فيلم لإليان الراهب يترصد «هيكل» الذي يبني الحياة حجراً حجراً

«ميل يا غزيل» نموذج للمواطنة القلقة والراسخة في آن

زهرة مرعي

May 17, 2017

بيروت – «القدس العربي»: في مرتفعات عكار، شمال لبنان، وفي منطقة «الشمبوق»، التي تبعد عن سوريا كيلومترات قليلة، استقر هيكل، المزارع المسيحي الستيني. هي بقعة جغرافية تتقاطع فيها الحدود والطوائف والطبقات الاجتماعية، وفيها بنى هيكل مزرعة ومطعماً وبيتاً بيديه اللتين لا تملّان العمل. «ميّل يا غزيّل» فيلم يروي قصة نضال هيكل للبقاء في أرضه، رغم التوترات الطائفية والسياسية، وكساد المواسم الزراعية، والخوف من الهجرة.
«ميِل يا غزيل» فيلم روائي للمخرجة إليان الراهب يُعرض في سينما «متروبوليس صوفيل» من 11 إلى 24 الشهر الجاري. شريط يشبه السمفونية، لو لم يدخله واقع اشتباك الأديان في لبنان، ومشاعر الاقتلاع التي يعيشها المسيحيون نتيجة بيع بعضهم لأرضه والتي يشتريها مسلمون. جالت الراهب مع بطل فيلمها في الجغرافيا، التاريخ، الحرب الأهلية، الكسّارات، المحميات الجميلة، كما شجر العزر، وفي الشخصي والمؤثر في حياته. سُمع صوته ولم يظهر انكساره لدى بلوغه مراحل القهر المتمثلة بهجرة زوجته باربرا ومعها أولادهما الأربعة في غفلة منه، وحين هدم حكم قضائي مزرعته. بقي هيكل شامخاً كما الأرض، وطموحاً كما الشباب. رصد الفيلم تفاصيل من حياته بين صيف، ربيع وشتاء بما فيها الثلج. وحفل الشريط بمحطات طريفة جاءت عفو الخاطر من المخرجة، التي واظبت على طرح الأسئلة، في حين واظبت الكاميرا على نقل مشاهد جميلة جعلت من الفيلم في مطارح عديدة رومنسياً خاصة في محمية شجر العزر.
نجحت الراهب في تصوير بطل فيلمها في الظروف والأحوال كافة، وبدا على الدوام مقبلاً على النهل من الحياة، دون كلل، رغم قساوة الحياة حيث هو. هيكل الذي شارك في الحرب الأهلية المسماة حرب السنتين ووصفها «بلا طعمة»، وعندما سألته الراهب: برأيك خلصت الحرب؟ قال: مطولين؟ وفي كل الحالات هيكل شخصية تستحق الاهتمام، والمسار، الذي رسمته المخرجة بأن يكون ذا صلة بجيوبوليتك المنطقة، التي يعيش فيها جعل من الشريط نموذجاً لبنانياً وليس خاصاً فقط بعكار.
يغادر المتلقي صالة العرض وإعجابه مُطلق بهيكل. وكذلك يسأل نفسه إن كان يحتاجه كرمز للتمسك بالأرض؟ وفي كلا الحالتين تقول إليان الراهب: شعرت بأن الشكل الذي قدمت به الشخصية من شأنه إيصالها للناس. للمشاهد أن يفكر بالشخصية التي أمامه وماذا تعني له؟ بكل بساطه أحببت تلك الشخصية وقدمتها بالصورة التي رأيتها. أن يحب المخرج الشخصية فهذا يساهم في أن يحبها المتلقي.
هيكل من جيل الأحلام المكسورة. المئات من أمثاله وأدت الحرب أحلامهم وطموحاتهم. تؤكد الراهب وتضيف: صحيح أن أحلام هيكل حطمتها الحرب، لكنه نموذج مهم كإنسان. ولو تمسك كثيرون مثله بالأرض لما كنا نعيش كمواطنين على كف عفريت على الدوام.
أن يعمل هيكل في الأرض يزرعها ويعد الحطب للشتاء هو تأكيد وجود له، وليس هروباً كما السؤال الاستفزازي الذي طرحته الراهب. نسألها كم اصابها هيكل بشحنات إيجابية؟ تعترف: عندما كان الفريق ينتقل إلى «الشمبوق» لمواصلة التصوير، كان الجميع يشعر بعدم الرغبة في المغادرة. دون أن يقصد كان هيكل يبث السعادة فينا جميعاً.
في حواره مع المخرجة عن وجود الموارنة وكيف أقاموا في جبال لبنان والدير الذي بنوه حفراً في جبال الهرمل، يرى هيكل في عناده للبقاء في ارضه وهوايته للعذاب مصدرها مارونيته «الموارنة يحبون العذاب.. فلاحين.. خربوا بعد ما دخلت السياسة عليهم». برأي الراهب: يذكرنا هيكل ببداية وجود الموارنة، حيث يعيش هو. سكن الموارنة المكان قبل أن يصبح لبنان دولة. تواجدوا هناك وآمنوا بالمكان الذي صار ملجأهم. حاضر هيكل يشبه ما كانت عليه المنطقة قديماً. وليست صدفة أن تكون رويدا ـ من دين أخر ـ يده اليمنى. هذه قراءتي للموروث الاجتماعي والديني في تلك المنطقة. الرمزية الشخصية التي خرجت بها أعادتني لبداية وصول تلك المجموعة من البشر إلى جبال لبنان التي صارت ملجأهم وتكاثروا فيها بكثافة. وجود رويدا كمساعدة لهيكل يأخذنا إلى الصيغة اللبنانية قبل أن «تخربها السياسة».
هيكل الذي قاتل مع الميليشيات اللبنانية ووصف الحرب الأهلية بـ «بلا طعمة» هل سيترك رأيه أثراً في الأجيال التالية كي لا تكرر الحرب؟ هذا مرهون بمدى تأثر الأجيال بوسائل الإعلام وبوسائل التواصل الحديثة برأي الراهب. كمواطنة ومخرجة أهتم بمن يرغب سماع هذا الواقع، وليس بحجم من سيتأثرون برأي هيكل. من يبحث عن معنى ما للأمور من المؤكد سيمسه هذا الموقف.
«الشمبوق» اسم اطلقه الفرنسيون على المكان ويعني أرض الماعز أي Champ De Boucs. في هذا المكان القريب من بلدتي القبيات وحلبا تُقرع أجراس الكنائس عندما تباع أرض لغير أهل البلدة. فالبعض يرى في ذلك بيعاً للوجود المسيحي هناك. هذا ما ذكره المواطنون بقوة وإصرار، في حين تراه مخرجة الفيلم: خطاباً انعزالياً يُنتج غيتوهات. وضعت تلك الأفكار في الفيلم لإظهار الخوف المتحكم بفئة من الناس. وفي المقابل قدمت النموذج البديل بكل بساطة وعفوية والمتمثل بتمسك هيكل بأرضه، فيما كان حسن الناظر كبش محرقة المتقوقعين. الناظر الذي مُنع من البناء في أرضه الواقعة في القبيات خضع للأمر الواقع لأنه إنسان حكيم، ويدرك أن ما حصل ليس موقف الجميع. لم أصادف في حياتي رجلا مسالما كما حسن الناظر. ربما استغل المتقوقعون أنه مسالم لينقضوا عليه ويمنعوه من البناء.
موسيقى أغنية «ميِل يا غزيل» لنجاح سلام كانت الوحيدة، التي تخترق هدوء المكان، تدخل حيث يجب بصوت مرة وبدون صوت في أخرى. اختارت الراهب العنوان والأغنية بعد أن سمعتها خلال وجود مجموعة على الغذاء في مطعم هيكل. وقالت: فعلا من سيمر على هيكل في تلك المنطقة النائية؟ هيكل في انتظار دائم لأي قادم كي لا يشعر بأنه متروك وحيداً. الأغنية تعبر عن رغبة هيكل، وفي مطارح أخرى تعبر بخفة عن موقف عميق.

فيلم لإليان الراهب يترصد «هيكل» الذي يبني الحياة حجراً حجراً
«ميل يا غزيل» نموذج للمواطنة القلقة والراسخة في آن
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left