب ترسانته ومسلحيه فيها، في أمر أشار إليه الكثير من الصحفيين والعاملين في الشأن العام من طرف الثورة السورية بمقولة أن حزب الله يخطئ في طريق القدس، فإن اسرائيل التي تعتمد أعلى معايير الأمان في طريقة حمايتها لمواطنيها، بدأت تتعب من هذا الأرق الذي يسببه هذا الجار ومن ازدياد سطوته وانتشاره ومن قوانين العلاقة بينهما التي تحكمها الفرادة، نسبةً إلى علاقتها السلسة بباقي دول الجوار كمصر والأردن وحتى سوريا سابقاً قبل الربيع العربي.
يأتي هذا التعب المشوب بالقلق والذي دل عليه قيام اسرائيل المتكرر بالتدخل بطلعات جوية وقصف على الأراضي السورية التي أصبحت خارج السيطرة المتماسكة للنظام السوري لصالح فصائل إسلامية يمكن ضبط العلاقة معها بالتفاوض السلس مع قطر وحزب الله الذي لازال التفاوض معه ومع داعميه يأخذ شكلاً ضمنياً وغائماً، فيما حافظت على خروقاتها الاعتيادية فوق سماء لبنان والتي لم تتوقف عنها يوماً.
ويأتي متزامناً مع استلام ترامب زمام السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، ورغبته في إثبات وجوده كرئيس يعيد للولايات المتحدة دورها القائد في العالم، وهذا ما يؤخذ على الرئيس السابق أوباما الذي اتبع سياسة القيادة من الخلف والانكفاء وإفساح المجال للروس والتردد في التدخل في كثير من الأحداث العالمية خلال فترة ولايته إلى درجة أدت إلى تراكمات تعدّ خطيرة بالمقياس الأميركي ليس أهمها ولا أقلها شأناً الحالة السورية، عدا عن إلقاءه بكامل المسؤولية على عاتق دولة إسرائيل في أخذ الاحتياطات اللازمة لتفادي أي هجوم كيميائي عليها فكانت تقصف بشكل مباشر هنا وهناك مواقع عسكرية سورية نظامية كلما شكت بوجود سلاح كيميائي بينما اعتدنا قيام أميركا بهذا الدور نيابة عنها في السابق، وانحسر الدور الأميركي في سوريا خلال عهده إلى المشاركة في اتفاقية تسليم السلاح الكيميائي بشكل رئيس.
ترامب الذي استهل فترته الرئاسية بشرح استراتيجيته وأشار غير مرة إلى رفضه للاتفاق النووي مع إيران.
عاد ليؤكد في التصريحات التي أدلى بها مؤخراً عن بشار الأسد ووصفه بعدو البشرية، بأن اللحظة الحاسمة آتية، وهي لحظة تعاضد التعب الإسرائيلي مع الاستياء الأميريكي، خصوصاً مع استمرار التعنت الروسي واستخدامه للفيتو كما كانت حاله خلال الأعوام الستة الماضية لصالح النظام السوري، يضـاف إليـها هدية المنصب الجديد لترامب والمقدمة من قبل الحـكومة الصـينية التي امتنـعت عن التصـويت.
كل تلك المؤشرات والتي تعطي فكرة واضحة عن استحالة استمرار النظام السوري ممثلاً ببشار الأسد، فإن هذه المؤشرات نفسها تشي باستحالة استمرار حزب الله كقوة مارقة، تتحدى ولو معنوياً الإرادة الأمريكية ممثلةً بالحالة الإسرائيلية، يضاف إلى ذلك تأثير الارتياح لعدم تدخل أميركا خلال السنوات السابقة والذي أدى بالحزب لارتكاب فظائع ضد الشعب السوري لاتقل عما ارتكبه نظام الأسد مهما تم تغليفها إعلامياً وديبلوماسياً.
ورغم تواريه عن الظهور المباشر في المشهد الديبلوماسي لزئبقية الحالة السياسية التي يتخذها، فمن الواجب الانتباه إلى أن هذا الحزب لم يعد في أفضل حالاته على الإطلاق، بل إنه سيكون مضطراً للتقليل قدر الإمكان من المواجهات.
وهنا نعود إلى اتفاق المدن الأربعة الذي شكّل واحداً من أطرافه ممثلاً لإيران إلى جانب قطر وجبهة النصرة ممثلاً عن القاعدة ليبدو وكأن الأزمة في سوريا كانت تدور بين طرفين أحدهما إيران وحزب الله وثانيهما « الإرهاب » وليبدو وكأن حزب الله الذي يصنف كحزب إرهابي أمريكياً كان طوال الوقت الماضي يحارب الإرهاب « السني « نيابةً عن دولة إيران « الشيعية»….
فعملية تهجير سكان المدينتين «السنيتين»: مضايا والزبداني…… والتي وإن ابتدأت اليوم فقد تم التحضير لها على مدى السنوات السابقة، بطريقة ممنهجة، فلقد تم إذلالهم وتجويعهم وحصارهم على المدى الطويل، وتخويفهم من طرق أخرى للموت كالاعتقال والتعذيب والمواجهة المباشرة التي وصلتهم أخبارها إن لم يكونوا شاهدين فعلياً على جزء كبير منها، قبل أن يتم حصارهم بشكل يجعل التهجير إلى المجهول مقبولاً ويسيراً ومفضلاً على باقي الحلول، وبذلك يسير أهالي هذه المدن بدون أية مقاومة وكما تهدف الخطة المطبقة عليهم إلى مصيرهم المجهول في إدلب ومحيطها التي تتعرض بشكل دائم تقريبا لقصف النظام السوري والروسي.
و إن كان الإدعاء الإيراني والنظامي السوري في «محاربة الإرهاب» يقوم على وجوب العزل الطائفي والتغيير الديموغرافي لإحلال السلام فإن هذا الإدعاء ساقط استشهاداً بمقطع من كتاب الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت في كتابها أيخمان في القدس « تفاهة الشر « حيث تقول :» إن الإرهاب لايمكن أن يسود الناس مطلقاً إلا في حال كونهم معزولين عن بعضهم البعض وبالتالي فأولى اهتمامات كل الأنظمة الاستبدادية هي إحداث هذه العزلة، لذا يمكن أن تكون العزلة هي بدء الإرهاب، فهي الأرض الخصبة التي ينمو فيها الإرهاب ويكون ثمرتها على الدوام».
و هنا يجب أن يبرز دور المعارضة السورية وهي كلمة تمثل خارجياً على الأقل الجبهة المقابلة للنظام السوري متضمنة قوى الثورة، فلا يجب أن يمنعها الاعتياد على الحالة المتعسرة التي استمر عليها وضع الثورة السورية في السنوات السابقة من الانتباه إلى وجوب التقاط اللحظة بدءاً بتفاصيلها الصغيرة نسبة للمشهد العام كاتفاق المدن الأربعة، وضرورة إبداء الاعتراض وإيصال رسالة إلى النظام الأميركي، تضعه في صورة الوضع الحقيقي للمأساة، ولكون هذا الاتفاق إهانة فعلية للإرادة الأمريكية.
و ضمنياً عليها أي قوى المعارضة تجاوز القلق الفلسطيني من تطبيع مستقبلي ما بين الدولة القادمة في سوريا وبين إسرائيل لأن هذه المعارضة كممثل للثورة السورية لايمكنها إلا أن تكون في مواجهة مع حزب الله الذي تصرف كعدو لغالبية الشعب السـوري بينما لاتملك الدولة القـادمة في سـوريا أية مقومـات لمجابهة « العـدو « الإسرائيلي وهذه حقيقة مفروغ منها لاتمنع من التـحفظ تجـاه تطـبيع العلاقـات الكـامل.
آخذة بعين الإعتبار إعادة تقديم نفسها كممثلة عن ثورة شعبية تواجه الاستبداد السياسي، وليس عن حالة طائفية سنية كما يراد الترويج لها إيرانياً، لأن هذا الترويج الأخير يقضي بأن تحتاج عملية إعادة السلام في سوريا إلى توازن سني شيعي، لا يمكن أن يتم بطريقة عادلة وطبيعية في سوريا التي تشكل السنية أغلبيتها بالمفهوم الطائفي الذي يعتبر أن الدين والطائفة يستمدان بالولادة والوراثة.
و أن تستفيد من ضعف أوراق الخصم فلطالما انتصرت الثورات في العالم عندما أدركت ضعف أوراق الطرف الآخر رغم ضعفها واستفادت من ذلك في تحقيق الانتصار المنشود..

سورية

حزب الله ولعبة «التهجير الديموغرافي» في سورية

مجد ربيع

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left