وما زال البحث جارياً

د.يحيى مصطفى كامل

May 20, 2017

كأن النظام يقتدي بنيتشه حين قال ما معناه، إن الحياة محاولةٌ للتغلب أو تخطي الذات، فيحاول أن يؤكد وجوده هو الآخر بتخطي نفسه، إذ نجده كما لو كان قد نذر نفسه لمهمةٍ مقدسة، فهو يسعى فيها بدأبٍ حثيث لإتحافنا بما يذهل من العجب وآي الحماقة والفشل وسوء التدبير.
مهزلةٌ أخرى لا مثيل لها تضاف إلى سجل المهازل الحافل والمتزايد: «هروب» وزير الداخلية الأسبق، الأخير في عهد مبارك والمخيف اللواء حبيب العادلي؛ الحكاية باختصار تتلخص في أنه بعد أن بُرئ من كافة التهم، بعد أن قضى أربع سنوات في السجن (نظرياً على الأقل) فإنه حُكم عليه بالسجن سبع سنوات في قضية الاستيلاء على أموال الوزارة، بالإضافة إلى مطالبته بسداد عشرات الملايين، لكنه ظل طليقاً في بيته منتظراً البت في الاستشكال على الحكم، ثم أرسلت وزارة الداخلية خطاباً رسمياً إلى النيابة يفيد، بأن القوة التي توجهت لضبطه لحضور الجلسة المقرر عقدها لم تجده: لقد هرب! وما زال البحث جارياً.
أظن الخبر في حد ذاته من البلاغة بحيث لا يحتاج إلى تعليق، خاصةً إذا تذكرنا أن كثيراً من القيادات في الوزارة يدينون بكراسيهم ونفوذهم وامتيازاتهم المالية له.
ذلك وجهٌ للقصة، إلا أن لها وجهاً آخر، لا تكتمل دون ذكره ولا تفهم، ألا وهو إلقاء الأمن، الأمن نفسه في وزارة الداخلية نفسها، القبض على ثمانية وعشرين ناشطاً، حتى وقت كتابة هذا المقال، في محافظاتٍ شتى، بلا تهمة جنائية، ولكن لمجرد أنهم قاموا بنشر تدوينات مناوئة للنظام على وسائل التواصل الاجتماعي.
لا أظن ساذجاً يصدق حكاية الهرب تلك، كما لا يعنيني التقصي في التهم المنسوبة للناشطين، فالأمر سيان، كما لا يعنيني إذا عثروا على العادلي أم لم يفعلوا، فالأمر كله عبثٌ في عبث، وهراءٌ في هراء. ليس في مصر فصلٌ بين السلطات ولا دولة قانون، والأمر كله أولاً وأخيراً راجعٌ إلى رغبة النظام ومنظومة أمنه، ومزاجه ومصالحه ومواءمات اللحظة، ينطبق ذلك على إصدار الكثير من الأحكام وعلى تطبيقها كلها وعلى توزيع الغنائم والأعطيات. كما أنه من العبث أيضاً التساؤل عن تهم المحبوسين من الناشطين، فالتهم جاهزة والقوانين تحاك وفق المزاج والمصلحة أيضاً، وإذ نذكر من اتهم بخلع مدفع دبابة، ومن اتهموا بالاتجار في أعضاء الأطفال واستغلالهم جنسياً، ثم برئوا حين اقتضت المصلحة، إذ نذكر ذلك فربما لن نضيع وقتنا في التفكير والتركيز في تفاصيل التهم ومدى وجاهتها من عدمه. لكن كل هذه المهازل المتتالية تلفت انتباهنا إلى مشكلةٍ عميقة تتعلق بأداء النظام: إنه لم يعد يستطيع الاحتفاظ بتلك القلة القليلة من مخايل الاحترام وغلالة المشروعية والقانون، لكي يستر بها طبيعته الاساسية وفراغه من أي مضمون.
ولئن كان البحث ما زال جارياً عن وزير الداخلية، ذاك الذي قررت الدولة أو على الأقل رجاله في وزارته بعدم حبسه، فإن البحث أيضاً ما زال جارياً وبصورة مؤرقة وأكثر إلحاحاً عن معنى، وسط كل ذلك العبث، والأهم من ذلك عن صنع، بل خلق بديلٍ يصلح لهذا النظام منتهي الصلاحية.
ما زال البحث جارياً عن الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، تلك الأهداف التي ضاعت، وحبس النظام خيرة المناضلين في سبيلها، في السجون بلا جريرةٍ ولا ذنب سوى الحلم. ما زال البحث جارياً عن مقابلٍ للتضحيات والأعمار التي ضاعت والعيون التي طارت وغيرها من العاهات المستديمة. مازال البحث جارياً عن قاعٍ من الانحطاط قد يقف عنده ذلك الانهيار في أداء الدولة والنظام المصريين. ما زال البحث جارياً على ما يرفع الهمة ويلهم الأمل ويبث التفاؤل في خضم كل تلك الآلام وذلك الظلم وتلك اللامبالاة.
يبدو أن النظام الذي ضحى بمبارك للاستمرار والتخلص من مشروع التوريث، ليس لديه أدنى استعداد للتضحية بتكرار التجربة مع أي شخصٍ آخر من وجوهه ورموز سلطته، ولعله يعتبر النيل من شخصٍ كالعادلي نزولاً على رغبات من أسماهم المتحدث العسكري بـ»الرعاع» يمس صورته وكرامته.
مرةً أخرى يثبت النظام أنه لن يقدم تنازلات، ولن يصلح من نفسه، وأنه ماضٍ إلى مقاصده بدعمٍ إقليمي وموافقةٍ صامتة دولية. السؤال هو: هل هنالك من ما زالت لديه أي أوهام بإمكان إصلاح هذا النظام؟
كاتب مصري

وما زال البحث جارياً

د.يحيى مصطفى كامل

- -

1 COMMENT

  1. خير وسيلة لإصلاح هذا النظام..هو أن يتم بتره نهائيا !
    ثورة شعبية..للتخلص من هذا الظلم والتخلف..وليسقط حكم العسكر إلى الأبد !

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left