مسرح الاستعراض الكبير

سامح المحاريق

May 19, 2017

يقال بأن البابا ليو العاشر (جيوفاني دي ميديتشي) همس لشقيقه جوليانو بأن الرب منحهم البابوية فليستمتعوا بها، وبالفعل فالطفل الصغير الذي واصل والده لورينزو الكبير، أو العظيم شراء مناصبه الكنسية، ليصل بعد ذلك إلى سدة الفاتيكان، استطاع أن يستمتع بمنصبه، وأن يسهم في التغيير السلبي للتاريخ بردود فعله البطيئة والمترددة تجاه البروتستانتية الصاعدة في ألمانيا ووسط أوروبا.
الطفل الكبير الذي لم يستطع التخلص من آفات النهم والكسل والتبذير، كان بداية الطريق لانهيار أوروبا العصور الوسطى، ومع كل منجزاته إلا أنه لم يتمكن من أن يصنف إطلاقاً كأسوأ باباوات روما، وبقي في المرتبة الثانية بعد الكسندر السادس (رودريغو بورجا) الذي كان له الفضل في تأسيس واحدة من أسوأ الأسر الحاكمة في إيطاليا والتاريخ الأوروبي بشكل عام.
هذه الفوضى التي شهدتها العصور الوسطى كانت تبدو وكأنها تنتمي للتاريخ، وأن استعادتها أصبحت أمراً غير ممكن، وأن ديكتاتوريات عسكرية ملتاثة مثل الخونتا العسكرية في الأرجنتين أو البرتغال، أو حتى الجنون المطبق لبول بوت في كمبوديا، جميعها عوارض لمرحلة مضت من التاريخ، واستثناءات تؤكد القاعدة بأن الديمقراطية يمكن أن تصبح طريقاً معتمداً نحو مستقبل أفضل، فعلى الأقل تدفع الديمقراطية بالأفضل بين المتاح والممكن والمتوفر. ولكن العالم وسط هذه الجوقة القائمة حالياً من الرجال في القصور الرئاسية الكبرى في العالم، تدلل على أن العصور الوسطى لم تصل إلى نهايتها بعد، وأننا لم نكن إطلاقاً نعيش في الحداثة، وكل ما فعلناه كان مجرد الجزء الثاني من المسلسل الطويل والممل للعالم، قبل ما يسمى بعصر الأنوار.
ماكرون في فرنسا ينضم ليعبر لا عن روح جديدة لواحدة من البلدان الكبيرة في العالم، ولكن ليقدم دليلاً جديداً على العقم الذي وصلت له الديمقراطية، بعد وعودها الصاخبة في النصف الأخير من القرن العشرين، فماكرون هو الاختيار السلبي بكل معنى الكلمة للهروب من فرنسا اليمين المتطرف مع مارين لوبان. فالشاب الصاعد من القطاع المصرفي استفاد من الصراعات التي خاضها اليمين واليسار ليخرج بطريقه الثالث بكل ميوعته، ليكون مؤهلاً لنسخة سيئة من توني بلير. وعموماً ففرنسا أثبتت في كل ما خاضته من مواجهات سياسية في مرحلة ما بعد جاك شيراك، فشلها المستمر في تقديم نموذج يمكن أن يستعيدها للعالم بوصفها قيادة سياسية وثقافية.
وراء الأطلسي يجلس ترامب في البيت الأبيض، ومشكلة الرجل لا تتوقف عند تناقضاته، لأن وجود التناقض يدلل على وجود رؤية ولو كانت مشوشة، وكل ما يمتلكه الأمريكيون اليوم عجينة بيضاء لا يمكن التنبؤ بسلوكها الذي يخرج عن نطاق قدرات القوانين الفيزيائية أو الحيل التنجيمية، والكارثة أن الرجل يستهلك من أعصاب العالم ومخيلته وسلامته العقلية الكثير والكثير جداً، بينما يلاعبه الروسي القصير (ما أخطر الروسي القصير في التاريخ من لينين إلى ستالين إلى بيريا ومعهم بوتين وتابعه ميدفيديف) بكل ما يليق بعلاقة بين رجل المافيا المحنك وصاحب الكازينو الموتور، ليظهر العالم في هذه اللمحات وكأنه أحد مشاهد الأب الروحي، إلا أن إدارة فرانسيس فورد كوبولا لممثليه لا يمكن أن تتنازل وتتواضع للارتجال المزري القائم حالياً وعلى مستوى الكوكب ككل. لقد وصلنا إلى السلطة، لنبدأ بالمرح، هذه العبارات يمكن أن تكون واقعية لوصف حالة ترامب في الفترة الوجيزة التي انقضت على تواجده في البيت الأبيض. ماكرون سيفعل الشيء نفسه، وما يمكن الأسف عليه أن خللاً ما وقع في سيناريو المرحلة، ليفوت على العالم فرصة أن يعيش القذافي وترامب هذه الفوضى القائمة، بالفعل فوات لا يخفف من أثره سوى التسلية القائمة بين الفتى الوسيم كيم جونغ في بيونغ يانغ وترامب، حول إشعال شمعة الكعكة النووية في العالم.
ما الذي فعله ترامب ليوقف المأساة الدائرة في سوريا؟ كيف سيتوجه ليقود العالم الإسلامي (السني) لمواجهة مع ايران، بينما يواصل حملات الغزل مع بوتين، الذي يتلاعب حالياً بآمال وطموحات الأتراك والإيرانيين، ويتسوق بين عواصم المنطقة بصمته وغموضه، يشتري من الجميع وينتظر الفرصة للبيع بثمن باهظ جداً، وأين ترامب من حربه التي كانت متوقعة على مختلف الأصعدة، لتكون الحرب الباردة الجديدة مع الصين، في الوقت الذي لم يستطع أن يستكمل الرقصة التصعيدية مع كوريا الشمالية؟
الأمريكيون ليسوا حليفاً مناسباً والبيت الأبيض يعيش مرحلة الفاتيكان المريض والمشتت بين أمراء المدن الايطالية، والبابا غير المستقر نفسياً أو معنوياً بالجوع للسلطة والسيطرة، والأمراء في هذه المرة ليسوا النبلاء أو قطاع الطرق، الذين تمكنوا من اقتناص الفرصة التاريخية ليشكلوا بيوتاً حاكمة على اقطاعيات كبيرة، ولكنهم يمثلون المستشارين للرئيس وأصحاب الأهواء والأجندات السياسية، ويمكن أن يحذف من قائمتهم المساعدة ايفانكا ترامب وزوجها المستشار الرئيسي جاريد كوشنر، بكل ما يشكلانه من سابقة بالغة الخطورة على تقاليد البيت الأبيض، بتداخل أسرة الرئيس في مواقع تنفيذية.
الانهيار المؤسسي هو أحد معالم النهاية في أي دولة أو امبراطورية، والولايات المتحدة تعيش هذه المرحلة، وهو ما يتطلب البحث عن البدائل المقبلة والصاعدة، أما استمرارية الرهان على الولايات المتحدة فخيار تكتنفه الكثير من المخاطر المستقبلية خلال العقد المقبل تحديداً، فدولة بدون عقيدة وبدون رؤية واضحة لا يمكن أن تتعامل مع دول متوثبة تحركها بنية عقائدية، بالمعنى الشامل الذي يتضمن العقيدة الدينية، لأن القضية ليست هزيمة إيران في مكان أو آخر، كما أنها ليست في تغيير نظامها بآخر يستعيد دور شرطي المنطقة، فالوضع العربي هو نفسه المشكلة التي تحتاج إلى حلول بنيوية عقائدية، ولا تعني العقيدة في هذا السياق الدين، ويجب أن لا تعني ذلك، لأن عقيدة الدولة هي التصور الجمعي الذي يتوافق عليه مجتمع مواطنيها، وعلى أساسه تستطيع أن تخوض صراعاتها المختلفة بزخم يجعل خسارة معركة، أو جولة معينة مسألة عرضية لا تعني خسارة الحرب أو إقراراً بالهزيمة، ولذلك فإن الخلاص من ايران مثلاً لن يضمن بألا تخضع المنطقة لموجات جديدة من الابتزاز يمكن أن تأتي حتى من قراصنة الصومال.
الرهان على رئيس يبحث عن بعض المرح أو المتعة يأتي في الوقت الضائع، والتحولات الاستراتيجية في العالم تحدث في كل مكان، بينما تستهلك المنطقة العربية نفسها في حروب عبثية لا يريد أحد أن يتقدم لإطفائها، لأنها توفر مسرحاً استعراضياً مهماً للقوة والإرادة، بينما الجميع يتوجه إلى مكامن جديدة للثروة والأعمال في افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، فمن يفكر اليوم في مرحلة ما بعد ترامب وبعد نظام الملالي، لأن الاثنين سيرحلان عاجلاً أم آجلاً، هل ستنتهي المشكلة؟
كاتب أردني

مسرح الاستعراض الكبير

سامح المحاريق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left