المخرجة الألمانية مونيكا ماورير تعمل على رقمنة 100 ساعة من الذاكرة السينمائية الفلسطينية

بعد 40 سنة من تصويرها للثورة الفلسطينية في لبنان

زهرة مرعي

May 20, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: نظمت «دار النمر للفن والثقافة» لقاءً مع المخرجة الألمانية مونيكا ماورير لتقديم فيلمها «تصوير الثورة» الذي لا يزال قيد التطوير، وذلك بحضور مخضرمين عايشوا فورة الثورة الفلسطينية في لبنان، قبل أن يدمر الصهاينة في اجتياح سنة 1982 كافة البنى التحية التي كانت لمنظمة التحرير في لبنان، ويطال الشتات الجديد إلى جانب البشر الكثير من الذاكرة الفلسطينية ومنها أرشيف الأفلام الذي كان بإدارة «وحدة أافلام فلسطين». فالصهاينة دخلوا بيروت لأسبوع وكانوا يعرفون تماماً ما يرغبون في حملهم معهم.
بحب كبير ومسؤولية ظهرت مونيكا ماورير في اللقاء وعرضت بعضاً من أفلام أعادتنا بالذاكرة إلى مرحلة كانت فيها الثورة الفلسطينية في لبنان كياناً قائماً بذاته، نامياً، منظماً ومتطوراً خاصة على الصعيد الصحي. تحتفظ ماورير في إيطاليا بحوالي 100 ساعة مصورة من حياة الثورة الفلسطينية على أفلام 16 ملم، وتعمل على رقمنتها بحيث تصبح جاهزة للمشاهدة من قبل الأجيال الجديدة.
تقول المخرجة الألمانية «بدأت العمل على تلك الذاكرة منذ 40 سنة بالتمام والكمال. وكما السلحفاة حملت طوال هذه الأعوام تلك الذاكرة المصورة على ظهري. أشعر أن الزمن يمر ولم يتبق الكثير، لذلك من واجبي ترميم المواد المصورة التي بحوزتي لتسليمها للأجيال الفلسطينية الجديدة».
وعن كيفية غادرت تلك الذاكرة السينمائية الفلسطينية لبيروت تجيب: « جزء من الأفلام التي اُنتجت مع مؤسسة السينما الفلسطينية والتي عملت عليها بنفسي قبل سنة 1982 ومنها «الهلال الأحمر، أطفال فلسطين، المولودة من الموت، أشبال» كانت تخضع للمونتاج في مدينة السينما في ايطاليا «سينيه سيتا»، التي كانت متضامنة ومتعاونة جداً مع الثورة الفلسطينية. وجميعنا يذكر حين أهدت إيطاليا مونديال سنة 1982 لفلسطين وذلك بالتزامن مع محاصرة إسرائيل لمدينة بيروت واحتلالها نصف لبنان. ورئيس جمهورية إيطاليا برتيني الذي قاوم الحكم الفاشي أدلى بتصريح واضح ومؤثر يدين مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا». وتضيف: «هناك أفلام فلسطينية ضاعت خلال الاجتياح. ما في حوزتي هي الأفلام التي أخرجتها بنفسي. كذلك في حوزتي أفلام مصورة بطريقة الفيديو خلال مرحلة الاجتياح، وهي وصلتني برفقة الجرحى الذين غادروا بيروت للعلاج في اليونان. وقد زرتهم في المستشفيات وجمعت ما بحوزتهم. وعلمت بوصول هذه الأفلام من مسؤول الاعلام حينها عبد الرحمن بسيسو. في حين ضاع جزء كبير من أفلام مؤسسة السينما الفلسطينية. في ظني أن الأفلام التي نجت من الضياع هي التي كانت خارج لبنان. أما تصوير مرحلة الحصار فتمّ بكاميرا محمد عوّاد الذي يعمل مع وكالتين صحفيتين أجنبيتين، وكذلك لسمير النمر».

التفويض الرسمي
من الراحل ياسر عرفات

وتؤكد أنها نالت التفويض الرسمي للاحتفاظ بالأفلام من الراحل ياسر عرفات شخصياً. وتقول: «حتى بعد أني أنجزت بعد تشتت الثورة الفلسطينية فيلمين. الأول سنة 1985 بعنوان «فلتسمع» وهو مطلع قصيدة لتوفيق زياد، يروي المقاومة اليومية للشعب الفلسطيني، وكيف يدمر الاحتلال المؤسسات الصحية والطبية. وسنة 1987 أنجزت فيلماً عن جذور المقاومة الفلسطينية وصولاً للانتفاضة الأولى». وتضيف : «ولأني لا أستطيع دخول فلسطين المحتلة فقد تعاونت مع مصورين مقيمين فيها للتصوير الوثائقي. فيلم «فلتسمع» كان بتفويض من فتحي عرفات وعُرض في جنيف خلال مؤتمر دولي لمنظمة الصحة العالمية. قدمه عرفات كوثيقة عن ممارسات الاحتلال ضد المؤسسات الطبية في فلسطين. عملت في هذا الفيلم لربط الممارسات النازية سنة 1945 ضد المؤسسات الطبية مع الممارسات الإسرائيلية في فلسطين. وهذا ما أعتمده في معظم أفلامي».
أنجزت ماورير أفلامها في لبنان منطلقة من البنية الإنسانية، التربوية، الاجتماعية والصحية للثورة الفلسطينية والهدف في رأيها أن العالم الخارجي كان يرى في الثورة الفلسطينية أنها مسلحة فقط. وتقول: « كانت للثورة الفلسطينية قطاعات متعددة لخدمة ناسها، والقطاع الصحي منها كان مبهراً. وحينها بلغت نسبة النساء العاملات 60٪. وحيث عملت النساء كانت الحضانات موجودة وخاصة في المؤسسات الصحية».
صور أحد أفلام ماورير الطفل علي الذي اصيب للمرة الأولى خلال قصف منطقة الفاكهاني في 17 يوليو/ تموز 1981. وعن سبب اختيارها لذلك الطفل تقول «لأنه حكاية صمود معبرة. قطعت يده في الإصابة الأولى مع جروح متعددة. وسنة 1982 اءُصيب في الدامور. ثم اصيب أكثر من مرة في صيدا. يتحرك على كرسي متنقل وهو مثال الفلسطيني الذي تتوالى عليه الضربات. كانت لي لقاءات متعددة معه بعد اصابته الأولى بهدف بناء علاقة وثقة. في النهاية بمفرده أن يُعبر أمام الكاميرا فهو كان يعيش الصدمة لفقدان ذراعه. من خلال جسده اعطى علي العالم رسالة ليس فيها يأس». وتضيف: «إلى جانب علي التقيت العديد من الأطفال وسألتهم ماذا يرغبون في المستقبل؟ جميعهم حدد انطلاق حلمه بعد العودة إلى فلسطين. برأي الشخصي هو التحول من اللاوعي إلى الوعي والتأكيد بأن فلسطين هي الأساس. هذا ما خلصت إليه من كل من التقيت بهم. والأمل يكبر بالقرار الشعبي والجماعي».

خدمة القضية الفلسطينية دفعها لترك الطب لصالح السينما

وعن دوافع اهتمامها بالقضية الفلسطينية ونصرتها خاصة وأنها شبت في أوروبا التي لعبت دوراً في تهجير اليهود إلى فلسطين وفي إنشاء دولة اسرائيل تقول: «للجواب مستويات متعددة. باكراً جداً اكتشفت أن الموقف ضروري في الحياة. حتى الآن أحمل في رأسي آثار ضربة من الشرطة لمشاركتي وأنا في الـ 14 من العمر في مظاهرة تندد بالتعذيب الذي كان يمارسه الفرنسيون في الجزائر، وذلك في ميونخ حيث ولدت. في تلك المظاهرة استوعبت أن الموقف ضرورة، وانضممت بفخر إلى جمعية مناهضة للفاشية. نعم عشت حياتي أدعم القضايا الإنسانية الخاسرة حتى الآن، لكن إيماني كبير بأنها ستكون رابحة على المدى الطويل. انهيت مدرستي وسافرت إلى المسيسبي في الولايات المتحدة حيث كان التميز العنصري جلياً. وهناك انضممت إلى «مدرسة الحرية»، التي كانت تدعو للتعليم المختلط والتي فجرها البيض لاحقاً». و تضيف: «في ألمانيا عملت مع الـ 5 ملايين من العمال الأجانب الذين أعادوا بناء ألمانيا مع الألمانيات بعد الحرب الثانية، من بينهم وجدت أن العمال الفلسطينيين كانوا الأكثر تنظيماً بمساعدة الإتحاد العام لعمال فلسطين. كان هذا في أواخر الخمسينيات والستينيات. وبعد حرب عام 1967 عاشت ألمانيا هستيريا تأييد إسرائيل تكفيراً للذنوب. كنت من بين قلة مناهضة لهذا الموقف، فقد تعرفت على قضية فلسطين من خلال العمال الفلسطينيين وعائلاتهم. الهستيريا الألمانية الثانية تمثلت بمطارة الفلسطينيين وعائلاتهم بعد عملية ميونخ سنة 1972».
جذبتني السينما لسنوات وأنجزت أفلاماً في كردستان وتشيلي وإيطاليا، وموضوعي على الدوام كان العمّال والحركات الثورية. وفي لحظة قررت أن جدوى حياتي تكمن في التخصص في الطب لمساعدة هؤلاء. وبدأت مما أسعد والدي الطبيب الجرّاح. لكن قلبي كان يخفق للسينما ودائماً كنت أزور لايبزغ قبلة السينما الوثائقية في أوروبا وهناك تعرفت إلى المخرجين الفلسطينيين. أما زيارتي لبيروت فكانت مع بعثة طبيبة أوروبية تضامناً مع الهلال الأحمر الفلسطيني. وجدت المؤسسات الطبية متطورة أكثر من بعض الدول الغربية وهذا ما أبهرني. في اللقاء مع محمود اللبدي مسؤول الاعلام الخارجي أشرت إلى ضرورة توثيق تلك التجربة. فإذا به يجمعنا مع أبي عمّار فطلب مني انجاز الفيلم بنفسي. أخبرته أني أدرس الطب، فرد بأن الأطباء كثر والمخرجون قلة وعلينا تقديم انجازاتنا للغرب. إنه التفويض الذي تلقيته من أبو عمار مباشرة، وتلاه عودتي للسينما، ولم أندم.
وعن سؤال حول من المسؤول عن الأرشيف السينمائي بعد ماورير؟ تقول: «الأرشيف الذي كان في إيطاليا وتمّ ترميمه قدمته لمؤسسة الدراسات الفلسطينية في لبنان ورام الله بعد رقمنته. وأتابع ترميم ما تبقى و رقمنته لتقديمه إلى مؤسسات تتمتع بالثقة من الشعب الفلسطيني وحيث يمكن لمن يشاء الإطلاع عليها. يستحيل ان تكون النسخة الأصلية في فلسطين لأنها ستتعرض للسرقة من قبل الاحتلال كما حدث مع وثائق أخرى فلا مكان محظور عليهم. الذاكرة هي الهدف الأول للسطو من قبل الاحتلال».

المخرجة الألمانية مونيكا ماورير تعمل على رقمنة 100 ساعة من الذاكرة السينمائية الفلسطينية
 بعد 40 سنة من تصويرها للثورة الفلسطينية في لبنان
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left