رسالة إلى طيور الرعد

غاندي حنا ناصر

May 17, 2017

من كل ضواحي العمر كنت تحاصرني بأسرك من دون أن تعلم.
كنت تُؤسر هناك وأحترق هنا في هذا الوطن المهجور الا من ساكنيه. يضعون في معصميك الحرتين طوق حديد في حركة ساذجة ليبرهنوا لأنفسهم أنهم قادرون على الفعل فيك وفي وطن أعجزهم دوما بشموخه وتعاليه، وبنظرتك المخترقة لجثة انسان بداخلهم كنت تحوّل سجّانك من قاتل إلى قتيل. في حضرة الأسير، يأخذني شعور مستمر بأن شيئا في داخلي يبحث عن موسم للحصاد علّ هذا الأخير يجتثّ كل سنابل الحرقة والألم التي تنغرس قسرا بداخلي.
في حضرتك سيدي أدرك أن بين الأسير والشهيد مسافة موت مؤجل. الشهيد يعطي عمره للوطن مرة واحدة ويتألم مرة واحدة ثم يزهر؛ أما الأسير فيهدي عمره للوطن في كل لحظة ويزهر بين اللحظة واللحظة مئات المرات. كما جعلتني أدرك أن بينك وبين اعمارنا المهترئة مسافة كرامة، ترتفع أنت بها ونُسحق نحن بها، فكرامتك أسقطت الزيف عن قناعاتنا، فأنت من داخل زنزانتك تحفظ كرامة وطن بأكمله أما نحن فمن داخل بلداننا لسنا قادرين حتى على حفظ صورة الوطن المحتل وندوس على كرامتنا مع كل أسير يُؤسر بلامبالاة سافرة.
أمام قامتك الشامخة دوما كجبل لا يريد ان ينقضّ أسقط خجلا وتتناوب أقدام العدم بالدوس على جسدي الذي هوى في حضرتك.
يعتقد الإسرائيلي – ومن سخف اعتقاده – انه في لحظة الاعتقال يكون قد أمّن نفسه وحقق أحد مبررات اغتصابه للوطن لكنه، ومن دون أن يدري، يثبت في الوقت ذاته خوفه وضعفه وعجزه.
خوفه؛ لأن الاعتقال ما هو الا تعبير عقيم عن الخوف الذي يقوده لسجن من يخيفه علّه يشعر بالأمان المؤقت.
أما عجزه؛ فلأن الاعتقال لن يحقق له أمنا أكثر ولا احتلالا انعم بل ما يفعله هو محاولة عاجزة لكبح الروح الوطنية التي تزيد لهيبا باعتقال أكثر. وأما ضعفه؛ ففي الاعتقال المبالغ والمتواصل والمكثف وغير المبرر دائما، ضعف المحتل غير القادر على تأمين احتلاله !.
أنت، ايها الأسير الشامخ دوما، اظهرت للعالم أن الهولوكوست ماهي الا تعلة يُذل بها الإسرائيلي العالم، فلو تذكّر للحظة صادقا وجه أمه وهي تتلوى في غرف الغاز في اوشفيتيز لتحرر من عقدة القيد والمجزرة.
لكن، لقدر حكيم عليم، فقد الإسرائيلي متانة خداعه للعالم بأسرك.
في غرفة التحقيق؛ يجادل العدو صمتك. يبحث في تفاصيله عن امل حقير ليبلغ عمق القضية المحفوظة بين جلدك ودمك.
يقارع العدو صمتك. يبحث في تفرعاته عن صوت لجبل، يسقط ان تكلم.
عذّب العدو صمتك. يبحث في جسدك عن استحقاق لاغتصابه ويحاول اقتلاع الاجابة منه فيُحرق الجسد عدوّه بصمت أبيّ.
سقط العدو امام الأسير منهكا، سائلا بهدوء اخير: ألن تتكلم؟
وصوت كالرعد شق سمع العدو «اذا نطق الحجر فسأنطق. أنا فلسطيني أقتلك مرتين؛ بصوتي خارج الزنزانة وبصمتي داخلها»
خارج الزنزانة وطن متعب وشعب عربي مُغيّب. داخل الزنزانة كان الجسد يحاصر جسده حتى لا يفقد دفّات الصمت، فجسده هو سور المدينة المقدسة وراحتاه حقول البرتقال الممتدة على ارض يافا وبداخله مواسم الزيتون واللوز العصيّين على زمن الاحتلال وبعينيه حدّة البرق لمّا يخطف بصر الناظر.
في صدره حفر خندقا للزمان حتى تفقد الساعات دقائقها وتعتزل المرور اللئيم على تفاصيل جسده.
عند قدميه يسقط العمر المعد للفرح الرخيص وينطلق عمر “المقاومة”.
في ظلمة أسره يوقد شموعا من جرحه المفتوح، فيعلم الموت كيف يعيش داخل الجرح. تحارب عدوّك بأسلحة هو لا يمتلكها فهو يشحن ترسانته العسكرية بالرصاص وأنت تشحن وجودك بالإرادة. يوهم نفسه أنه سرق حريتك وقيّدك، فقيّدته بصمتك لمّا أراد اقتلاع الاعتراف من جسدك ثم قيّدته بأمعائك الخاوية لمّا أعلنت إضرابك عن طعامه البائس فاستجاب لمطالبك قسرا.
تناضل الحركة الأسيرة امتدادا لحركة الوجود المقاوم خارج السجن فتُعلّم العالم كيف يفتكّ الأسير – وإن باستشهاده داخل الأسر في كثير من أزمان الإضراب عن الطعام أو التعذيب أو سوء الحال – حرّيته من بين أنياب عدوّه، تاركا خلفه وجعا ينتحر.
يمتلك الأسير الفلسطيني ما لا يمتلكه أسرى الحروب في كل دول العالم عبر التاريخ:
عزّة في قيده ونظرة تكسر عدوّه ومعصمين يستفزّان السجّان وقامة شامخة لم تنبغ لغير الأسير الفلسطيني.
في لحظة تحرّرك نسرق العمر زهرا لنتزيّن به يوم نلقاك.
في لحظة تحرّرك نخطف من البرق لمعة لتدمع محبة من مآقينا.
في لحظة تحرّرك سنهديك إخلاصا بعمق قاع لا ينتهي.
وإن غدا لناظره قريب ….. وإنني لأرى شمس الحرية قاب قوسين أو أدنى … لكم الشمس لكم القدس … ولكم النصر وساحات فلسطين.

كاتب فلسطيني

رسالة إلى طيور الرعد

غاندي حنا ناصر

- -

10 تعليقات

  1. السلام عليكم
    تحية خاصة ومخلصة أزفها إليك الأستاذ(غاندي حنا ناصر)من الجزائر بلد الشهداء إليك عبر منفاك إلى فلسطين الحبيبة وإلى شعبها الذي إختار المقاومة على الإستسلام رغم كل المغريات والمشتهيات التي تحيط به …
    إختار مجابهة العدو بالصدر العري ليواجه البندقية الخرساء التي في زند لص لا يعرف للإنسانية محل من الحياة الوجودية وكل إعتقاده راحته في إبادة غيره
    إختار الوطن على شوارع باريس وبرلين ونيويورك وغيرها حبّا في أزقة يافا وحيفا وصلاة في القدس وغيرها من ما جادت به أرض فلسطين
    إختار الجوع بكل صنوفه وأنواعه تمسكا بأرض أجداده على طيب العيش في غيرها
    إختار السجن على الحرية المزعزمة في ظل الإحتلال وباركها بإنتفاضة مباركة وسمّاها(حرب الأمعاء الخاوية)ليزيد من تشتت فكر المحتل ويجعله يراوح مكانه ويحبسه عن الحركة ليفقد توازه السياسي والإقتصادي ويتهلل نسيجه الإجتماعي وكل ذلك من عمل الأبطال من وراء قضبان السجون…فكان إطلاق سراحهم معضلة وإبقائهم مشكلة وغصة…هذا أسلوب الفلسطيني في محاربة العدو الصهيوني ..فهل من مناصر خارج الأسوار من حكّام أمتنا ملوك ورؤساء؟؟؟عفوا أسقط الجملة السابقة من التعليق وأستبدلها بما يلي:(هل من هبّة شعبية من أبناء الشعوب العربية والإسلامية والمسيحية لنجدة فلسطين وفك الحصار عن جندها المسجونين؟؟؟ …هل من مجيب؟؟؟هل من مجيب؟؟؟هل من مجيب؟؟؟هل من مجيب؟؟؟
    ولله في خلقه شؤون
    وسبحان الله

  2. أخي غاندي حنا ناصر تحية لك على هذا الإبداع في الكتابة. بالفعل أنت تسطر معاني عميقة خلف كل جملة في النص كأنها أبيات شعرية مليئة بالمعاني. وكان الله في عون هؤلاء الأسرى الأبطال وإن شاء الله سيكون حليفهم النصر ويتكشف العالم خداع الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني. ولك مني خالص تحياتي.

  3. اخي غاندي !!
    لقد ا ذهلتني …ككل مرة اقرءك يا ابن يافا , يا ابن امي التي لم تلدك , لا الغربة انستك حليب امك ولا التهجير منعك من مواصلة محبتها , فعبارات الشوق وجُمَلْ الحنين استنفذتها كلها , ولم تٌبقي لنا نحن الملوعين زاداً به للتعبير نستعين؟!
    ان طيور الرعد كوصفك , لا تنقرض بتقادم السنين , ولا تندثر قضية لشعب عشيقتهم فلسطين !!
    لقد حَيَّر صمتكم جبروت الجلادين…وكبل صومكم ارادة المستعمرين , لقد دافعتم عن حقكم دفاع المستميتين بالحجر… والسكين ..بالامعاء الخاوية …حتى بات عدوكم واصدقاء عدوكم بترسانة حقدهم يتراجعون , وبقرارات قبحهم يندمون ؟!! نعم انهم طيور الرعد…انهم الفلسطينيون!!
    دعني اخي غاندي ابجلك واطري لك واصنفك انك من فصيلة طيور الرعد , وانك لا تقل عن اي سجينٍ او اسير , كلنا اخي مساجين !! فانت سجينٌ في عالمك المفتوح وهم احرار في سجنهم المغلوق !! جُلَ ما نتمناه هو الرجوع …هو العودة وفي جعبتنا مفاتيح زنزانات اسرانا لننعم ساعتها جميعاً بنصر الاقامة والعيش في وطننا آمنين والسلام

  4. يا الله رسالة تقطر بكل أحاسيس الجسد و الروح … ثم لست قادرة أن أضيف.

  5. اصوات السلاسل وبرودة الجدران وظلمة السجن ووحشة العزل الانفرادي وامراض قاتلة لا تعالج الا بحبة مسكن ان وجدت اصلا يضاف الى هذا امعاء خاوية، عوامل توحي عادة باستسلام النفس البشرية وخضوعها للسجان، لكن هؤلاء الابطال قلبوا المعادلة بعزيمة راسخة مثل الجبال وارادة راسخة جعلت قضبان السجن تنحني مع السجان. من يسجن من؟ تلك هي المسألة؟ اعتقد ان القضبان وحبال المشانق بدأت تلتف حول السجان نفسه الذي بدأ يحاصر نفسه في كل مكان، وبدا منبوذا في كل مكان. جدران عازلة تحيط بالكيان من كل مكان، قضبان عازلة خوفا من الاحرار، الرعب ينتشر في الكيان من القادم. البركان يغلي، ساعة الصفر بدأت تقترب. ان سجننا خلوة لله وحريتنا سا
    سياحة في ارض الله وصدورنا مليئة بكلام الله، هكذا قالها اسلافنا، فهل يهزم يوما من حمل هذا الفكر وهذه العقيدة؟ ومن بعدهم رددها عمر المختار قائلا: ان عمري سيكون اطول من عمر شانقي. شكرا لك يا غاندي على هذه المشاعر الجياشة.. كم تفتقدك يافا وفلسطين يا غاندي، انا اسمعها تناديك. دمت حرا.

  6. أخي الحبيب بولنوار قويدر لشخصكم الكريم والشعب الجزائر الأبي العظيم والتراب الجزائر المفدى كل تحيه حب وتقدير, بهمتكم وبموقف عربي مشرف من المحيط غلى الخليج وبمؤازره كل شرفاء وأحرار العالم لنعري هذا الكيان الغاصب لنجرده من إنسانيته التي يدعيها لنخرج بموقف عربي مشرف وجاد .. لكسر هذا القيد ونضمض هذا الجرح النازف . اشكركم من أعماق قلبي على موقفكم وروحكم المقاومه

    ———–
    إبن النكبه العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

  7. أخي الحبيب أسامة كليَّة سوريا/المانيا .لاحياه مع اليأس ولا ياس مع الحياه هذا دربنا وهذا طريقنا وهذ درب عودتنا, يرونها بعيده ونراها قريبه , وإيماناً منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم, سسنكسر قيدنا ونضمض الجرح بالملح وسنتسصر إراده هؤلاء الثوار على عقيده هذا السجان النازي القائمه على الأستعلاء والألغاء . وللحريه الحمراء باب ,بكل يد مدرجه يدق .. لكم حبي وتقديري .

    ————–
    إبن النكبه العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

  8. أخي الحبيب رؤوف .. لا يا اخي تطريني ولاتبجلني . كلنا مطالبون بموقف موحد صادق في فلسطين التاريخيه والجؤ والشتات وكل أماكن توجدنا لنطرق جدران الخزان نعلو بخلافاتنا ومذاهبنا وأفكارنا ونرتقي بقضيتنا و بهؤلاء الصامدون خلف القضبان لا شيء لديهم إلا إرادتهم . نستطيع أن نعمل كل شيء .. ونقول لهذا السجان النازي الهتلري . أنا قد كسرت قيد قيد مذلتي وسحقت جلادي وصانع نكبتي ونسفت سجني وأنطلقت عواصفآ لهبآ أزمجر تحت رايه عودتي .. لشخكم الكريم كل الأحترام والتقدير لن ننسى لن نصالح لن نهادن إننا عائدون لا محاله مهاما طل ليلهم الفجر ليس منا ببعيد . أخوكم غاندي حنا ناصر

    ————-
    إبن النكبه العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

  9. أخيتي العزيزه نسيمه حره -الجزائر :: إيماناً منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج، وإيماناً منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم؛ فإننا على درب حريتنا سائرون لن يثنينا ولن يرهبنا لا السجن ولا السجان ماضون حيث الحريه والنور والشمس ,ان أعاهدك وأعدك إنشاء الله سترفعين بيديك علم فلسطين وعلم الجزائر المفدي على أسوار القدس … لن نركع – حتى عظامنا في القبور سنحولها إلى بنادق وخنادق لتمر على جسر عودتنا حرائر شعبنا وأمتنا العربيه من المحيط إلى الخليج وبمؤازره كل احرار وشرفاء العالم .. دمت حره ودام الجزائر وطنآ حرآ ابيآ جامعآ وأيقونه كل احرر وثوار الأرض في معارك النضال والتحرير .. تحيا الجزائر

    ————–
    إبن النكبه العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

  10. أخي الحبيب الدكتور رياض تحيه من أعماق قلبي :اتكالاً منا على الله، وإيماناً منا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد حريته ووطنه المغتصب، وإيماناً منا بواجب النضال المقدس، وإيماناً منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج، وإيماناً منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم أننا كفلسطينيون في فلسطين التاريخيه والشتات وكل أماكن الجؤ لنعلوا فوق خلافاتنا وإختلافاتنا وافكارنا ومذاهبنا وأحزابنا وفصائلنا كل واحد مننا مطالب بلعمل العاجل في محيطه قدر استطاعته لا الكلام ولا الخطابات ولا التمجيد يجدي مطلوب موقف فلسطيني موحد داخل القضبان تدورمعركه الكرامه والأمعاء الخاويه وفي الخارج مفروض معركه إعلاميه جميع الصعده أنتم في أروبا مطالبون بأكثر من ذالك سفارات فلسطين ومكاتب وممثليات منظمه التحرير مطالبه بأكثر من ذالك . أقول لكم أنا قد كسرت القيد قيد مذلتي وسحقت جلادي وصانع نكبتي ونسفت سجني وانطلقت عوصفآ لهبآ أزمجر تحت رايه ثورتي …عشتم وعاشت فلسطين والحريه لطيور الرعد….. أخوكم غاندي حنا ناصر .

    —————-
    إبن النكبه العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left