في ما بين التاريخ والصحافة من الاتصال

مالك التريكي

May 20, 2017

من المؤلفات التي تسترعي انتباهي كتب المراسلين الصحافيين الغربيين الذين يمضون أعواما طوالا في تغطية إحدى البلدان أو المناطق فيصيرون من المتخصصين في شؤونها، وكذلك كتب المراسلين الذين قيض لهم أن يغطوا أحداثا أو ظواهر هامة في ظروف معقولة من الاستمرارية المهنية الضامنة لتحقق الميزة المعرفية. ولا يهم أن يكون الكتاب جديدا أو قديما. بل إن للكتب القديمة نسبيا مذاقا مميزا وقيمة مضافة لأن البعد الزمني المتاح لها يضمن فهم الأحداث بصفاء أكبر ومن منظور أوسع.
ولعل من أغزر المؤلفين في هذا المجال مراسل تلفزيون بي بي سي جون سمبسون الذي أمضى أكثر من نصف قرن في تغطية أهم أحداث العالم، والذي يمتلك قدرة المزاوجة بين الكتابة الصحافية الكلاسيكية الممتازة وبين تحرير تقارير تلفزيونية من الميدان وجبهات الحروب كثيرا ما تترك وقعا في الأنفس، بل إنها تبلغ في بعض الحالات درجة المحاولات الأدبية. وهذا ملمح إبداعي في أعمال جون سمبسون الصحافية كان قد انتبه إليه، منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، المعلق اللبناني الواسع الاطلاع سمير عطا الله. ومن كتب جون سمبسون الكثيرة في هذا المجال كتاب بعنوان «الحروب ضد صدام: سيرا في الطريق الوعرة نحو بغداد»، منذ الحرب مع إيران عام 1980 حتى الغزو الأمريكي عام 2003.
أهمية مثل هذه الكتب أنها تسرد الوقائع التفصيلية الموثقة التي يمكن أن تحصّن القارىء عموما، والقارىء العربي خصوصا، ضد التحيزات العاطفية والعمى الايديولوجي. فقد تعودنا الآن أنه كلما تم التطرق إلى صدام حسين، من باب التذكير بمغامراته العبثية التي نعيش الآن تداعياتها الكارثية، فإن العاطفيين من أبناء جلدتنا يستكبرون ويكابرون مثلما يفعلون الآن بشأن الطبيب السوري الذي أحرق بلاده دون أن يتوقف عن سماجة الضحك المؤبد. ومن حسن المصادفات أن راديو بي بي سي بدأ الثلاثاء بث سلسلة برامج للصحافي جيرمي بوين الذي كان مراسلا لدى الأمم المتحدة في نيويورك، فإذا به يوجّه على وجه الاستعجال إلى بغداد مع بدء الهجوم الذي شنته القوات الدولية أوائل 1991 لتحرير الكويت. وكان السبب في ذلك أن جون سمبسون أصيب بعارض صحي منعه من العمل في الأيام الأولى من الهجوم.
والجميل أن من المراسلين الذين يؤلفون مثل هذه الكتب من يعمد، على غرار جيرمي بوين، إلى تعريف كتابه بأنه «تاريخ شخصي» للمنطقة أو للحدث. أي أنه تاريخ سردي بضمير المتكلم. ولكنه تأريخ منهجي منضبط بالوقائع والوثائق. ولهذا يندر مثلا أن تجد تاريخا للحرب الباردة أدق وأوثق من التاريخ الذي كتبه أندري فونتان في ثلاثة أجزاء. ذلك أنه قد عمل في لوموند، منذ تأسيسها عام 1944، مسؤولا عن قسم الأخبار الدولية، ثم رئيس تحرير، ثم مديرا حتى بلوغه سن التقاعد أوائل هذا القرن. أما طرافة “التاريخ الشخصي” عنده، فهو لا يتوقف عند كونه قد قابل كثيرا ممن يتحدث عنهم من الشخصيات الدولية آنذاك أو استشهاده بالتصريحات التي أدلوا بها إليه شخصيا، بل إنه يرقى إلى درجة تقديم طرح مغاير للحرب الباردة يجعله يؤرخ لبدئها بعام 1917، وليس بعام 1949 مثلما هو متعارف عليه، وتقديم قراءة ثقافية لطبيعة العلاقة الأمريكية الروسية يدشنها بالتذكير بنبوءة ألكسيس توكفيل الشهيرة، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، عن اتجاه التاريخ وجهة آيلة إلى تقاسم هاتين الأمتين مصير العالم (لحين من الدهر طبعا).
صحيح أن من الشائع القول إن الصحافة هي «مسوّدة التاريخ»، أي الورقة الأولية التي تستدعي بالضرورة تصحيحا وتنقيحا. ولكن ذلك ينطبق على الفعل الإعلامي الآني لحظة إنجازه. أما العمل الصحافي التراكمي، فإنه عمل تأريخي أصيل وطريف يستمد أصالته من ضوابط التوثيق المنهجي الممحص، وطرافته من تفاصيل الشهادة الشخصية المباشرة. كما أن من الشائع القول إن الصحافة هي «تاريخ اللحظة»، أي السجل، أو المحضر، الأولي الذي يسعف بالمعلومات المبدئية. وهذا قول دقيق من وجه. ولكنه غير دقيق إذا أخذ في الاعتبار أن اللحظة التاريخية هي أطول بكثير من وقت وقوع الواقعة، وأن الصحافي المتخصص يمكن أن يدرج هذه اللحظة في منظور معرفي عميق من الشهادات والمقاربات التي تنضج على نار هادئة من الشغف بالتحقيق والتدقيق.

٭ كاتب تونسي

في ما بين التاريخ والصحافة من الاتصال

مالك التريكي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left