التنين الأزلي وحرب الملوك الثلاثة

ادريس الجاي

May 12, 2017

كثيرمن ثقافات العالم تناولت التنين ككائن أسطوري، ذي اجنحة مثنى وثلاثة أو بدونها. فهويتخذ اشكالا متعددة بشرية وحيوانية، ينفث النار من فمه ويحلق بعيدا في كبد السماء. فاذا كان أشهر التنينات الأوروبي مجرد اسطورة حكائية، وإذا كان الآسيوي لازال يمثل حتى اليوم رمز القوة اللامتناهية ويملك قدرة خارقة على التحول إلى أشكال وصور مادية وروحية، فتنيننا المغربي ليس أقل صلابة من ذلك الأسطوري، إن له هو الآخر أيضا جلد صلب لا تخترقه كل أنواع اسلحة محاربته القديمة والحديثة. فوجوده عندنا سواء في المغرب أو في غيره من البلاد العربية حقيقة تضرب جذورها في الماضي السحيق وله انتشار شعبي في هذه البلدان ومكانة مميزة خاصة بين النساء وحضوره الفعلي بيننا ليس اسطورة حكائية. انه وفي المعشر له قدرة التأقلم وملاحقة الأجيال دون كلل أو ملل ودون أن تنال منه آفة الزمن أو حملات محاربته المتكررة. فاذا كانت صورته في موروث ثقافات الشعوب الأخرى وحشا ألفت حوله الحكايات والاساطير وخلد ذكره في زمن القرون الأولى واذا كان الآخرون صنعوا لوجوده السالف، من خلال معتقدهم الديني، تماثيل وصورا وحكايات، فان له بيننا وقائع حية صنعنا له من خلالها صورا قدسية وجعلنا له يوما خالدا 13 تشرين الأول/اكتوبر. ولولا معتقد اسلافنا الديني، الذي يحرم التماثيل، لصنعنا له تمثالا وسميناه تمثال «محاربة الامية.»
في وسط مدينتي فاس القديمة، ( عاصمة البلاد العلمية؟ ) سوق تجاري إشتهر باسم القيسارية ( القيصرية) علقت، منذ اعادة بنائه في نهاية الخمسينيات بالاسمنت والخرسانة، بعد الحريق، الذي تعرض له في شهر كانون الأول/ديسمبر سنة 1954 اثناء فترة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، حيث أصبح يحمل لاحقا اسم «قيسارية الكفاح،»، علقت فوق سقايته، التي تزود السوق بماء الشرب، صورة بالأبيض والأسود للمك الراحل محمد الخامس مفتوح الأحضان في جلبابه التقليدي وطربوشه الوطني، كتب عليها بخط عريض يناسب ضخامة الصورة، «محاربة الأمية». انها صورة تمثل رمز وفاء تجار هذا السوق لوطنيتهم، فخر تجارهذه القيسارية. صورة يتفردون بها من بين كل الاسواق والمراكز التجارية في كل المملكة. إنها وثيقة حية، شهادة تاريخية على إعلان الحرب ضد هذا التنين الازلي، الذي لا زال حيا يتغذى على حساب اسلوب تفكير جم غفير من الأجيال المغربية والعربية وبنسب متفاوتة جيلا وراء جيل حتى اليوم، رغم اختفاء التنينات الأوروبية.
ففي الوقت، الذي انقرضت فيه كل التنينات الأوروبية واصبح ذكرها في خبر كان، بقي تنيننا يتمتع بالحيوية والتجدد ولم تنل حملات محاربته ولا آفة السنين منه الا اللمم. لكن مع مرورالأيام نالت آفة الدهر والمناخ من تلك الصورة فغيرت معالمها وبهت لونها وتلاشى، عندها فطن تجار السوق للخطب الجلل، الذي حل برمز وفائهم، فتضافرت جهودهم خوفا على الرمز لا على المرموز، على الصورة لا على حمولتها، فاجمعوا أمرهم على محاربة سطوة الزمن. فاوكلوا هذه المهمة الكبيرة، اعادة تجديد الصورة إلى رسام حاذق، الذي قام باعادة الحيوية وروح الفخر إلى الصورة، وهذه المرة بالألوان، اما سطوة التنين فتركوها للمكلفين بمحاربتها. اقتداء بجد مؤسس المدينة القديم القائل: « للبيت رب يحميه».
في الحكايات الأوروبية كثيرا ما يتم الإعلان على الملأ : إن من يحارب التنين ويقضي عليه، تكون مكافأته الزواج بنت الملك أو حتى الحصول على نصف المملكة. لكن عندنا فالامر مختلف، فالملوك انفسهم من تكلف بمحاربة هذا التنين. وحيث أن للتنين دورا روحيا هاما في مختلف ديانات والثقافات العالم والآسيوية منها على وجه الخصوص، اذ يتم الربط بينه وبين القوى الاساسية للطبيعة والأنهار والآبار وهطول الأمطار وكذلك طول العمر وتناط به الحكمة بل تعتبره أكثر حكمة من بني البشر، فمما لاشك فيه، أن تنيننا المغربي والعربي، يتمتع بطول العمر وبصحة جيدة وربما قد يكون لوجوده الدائم بيننا تأثيرعلى فيضان الأنهار وهطول الأمطار ومخزون مياه الآبار. إنه حكيم وحكمته تتجلى في احترامه للحريات الشخصية. فمن حكمته، التي جعلته يعمر أكثر من حياة ملكين وسبعة عشر عاما من حكم الملك الثالث، أنه يتبع مبدأ، «لا إكراه في التعليم»، «فمن شاء فليتعلم ومن شاء فليتمتع بالأمية» من شاء من الآباء عدم ارسال ابنائه وبناته إلى المدرسة فله كامل الحرية.
إذا كان للولايات المتحدة تمثال الحرية فإننا نحن من صنع هذه الحرية، وتغنى بها شيخ مغنينا عبر الوهاب الدكالي قديما حين انشد: « الحرية، الحرية احنا لي صنعناها، صنعناها في بلادنا». فالحرية عندنا تمشي متبخترة في الشوارع، نراها في رمز التنين، الذي علاماته في كل مكان، في الأطفال الأحرار، الذين لا احد يجبرهم على الذهاب إلى المدرسة. بل نرى أثر نعمة هذه الحرية عندنا على عدد منهم، الذين لهم كل الخيار في النوم في الشوارع. فكيف يعقل في بلد حر مثل بلدنا، بلد المهرجانات والمؤتمرات، بلد كناوة والشيخات والإنجازات، ان يتم الحرص على التعليم الإجباري للأطفال، من شاء فليتعلم ومن شاء فليبقى وفيا لهذا التنين.
في الحكايات الأوروبية رغم أن للتنين أجنحة، إلا أنه غالبا ما يكون متواريا عن العيون في المغارات أو الكهوف تحت الأرض، لكن تنيننا لا يختفي عن العـيون، إنه ظـاهر للعيـان، جـزء من حيـاتنا اليومية، نلقـاه في كـل مـكان وبأشـكال وفي صـور متعـددة.
في الجولة الثالثة التي انطلقت سنة 2002 جند فرسان وأبطال واقيمت مثابات سمعية ومرئية وصرفت مبالغ مالية كبيرة لمحاربة هذا التنين العنيد»الامية»، الذي يجثم بثقل سطوته على التاريخ التعليم المغربي الحديث منذ نصف قرن من الزمن، لتعليم الكتابة والقراءة للبالغين، اناس جاوزوا في معظمهم الاربعين من العمر، فاصبحت لهم الحرية في ان يتعلموا كيف يفكون الكلمات المتقاطعة في المقاهي، ويتهجون في قراءة عناوين البرامج التلفزيونية أو قراءة بعد الأخبار في الجرائد اليومية، وقراءة القرآن، الذي من كثرة ما سمعوه في الاذاعة والتلفزيون والمساجد انهم يحفظون جزءا لا بأس به على الأقل عن ظهر قلب. جميل ان يتعلم هؤلاء الناس الكتابة والقراءة، لكن مجهوداتهم في فك الكلمات المتقاطعة وقراءة البروج لن تحقق نهضة ونمو البلاد المستقبلية المنتظرة.
حين أحست كتابة الدولة المكلفة بمحاربة التنين بقوته، التي لا تكمن في عضلاته ولا في سطوته فقط بل ايضا في انسيابيته ومرونته في استمالة الأجيال الصاعدة إلى الهدر المدرسي ومفارقة الصفوف التعليمية، استعانت بمنظمة اليونسيف في دراسة حول «الانقطاع عن الدراسة في المغرب». فقد أبانت الدراسة عن حصة الأرباح، التي كان من الممكن كسبها في غياب سطوة هذا التنين على ابناء وبنات بلدي.
فاذا كان للتنين شعبية خاصة في الأوساط الصينية حيث كان رمزا للأباطرة بمخالبه الخمسة، فان شعبيته الواسعة عندنا أصبحت كفيلة بأن تجعل من هذا التنين متفهما لوضعية الاسر بمنح الآباء الحرية في، أن يرسلوا ابناءهم وبناتهم إلى تعلم المهن أو يتركوا لهم حرية البحث عن مصادر اخرى شرعية أو غير شرعية للرفع من دخل الأسرة المالي، لكن ليس إلى المدارس الحكومية، لأن تكاليف المدرسة من ادوات وتسجيل وتأمين أصبحت باهظة ولا حاجة بنا للحديث عن تدني مستوى التعليم والمعلمين، الذين عن طريق الدروس الخاصة، فتحوا لأنفسهم سوقا رائجة ومداخيل اضافية. ان في امكان الدولة التخفيض من ميزانيات المصروفات الزائدة مثل المهرجانات الباذخة وتوفير مجانية الأدوات المدرسية للأسر الفقيرة أو على الأقل اعارتهم المقررات المدرسية إلى غاية نهاية السنة ثم يستلمها الأطفال، الذين يأتون من بعدهم مثلما هومعمول به في دول أوروبية.

كاتب من المغرب

التنين الأزلي وحرب الملوك الثلاثة

ادريس الجاي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left