دولة أم دولتان.. سؤال شغل إسرائيل غداة النكسة ولا يزال

وديع عواودة

May 20, 2017

الناصرة – «القدس العربي»: «اللحظة الأشد خطرا  تأتي  عند الانتصار «، قال نابليون بونابرت الذي عرف انتصارات وانكسارات كثيرة تركت أثرا حتى اليوم على أوروبا.
بهذه الملاحظة حذر وزير التعليم في إسرائيل حكومتها غداة الانتصار على العرب في حرب 1967 كما يستدل من محاضرها السرية جدا التي كشف النقاب عنها للمرة الأولى بعد خمسين عاما. عشية الذكرى السنوية لتلك الحرب التي تعرف في القاموس الإسرائيلي بحرب الأيام الستة مقابل النكسة في القاموس السياسي العربي، فتح الأرشيف الإسرائيلي الرسمي أبوابه للاطلاع على محاضر جلسات حكومة الاحتلال (36 جلسة) قبيل وخلال وعقب حرب وقعت بعد عقدين من النكبة الفلسطينية وجاءت لتصحيح آثارها وعليها ينطبق القول «جاءت لتكحلها فعمتها». وتعكس المحاضر التاريخية أجواء الخوف الوجودي في إسرائيل حتى الخامس من يونيو/حزيران  في ظل التهديدات بالإبادة وإلقاء اليهود طعاما لسمك البحر المتوسط. وفي اليوم الثاني للحرب تكشفت ملامح الفاجعة العربية الناتجة ليس فقط عن  تدمير الطيران المصري بضربة استباقية في سيناء فحسب بل نتيجة المعادلة إياها : أقلية مسلحة، منظمة مخلصة مقابل أكثرية أقوالها تفوق أفعالها وتستبدل التخطيط والتدريب بالتهديدات اللفظية.
وتظهر الأرشيفات الإسرائيلية أن دولة الاحتلال انتقلت من مشاعر الفزع للابتهاج والنشوة بالانتصار الكبير، الحاسم والسريع.
الخوف من المجهول ومع ذلك ساورت بعض أوساطها القيادية مشاعر الخوف من الانتصار من المجهول ضمن تبعات الحرب على هويتها وطابعها الديمغرافي مما دفع وزير التعليم لاستذكار مقولة نابليون أعلاه.
هذه الأرشيفات الممتدة على ألف صفحة وبعضها مصنف «سري للغاية» يمعن قادة إسرائيل 1967، وبخلاف نظرائهم في 2017 المتهمين بالانشغال بمقاعدهم بعيدا عن القضايا الاستراتيجية، التفكير بآثار الحرب على مستقبل إسرائيل ويبدون قلقا من حالة التوسع التي أضافت فجأة نحو مليون فلسطيني ضمن سيادتها. ويتحدث بعض هذه الأرشيفات عن جلسة للمجلس الوزاري المصغر في 15 مايو/ أيار 1967 للتداول بالسؤال كيف تحول إسرائيل انتصارها العسكري لمكاسب دبلوماسية ؟.. وماذا ستفعل بسيناء، والجولان وقطاع غزة. ولم يرد اسم ذكر الضفة الغربية التي احتلت في تلك الحرب لكن الحكومة انشغلت بالسؤال كيف ستبدو الآن حدود إسرائيل؟.. وكيف ستعالج معضلة القدس المعقدة والقابلة للانفجار؟.. وكيف ستواجه وجود مليون فلسطيني جديد باتوا تحت سيادتها؟.. وتتكشف حقيقة التعامل والمشاعر حيال فلسطينيي الداخل  مبكرا في هذا المضمار حيث يتكرر السؤال في هذه المحاضر ألا يكفينا 300 ألف فلسطيني يقيمون داخل إسرائيل من قبل 1967؟.
اللافت أن الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة تجاوزوا الثلاثة ملايين نسمة يضاف لهم نحو مليون ونصف مليون داخل أراضي 48 و ناهز نسبتهم اليوم 50% من مجمل السكان في فلسطين التاريخية والحلول السياسية تبدو أبعد مما كانت عليه في الماضي.

حكم ذاتي

في اجتهاده يقترح في الجلسة الحكومية المذكورة وزير العمل يغئال ألون ضم منطقة جبال الخليل حتى البحر الميت، وصحراء الخليل والقدس الموسعة بسكانها الفلسطينيين للسيادة الإسرائيلية.
ويتابع كاشفا من جديد القلق غير المعلن من فلسطينيي الداخل «ليكن عندنا جليل إضافي». ويقترح ألون إقامة حكم ذاتي للفلسطينيين في منطقة المثلث الكبير الممتد بين نابلس، وطولكرم وجنين على أن يتم الفصل بينها وبين الأردن من خلال حزام إسرائيلي على طول نهر الأردن. ويتابع «من جهتي لا مانع من أن يدعو هذا الكانتون دولة فلسطينية طالما أن ذلك يريح الفلسطينيينويرضي العالم».
من جهته يبدو وزير الأمن موشيه ديان أكثر حذرا وقلقا مما هو آت بقوله في الجلسة الحكومية إياها «أقول جازما لا لاستيعاب مليون فلسطيني إضافي دون أن نحدد ماذا نريد. علينا الحذر بالحديث عن بيت لحم والخليل».

عبد الناصر وحسين

وبخلاف بعض طروحات حكومة بنيامين نتنياهو اليوم  وبما يتطابق مع طروحاتها الأخرى قال ديان قبل خمسين عاما «عمليا اقترح ما يلي : أن نطرح عرضا للسلام لا اتفاقات مؤقتة. الحد الشرقي هو نهر الأردن والضفة الغربية لا تتبع للملك حسين وغزة لا تتبع عبد الناصر إنما هما جزء من البلاد. باتجاه الداخل اقترح عدم إنجاز أي تسويات أو التزامات تجبرنا على استيعاب مليون فلسطيني».
ويعقب عليه وزير الخارجية آبا إيبان»ولكن هؤلاء الفلسطينيين صاروا عندنا؟.. ديان «هم لدينا من ناحية السيادة والدول الأخرى ولكن ليس من ناحية المشاركة في الانتخابات للكنيست. يجب تطبيق حكم عسكري والحياة بهدوء وعندما نجتاز هذه الفترة الحاسمة سنرى أين نحن نعيش. ينبغي إقامة قيادة محلية نتعايش معها ضمن الحكم العسكري دون مواجهات ساخنة «.
آبا إيبان:»بالنسبة للضفة والأردن الخ- لا اعتقد أننا جاهزون لحل دائم. مقترح ديان غير قابل للتطبيق لأنه يعدم حل مشكلة اللاجئين. كما أن هناك موضوع مواطنين لا ينتخبون وقد سبق وشاهدنا نموذج روديسيا حيث فيها مواطنون يصوتون وآخرون لا يشاركون في الانتخابات. اقترح أن نمنحهم حكما ذاتيا مرتبطا بإسرائيل يكونون فيه أسيادا على أنفسهم بكل شيء عدا الخارجية والأمن «. من جهته يقترح الوزير بلا حقيبة مناحبم بيغن الذي ترك المعارضة وانضم لحكومة وحدة وطنية عشية الحرب زيادة الهجرة والتكاثر عند اليهود، وعدم التردد بالاحتفاظ بما تم احتلاله، محذرا من منح الفلسطينيين حكما ذاتيا . بيغن الذي سيقترح حكما ذاتيا على الفلسطينيين في معاهدة السلام مع مصر في 1979 تابع كلامه في الجلسة الحكومية إياها عام 1967 « في حال اقترحنا الحكم الذاتي الآن سيقول العالم متسائلا إن اليهود يوافقون على حكم ذاتي الآن للفلسطينيين فلماذا نقبل مقترحهم، فقد طرح من قبل حل الدولتين ولنعد له».

بالخلف والهجرة نلحق بالفلسطينيين

رئيس الحكومة ليفي أشكول يستمع لمداخلات واقتراحات وزرائه ويدعو لطرح ما هو معقول ويمكن به إقناع يهود العالم على الأقل.
ويتابع «لنفترض أن العالم سيسأل هذا السؤال. حتى لو قبلنا بأن الحد هو نهر الأردن فماذا سنفعل بالعرب هنا؟. ربما بعد سنوات سنرغب بالقول للفلسطينيين إنهم لا يستطيعون المشاركة في الانتخابات لكننا لا نستطيع اللحاق بهم من ناحية التكاثر والزيادة الطبيعية وعندئذ سيقولون:  نحن في إسرائيل أقلية كبيرة فلماذا نحرم من حق التصويت؟ عندئذ سنواجه مشاكل دولية مرعبة.
لا يمكن استيعاب 1.2 مليون فلسطيني آخرين لأن نتيجة هذا تعني أننا مفقودون «. أين الجيوش العربية؟ في المقابل يرد بيغن بالاقتراح بتوطين اليهود في المدن الفلسطينية الكبرى كبيت لحم والخليل وتحويلها لمدن مختلطة كي لا نتركهم في حالة مدينة الناصرة من قبل قيام الدولة «.واوضح بيغن من جهته: «ارض اسرائيل الغربية لنا كلها. لماذا تخافون من قول ذلك. فنحن من تعرض للهجوم. أين رأينا شعبا ينتصر ويسفك دمه ثم يتنازل؟ أي جيوش سيرسلونها ضدنا لخنقنا؟ ما هذا الإسراع لتسليم الحسين جزءا من أرض إسرائيل الغربية؟ يحظر علينا استدعاء الضغط علينا، ويحظر علينا تسليم شبر من أرض اسرائيل لسلطة أجنبية.. كل ذكر لاقتراح بإقامة دولة فلسطينية بهذه الطريقة او تلك سينزل علينا كارثة».
وواصل قائلا: «لن نسلم القدس! سنحتفظ بمدينة الآباء لنا. وكذلك ببيت لحم مع قبر راحيل. يتضح اننا على استعداد لتسليم المثلث الكبير. من هذه التلال قصفوا تل ابيب، ويمكن تخريب نتانيا وتقسيم أرض إسرائيل الى قسمين. من العبث الموافقة على ذلك او التلميح لذلك.. انا اقترح التفكير بنظام كهذا: لا يمكن لهم جميعا الحصول على المواطنة. سنمنحهم مكانة سكان. وهكذا تكون لهم كل الحقوق. هناك من سيحصلون على المواطنة بعد سبع سنوات. ماذا سنفعل خلال هذه السنوات السبع؟ يجب عدم الفزع من حقيقة انه لن تكون لدينا غالبية يهودية. يجب الاهتمام بأن لا يتحولوا الى أغلبية، يجب الإكثار من إحضار المهاجرين، إحضار مهاجرين من روسيا، وتشجيع الولادة».

إدارة الصراع

ويتدخل ديان بالقول إنه يقترح تسويات تضمن فصل جغرافي مع الاحتفاظ بالقدس. ويحذر من بناء أي مستوطنة في الوقت الحالي في الضفة الغربية وذلك حفاظا على خط يجعلنا هنا وهم هناك».
واتفق في نهاية الجلسة الحكومية على تلخيص المقترحات ومعاودة البت فيها لاحقا. ويبدو أن حكومات إسرائيل المتعاقبة لم تبت بالأسئلة فعلا بل واصلت دون إعلان ذلك إدارة الصراع وفرض الحقائق على الأرض بالاستيطان والتهويد.

دولة أم دولتان.. سؤال شغل إسرائيل غداة النكسة ولا يزال

وديع عواودة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left