التشكيليون العرب عاجزون عن تجاوز الوافد من التيارات الفنية الغربية

الناقد المغربي إبراهيم الحَيْسن: المرور من الحداثة إلى المعاصرة قام على تحولات غير مسبوقة

May 17, 2017

الرباط ـ «القدس العربي» من عبد اللطيف الوراري: يناقش الفنان والناقد التشكيلي إبراهيم الحَيْسن قضايا عديدة تتعلق بالحداثة الفنية والمعاصرة، ويستقرئ عتبات المرور من الفن الحديث إلى الفن المعاصر، مع ما رافق ذلك من تحوُّلات سياسية واقتصادية واجتماعية، كان لها التأثير الواضح على مسار الإبداع التشكيلي العالمي. مثلما يناقش موضوع سخرية الفن من السياسة وعلاقة الخطاب النقدي بالفنون الطارئة، إلى جانب قضايا أخرى تتصل بالجسد والعُري في الفن التشكيلي وبموت الفن ونهايته. هنا نص الحوار الذي أجرته «القدس العربي» مع الناقد المغربي..

■ يربط كثير من النقاد الفن الحديث بأفول الفن الكلاسيكي وانمحاء القيم والمعايير الجمالية المتوارثة عنه منذ قرون. ماذا عن هذا الفن؟ وما هي السياقات الإبداعية التي أفرزته وقعَّدت لظهوره؟
□ ارتبط الفن الحديث بمفهوم الحرية، وهو من أهم خصائصه إلى جانب التنكر للواقع والإبقاء على ذاتية الفنان والتركيز على خبراته وتجاربه الإنسانية والإبداعية، كغاية للتعبير الفني والجمالي. من حيث التكنيك، نأى الفن الحديث عن التقاليد التقنية المقيِّدة فاتحا المجال بذلك لظهور قيم تعبيرية جديدة في اللون والشكل والتوليف والتمرُّد على القواعد والنظم المتوارثة عن العصور الكلاسيكية، وعن عصر النهضة (الرونيسانس) بالتحديد. أما الثيمة، فلم تعد وظيفة الفن في العصر الحديث هي التعبير عن غرض ديني أو أخلاقي، قدر ما حلَّ التجريد محلَّ السَّرد وتمجيد الأساطير، وانفتح الفنانون على حوامل وخامات جديدة ومتنوِّعة، مكنتهم من الاقتراب من الفن الزماني، وتجاهل الموضوع والبحث عن صيغ مغايرة لتجاوز الواقع والوقوف ضدَّه أحيانا. بفضل ذلك، صار بإمكان الفن الحديث مواكبة التطوُّرات التي شهدها القرن العشرون، في مرحلة حسَّاسة جسَّدت بداية التحوُّل وظهور إرهاصات جديدة، لا تكترث بقواعد الرسم الأكاديمي وظهور لوحات وتصاوير كان لها مفعول الصدمة، أبرزها لوحة كلود مونيه «غذاء على العشب»، التي تظل أبرز تصوير صباغي نفذه المصوِّر إدوارد مانيه وعرضه سنة 1863. تسبَّبت هذه اللوحة في حدوث ضجّة كبرى في فرنسا، إذ تمثل شخصين جالسين في الغابة بلباسهما العادي يتحدثان، وبرفقتهما امرأة عارية، إلى جانب أخرى تظهر في عمق اللوحة وهي خارجة من حمام السباحة القريب. تعرّضت هذه اللوحة لوابل من السخط والاستنكار، إضافة إلى رسم لوحته الشهيرة «أولمبيا» التي فتحت المجال واسعا لظهور أعمال وقطع فنية أخرى كثيرة مستوحاة من الأعراف الإغريقية ذات العلاقة بالعُري الأيقوني. زد على ذلك تنظيم «معرض الفنانين المرفوضين» الذي أحدث بمبادرة من نابليون الثالث، وقد مثل لحظة فارقة في انبجاس الفن الحديث، أعقبه «صالون الفنانين المستقلين» الذي عرض فيه فنانون مرموقون، يوجد من بينهم بابلو بيكاسو وهنري ماتيس.
ومنذ النصف الأول من القرن العشرين (1900- 1945)، وهي فترة اضطرابات وهزَّات غير مسبوقة في أوروبا، ظهرت في الأفق تغييرات جذرية في الفنون ألقت بظلامها على الفن بعد أن تضاعف تمرُّد الفنانين على مختلف الصيغ والأشكال المألوفة في التعبير الفني..
■ كيف عبر الفن من الحداثة إلى المعاصرة، أي من فن النخبة إلى الفن الجماهيري؟
□ تطلب المرور من الحداثة إلى المعاصرة في الفن مراحل عديدة أفرزتها تحوُّلات وهزَّات غير مسبوقة في أوروبا شملت الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جعلت الفن يتجاوز التعبيرات المتوارثة عن العصور الكلاسيكية، مرورا بهدم الموضوع وإدماج الفضاء والجسد في العملية الإبداعية وظهور إستتيقا جديدة قائمة على الصدمة والاحتفالية والاستعراض (برفورمانس). هكذا، وبعد أن ظل الفن الحديث يشكل لردح من الزمن فن النخبة بامتياز، وفيّا للنظم والقواعد التقليدية في الرسم والتصوير والنحت ورَبْطِ الفنان بالمتلقي مع الارتكاز على المسرودات، التي تبرِّر وجود الفن وتدافع عن مشروعيته، أضحى هذا الأخير تفاعليّا متصلا بالجماهير وربط منتج الفن بالمستهلك وتذويب الفوارق بين الاتجاهات الفنية وردمها. من ثمَّ صار الفن المعاصر أسيرا لسطوة رأس المال، التي فرضت واقعا جديدا وسلطة جديدة في الفن، قائمة على تناسل الأروقة والغاليرهات وتكاثر الجمَّاعين والوسطاء، والانصياع للثورة التقنية بمختلف تأثيراتها على الفن، كما انتبه إلى ذلك الفيلسوف الألماني والتر بنيامين.
في هذا الإطار، سبق لبنيامين أن تساءل عن مصير الفن في المجتمعات الغربية، وأكد على أن الوسائل التقنية والتجارية المعاصرة، قد تؤثر سلبا على العمل الفني، بشكل يترتب عنه تدهور وانحطاط العمل الفني وتلاشي أصالته وحقيقته، لاسيما عندما يخضع هذا العمل لمنطق السوق والربح والاستهلاك، مثلما أكد أيضا على أن العمل الفني ينبغي أن يكون متميِّزا ومنفردا وأصيلا. فهو عندما تَنَبَّأَ بأثر التكنولوجيا على الفن، ودور وسائط الاتصال في تغيير الطابع التفرُّدي للفن، كان على حدس كبير بمعرفة درجة تأثير الوسائط التكنولوجية الحديثة على رؤية الفنان وتفكيره تجاه الفن، ودفعه إلى إعادة النظر في أشكاله الفنية، وله دراسة صادرة منذ سنة 1955 موسومة بـ»العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيا».
■ خلال السنة الماضية نظم اتحاد الفنانين التشكيليين في جنوب المغرب الذي كنت ترأسه ندوة تخصصية تمحورت حول موضوع «النقد التشكيلي وفنون ما بعد الحداثة» بمشاركة وازنة لنقاد عرب ومغاربة، بمناسبة صالون أغادير الثالث للفن المعاصر. كيف قارب النقاد المشاركون التعبيرات الفنية الجديدة والطارئة التي أمست تسم الإبداع التشكيلي في العالم؟
□ معلوم أن النقد الفني ارتبط في بداية ظهوره منذ الحضارات القديمة بالرعاية وبالممارسة الفنية داخل متاحف الفن، قبل أن يرتبط بالكتابة والتنظير داخل مؤسسات البحث العلمي والكليات والمعاهد الأكاديمية للفن، وتمَّ تداوله على نحو واسع بين النقاد منذ منتصف القرن العشرين. كما سعى النقد كثيرا لمواكبة مسارات الحركات الإبداعية التشكيلية في العالم، وتمايزت النظريات والمقاربات خارج إسار التجارب الشخصية بغرض زيادة فهم وتقدير الفن، وإبراز دوره في المجتمع، بتحديد المصادر والأصول والنهل من  تاريخ الفن وتاريخ النقد وعلم الجمال، وما تخلفه الأحداث الفنية من تبدُّلات في الصيغة والمنهج والتكنيك، إلى غير ذلك من الأساليب والمفاهيم التي أضحت خاضعة لشروط طارئة تفوت كثيرا العملية الإبداعية وتتجاوزها في عديد من الأحيان.
لقد أضحى هذا النقد لصيقا بمختلف التحوُّلات السوسيو- اقتصادية والسياسية والأيديولوجية التي تأثر بها الإبداع التشكيلي منذ منتصف القرن الماضي، خصوصا في ظل بزوغ ثورة معرفية واسعة في مجال المعلوميات وتكنولوجيا الاتصالات التي ساهمت كثيرا في مرور الفن من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وانتقال الفنان إلى مســتوى جديد من الخلق والابتكار، لتجذير الفن داخل بنية المجتمع، بمعايير جمالية مغايرة، تقوم في الأساس على الفضاء والزمن، والضوء والصوت، والجسد الحي واللاموضوع واللاشيء.. إلى غير ذلك من المفاهيم التجريدية والتطبيقات الجديدة الإنشائية والتوليفية التي جعلت الخطاب نحو الفن التشكيلي يعيش مفصليا، لكن بأفكار ورؤى إستتيقية جديدة تروم فتح الحدود بين الفنون، علــــى حدِّ تعبير م. سولير، بإشراك الجمهور وتحرير الفن من سطوة صالات العرض الخاصة والمتاحف المغلقة. وقد هدفت ندوة أغادير من خلال الأوراق البحثية المقدَّمة، إلى مقاربة المسعى النقدي الجديد في الثقافة البصرية بموازاة مع تيارات ما بعد الحداثة ومدارسها التي توالدت وتطوَّرت باستمرار، لاسيما في ظـــــل المرحلة الأخــــــيرة للرأسمالية العالمية (الليبرالية الجديدة) وظهور مدارس وتيارات فنية عديدة خلخلت الخطاب النقدي القديم، وجعلت الكثير من أساطين النقــــد التشكيلي الكلاسيكي يقفون حائرين أمام تدفق النـــتاج التشكيلي المنتمي للفن المعاصر.
■ وكيف تحدَّث النقاد عن «موت الفن»، أو نهايته؟
□ أعتقد بأن تعبير «موت الفن» ينطوي على نوع من اللبس وينبغي التعامل معه بحذر، لأن الفن كيفما كانت تجلياته وأنماطه يظل موجودا بوجود الإنسان وحياته، والعكس صحيح. وعندما استعمل بعض نقاد الفن هذا التعبير، إنما من باب حديثهم عن وقوع بعض الأزمات والتبدُّلات الطارئة التي تشل حركة الفن أحيانا، أو تتسبب في تأخيره وتعطيله. من بين هؤلاء النقاد، يُمكن أن نذكر الألماني المعاصر هانس بلتينغ، أحد المتخصصين في أنثروبولوجيا الفن، الذي اعتبر أن نهاية الفن هي فقط بداية نهاية تاريخ الفن نفسه، مبرزا كون الفن كما يبدو اليوم في عصر الفنون البصرية والعروض والمنشآت مجرَّد تصميم مفتوح وتعدُّدي يسمح باحتضان واستعادة ما صار فنّا معاصرا. وفي بعض أبحاثه ودراساته ألح على العودة بالتاريخ إلى المصنفات، وربط مفهوم «تاريخ الفن» بتاريخه الفعلي، أي الاختصاص الذي يُدَوِّن ويصف هذا التاريخ. ونهاية تاريخ الفن بالنسبة للاختصاص – كما يقول- هي نهاية موضوعه، بل النهاية الممكنة لتصوُّر وحيد وقار لحدوث الفن. في هذا السياق، نجد بلتينغ يعترف بأنه لا يُمكن التحدُّث سوى من موقع مورِّخي الفن، وأن تشكيل أفكار عن نهاية تاريخ الفن لا يعني بالضرورة التنبُّؤ بنهاية البحث في الفن.
■ عربيا، إلى أي حدّ انخرط التشكيليون في الحداثة والمعاصرة في الفن؟
□ للأسف الشديد، لا يزال العديد من التشكيليين العرب عاجزين عن تجاوز الوافد من التيارات الفنية الغربية، المنبثقة عن فن أوروبي تمرّد على تراثه التقليدي الذي ساد لأكثر من أربعة قرون. وبالنتيجة، فقد تحوّل المنجز التشكيلي العربي المعاصر عموما، إلى خواء تشكيلي، وإلى فن مبتذل ذي مراجع ممزقة، وإلى منتوج مغلف بالخوف والتردّد وعدم الثقة في النفس، مع وجود استثناءات إبداعية قليلة تعدّ على أصابع اليد الواحدة. مشكلة الإبداع التشكيلي العربي المعاصر هي أنه لا يزال محكوما بنسقية عبثية، مبنية على هوية ضيِّقة متشظية وأصالة منقطعة، والسبب في ذلك أن العديد من التشكيليين العرب المعاصرين يقفون ضَد مخزونهم الجمعي وتاريخهم المشترك. كما أنهم – في الآن نفسه- يجعلون من التعامل مع المعاصرة صورة استعراضية (فلكلورية بمعنى أصح) توهمهم بالانتماء إلى الآخر.. إلى فن الآخر. فأوصلهم هذا الوهم إلى «تجسيد» أفكار فارغة على حساب الفن وتقنياته وإلى «التحرُّر» من القيود الاجتماعية والثقافية والسياسية. وعلى الرَّغم من الاجتهادات الحاصلة في مجال التأصيل والتحديث في الوطن العربي، فقد ظل المنجز التشكيلي العربي في شموليته مقيَّدا بصورة مأزومة، لأسباب تتصل بالوضع الإبداعي المحلي وهشاشة البنيات الثقافية التحتية، فضلا عن تراجع الخطاب النقدي وقلة الدعم والرعاية وضعف الدرس الجمالي، في جل المدارس العربية. في ضوء ذلك، أضحى الفنان التشكيلي العربي تائها ومشدودا نحو البحث عن منافذ «سهلة» لولوج العالمية من أوسع الأبواب، بالقفز على المراحل وحرقها، بدون تحقيق تراكمات إبداعية كفيلة بمنحه هذه الإمكانية، وانتزاع الشرعية الدولية بجدارة واستحقاق إبداعيين.
سبق لك في كتاب «الجمالية والإيديولوجيا»، أن تطرَّقت فيه إلى العلاقة المتشابكة بين الفن والسياسة. ماذا عن هذه العلاقة؟ وإلى أي مدى نجح الفنانون التشكيليون في السخر من رجال السياسة وممارسيها؟
في الفن التشكيلي وعبر تاريخه العريق ثمة أعمال تصويرية ونحتية كثيرة جسَّدت موقف الفن من السياسة، من ضمنها، مثالا لا حصرا، العمل الذي أنجزه مايكل أنجلو بعنوان «دافيد»، وذلك بطلب من مدينة فلورانسا لغرض سياسي صرف هو الاحتفال بطرد حكام ميديشي Medici الطغاة، وأيضا لوحة «موت مارات» للفنان جاك لويس دافيد التي تجسد اغتيال اليساري الثوري خلال الثورة الفرنسية على يَدِ أحد أعداء الثورة. هذه الثورة التي حملت أفكار ومبادئ العدالة والحرية والديمقراطية وهبَّت منها رياح التحرُّر القومي.كما أن الرسام الإسباني فرانسيسكو غويا رسم مشاهد «الإعدامات» التي حدثت في الحرب الأهلية بإسبانيا، وأنجز عملا معبِّرا أسماه «الثالث من مايو 1808» صوَّر من خلاله إعدام المتمرِّدين الفلاحين الإسبان بسلاح جيش نابليون المحتل.
زد على ذلك لوحة «الحرية تقود الشعب» للرسام الرومانتيكي أوجين دولاكرو التي تمثل الثورة الفرنسية لعام 1830، وقد تَمَّ استلهامها من خلال مشاركة الفنان في هذه الثورة محمولا على أكتاف المتظاهرين وعمره لم يكن آنذاك يتجاوز الثانية والثلاثين حولا. وأيضا التصوير الصباغي الذي أنجزه التكعيبي الإسباني بابلو بيكاسو والمتمثل في لوحة «غرنيكا» Guernica سنة 1937 التي تحوَّلت إلى فيلم سينمائي أخرجه آلانرينيه عام 1950.
وفي روسيا، اهتمت الثورة الشيوعية بالنصب والأعمال النحتية الصرحية وباللوحات الدعائية، لكنها حاربت الفنانين الأحرار الرافضين للانخراط في هذه الثورة، منهم: ألكسندر كراسموف، ورود شنكو. وقد سجلت السنوات الأولى للثورة أعمالا فنية ألهمتها مقولات الثورة البولشفية منها: العدالة، المساواة، الحرية، الرفاء، بناء العالم الجديد، وأهم هذه اللوحات: لوحة «وصول طلائع الجيش الأحمر إلى كراسنويارساك» (1923) للفنان نيكونف. إلى جانب إبداعات مماثلة كثيرة من إبداع فنانين تقدُّميين مرموقين كماليفيتش وتاتلين والنحات زادكين صاحب «تمثال السلام». بخلاف إيطاليا التي حاول فيها موسيليني استقطاب بعض فناني المستقبيلية الذين أصبحوا موالين للنظام الفاشي، وضمَّنوا أحد بياناتهم التي صاغوها سنة 1909 العبارة التالية: «إن الحرب هي العلاج الوحيد للعالم»!!
نضيف إلى ما تقدَّم، مجموعة من التعبيرات الجمالية/ المسخية التي تنتمي للفن السيرياليوالدادائي أبرزها لسلفادور دالي، فرانسيس بيكابيا، جورج غروس ومارك شاغال الذي رسم لوحة «الثورة». إلا أن الفنان الفرنسي أورونييهدومييه Daumier يظل متميِّزا بمنحوتاته وتصاويره الساخرة وقد صنفه قاموس أوكسفورد حول الفن التشكيلي- 1997 على رأس فناني السخرية والكاريكاتير خلال القرن التاسع عشر.
بلغت سخرية الفن من السياسة ذروتها مع ظهور فناني المدرسة الدادائيةبقيادة الشاعر تريستان تزارا، الذين داسوا جميع القيم الاجتماعية والأخلاقية والسياسية متحجِّجين بأنها عديمة الجدوى وغير أكيدة النفع ومحكوم عليها بالفناء والزوال. قامت جلُّ إبداعات فناني الدادائية على ما يُعرف بالرادي ماد Ready made، وهي مجسَّمات مصنَّعة وأشياء جاهزة يُعاد تشكيلها (التدوير)، أبرزها أعمال الفنان مارسيل دوشامب، منها الـمِـبْولَة Urinoir المسمَّاة «نافورة» والمصنوعة من الخزف الأبيض، وقد مثلت ثورة على القيم والأذواق البورجوازية السائدة في أوروبا آنذاك، والتي أرسلها دوشامب في عام 1917 باسم رمزي هو ريتشارد مت R. Mutt للمشاركة في المعرض الفني الأول الذي نظمته جمعية الفنانين المستقلين بنيويورك خلال نفس العام، لكن لجنة الانتقاء رفضتها وكان دوشامب أحد أعضائها!!
في سياق إبداعي آخر، طرح الجسد والعُري إشكالات كبيرة ومعقدة في تعاطي الرسامين والنحاتين لهذا الموضوع. هل لا يزال هذا الموضوع يمثل طابوها تفرضه مؤسسات وسُلط اجتماعية ودينية وسياسية معينة؟
رغم أن رسم «الجسد العاري» ازدهر في أوروبا منذ العقود الأولى من القرن الخامس عشر، فقد اعترضت عديد من الفنانين يُوجد من بينهم مايكل أنجلو، رافائيل، دافنشيوبوتشيللي الكثير من الطقوس المتروكة والأعراف المتوارثة التي صادرت تصوير ونحت الجسد، وتعرَّض فنانون آخرون لهجوم الكنيسة الكاثوليكية خلال القرن التاسع عشر إبَّان الفترة الفيكتورية التي ساد فيها مناخ العفة الرسمي والمعايير الأخلاقية العالية، منهم الفنان جان أوغست دومينيك آنغر الذي اهتم كثيرا برسم النساء التركيات.
غير أن سنة 1863 ستشكل منعطفا فارقا في تاريخ رسم ونحت الأجساد العارية -كما أسلفنا الذكر-، حيث سيتمرَّد الفنان الانطباعي إدوارد مانيه علىهذه الأعراف عندما رسم لوحته الشهيرة «أولمبيا» التي فتحت المجال واسعالظهورأعمال وقطع فنية أخرى كثيرة مستوحاة من التقاليد الإغريقية ذات الصلة بالعُري، ومنها لوحة «المستحمات» لبول سيزان، وأجساد غوستاف كليمت المطروزة بالتوشيات والزخارف الدقيقة التي جعلت من لوحاته مشاهد إيروسية (جنسية) وصوَّرا مفعمة بالزينة المزركشة، كما في لوحات «القبلة»، «الحقيقة العارية»..إلخ. وأيضا فتيات إيف كلاين الملطّخات بالطلاء الأزرق، ثم الفنان النمساوي إيغونشييل الذي يُبدع لوحات ملأى بالمشاهد الجنسية: رجال عُراة بجانب نساء عاريات يختلفن في البنية الجسمانية عن نساء فرناندو بوتيرو المكتنزات وذات الهيئات البالونية الموسومة بنوع من النرجيسية الطفولية، فضلا عن الأعمال الفوتوغرافية العديدة لفنان الدادائية مان راي التي تثير التقزّز والاشمئزاز، بخلاف فوتوغرافيات الفنانة الإيرانية المعاصرة شادي غديريان التي تُبرز نساء عاريات قابعات خلف الحجب..
مع الإشارة كذلك إلى أعمال الفنان الفوتوغرافي الياباني نابويوشي أراكي Nabuyoshi Araki التي تجسِّد مشاهد غير معتادة، حيث يلجأ إلى قلب الأعضاء المصوَّرة داخل السند بشكل مثير للانتباه، وعلى الخصوص الأعضاء الحساسة في جسد المرأة، كالفتحة والنهدين وغير ذلك من الأعضاء التي يقدِّمها متشظية..ممزَّقة كثيرا ما أثارت حفيظة السلطة وأجهزة المراقبة ببلاده، وأيضا أعمال الفنانة النمساوية فالي إكسبور Valie Export التي يمتزج فيها الجنس بالعنف.
لقد مَجَّدَ الرسم والنحت منذ القديم الأشكال الجسدية، وأمسى الجسد العاري مظهرا شهوانيا يُعَبِّر عن انخراط العديد من الفنانين ضمن العُريية كنزعةٍ فنية قديمة/ جديدة تعود أصولها الأكاديمية الأولى إلى المراسم والمحترفات الغربية التي كانت تولي اهتماما بالغا للموديل العاري الذي يعود إلى عصر النهضة الأوروبية، وفي إيطاليا بالتحديد، حيث شاع هذا النوع من الرسم..
في التجربة الفنية العربية الإسلامية، ظل التعاطي لرسم ونحت الجسد العاري خجولا ومحتشما واصطدم مع معضلة «الإنكار الديني» للتصوير والتجسيد التي تفاقمت في ظلّ سُلطة فقهية متزمِّتة عَدَّت الفن التشبيهي اختراقا للمؤسسة الدينية والأخلاقية. وقد ازداد هذا العداء الشديد للصورة في الفن العربي الإسلامي وتضاعف مع ظهور إيديولوجيا معادية لمستشرقين ربطوا طروحاتهم بتأويلات خاطئة لنصوص دينية ناقصة تَعتبر المصوّر شيطانا تجب معاقبته يوم الآخرة!!

التشكيليون العرب عاجزون عن تجاوز الوافد من التيارات الفنية الغربية
الناقد المغربي إبراهيم الحَيْسن: المرور من الحداثة إلى المعاصرة قام على تحولات غير مسبوقة
- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left