الربيع العربي والفوضى… مقاومة تزييف الحقائق

حجم الخط
9

لم تكن الانتفاضات الديمقراطية التي حلت ببلاد العرب في 2011 سوى حراك قطاعات شعبية متنوعة سئمت القمع والتمييز، ورغبت في إصلاح أحوال الدول والمجتمعات بانتزاع الحرية وصون الكرامة الإنسانية وتطبيق مواطنة الحقوق المتساوية وتضييق الفجوات بين الأغلبيات التي لا تملك والأقليات التي تملك.
لم يخرج الناس إلى الفضاء العام في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين لإسقاط الدول الوطنية وهدم مؤسساتها، بل طلبا للخلاص من الاستبداد واستبدال حكوماته الفاسدة (حكومات السراق كما يقولون في تونس) بأخرى تقبل المساءلة وتلتزم الشفافية ويرتبط بقاؤها في مواقع السلطة بالإرادة الشعبية التي يعبر عنها في صندوق انتخابات نزيه. لم يرفع الناس شعارات التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية للانتقام من المستبدين أو لكي يهدروا أمن بلادهم بالتورط في الدوائر الشيطانية للعنف الرسمي والعنف الشعبي المضاد أو لتقويض السيادة الوطنية على وقع مفاعيل الإرهاب، بل من جهة رغبة في عقد اجتماعي جديد يصون الحريات ويضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفقراء والمهمشين ويحد من الاستقطاب والعنف المجتمعيين، ومن جهة أخرى أملا في تجديد دماء مؤسسات الدولة الوطنية وإكسابها شرعية الرضاء الشعبي من خلال اضطلاعها بتنفيذ مكونات ذلك العقد الاجتماعي. لم يتعاطف الناس مع الحركات الشبابية والعمالية ومنظمات المجتمع المدني التي دعت في خواتيم 2010 وبدايات 2011 إلى المشاركة في التظاهرات السلمية بحثا عن يافطات إيديولوجية إن إسلاموية أو عروبية. لم تر في الميادين والشوارع يافطات كالإسلام هو الحل وأسلمة الدولة والمجتمع وتطبيق الشريعة، ولا يافطات تتعلق بالوحدة العربية أو بالقضايا الجامعة كقضية فلسطين. بل خرج الناس إلى الفضاء العام يحملهم وعي جماعي وجهته دولة حديثة تلتزم حكم القانون وتداول السلطة والتنمية المستدامة، وجهته مجتمع حر ينتصر لحريات وحقوق المواطن ويعيد بناء التسامح عبر الفوارق الدينية والعرقية والمذهبية والطبقية، وجهته فضاء عام يضمن حرية التعبير عن الرأي وحرية التنظيم ويتعامل مع ملفات انتهاكات حقوق الإنسان على نحو يكسر حاجزي الصمت والإفلات من العقاب.
ليست الانتفاضات الديمقراطية هي المسؤولة عن الفوضى والدماء والدمار التي أعقبتها، بل الاستبداد والفساد الذين سبقوها وسببوها. في تونس ومصر، استيقظ الناس بعد رحيل زين العابدين بن علي واستقالة حسني مبارك على مؤسسات دولة وأجهزة حكومية عاجزة عن إدارة دورها إزاء المواطن والمجتمع دون تعويل على الأدوات القمعية وبابتعاد عن إنتاج المزيد من المظالم. تورطت الأجهزة الأمنية في البلدين في انتهاكات لحقوق الإنسان في أعقاب الانتفاضات، وفي حين تمكن التونسيون عبر البناء الديمقراطي للسلطتين التشريعية والتنفيذية وتنشيط الحراك المطالب بمساءلة ومحاسبة منتهكي الحقوق وإنهاء الإفلات من العقاب من الحيلولة دون الارتداد السلطوي والإبقاء على الفضاء العام والمجال السياسي مشرعي الأبواب، انتكست مصر على وقع تدخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في شؤون الحكم وهدمها المنظم للمؤسسات ذات الشرعية الديمقراطية (البرلمان في 2012 والرئاسة في 2013) وسارت سريعا باتجاه صعود سلطوية جديدة ترتكب من الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان ما يفزع كالقتل خارج القانون والاختفاء القسري والتعذيب وتمرر من القوانين ما يخنق الفضاء العام ويقضي على المجال السياسي وتحمي الإفلات من العقاب كممارسة اعتيادية. وبينما تسجل مؤسسات وأجهزة الدولة في تونس نجاحات متتالية في الحد من الفوضى ومواجهة الإرهاب والعنف ويتواصل تفاعلها مع القوى السياسية والمجتمع المدني بشأن إجراءات التحول الديمقراطية، تغرق السلطوية الجديدة في مصر الدولة في والمجتمع في دوامات العنف والعنف المضاد.
أما في ليبيا وسوريا واليمن والبحرين، فتشاركت جهوزية الحكام المستبدين لاستخدام العنف المفرط ضد جموع المواطنين المطالبين بالتغيير الديمقراطي مع التدخلات الخارجية من قبل قوى إقليمية ودولية لتدفع بالانتفاضات باتجاه دموي ومعسكر أسفر إما عن فوضى عارمة وجرائم ضد الإنسانية وأزمات مجتمعية كبرى كاللجوء والهجرة غير الشرعية وانهيار معدلات الأمان الغذائي والصحي وسقوط لمؤسسات الدولة الوطنية كما في ليبيا وسوريا واليمن أو عن إغلاق عسكري وأمني للفضاء العام وتعقب انتقامي للمطالبين بحكم القانون وصون الحريات ومواطنة الحقوق المتساوية كما في البحرين. في تلك البلدان أيضا لم تكن الانتفاضات الديمقراطية هي المتسببة في الفوضى والدمار والدماء، بل متواليات الاستبداد والفساد والعنف والتدخلات الخارجية التي فرضتها نظم الحكم التي أراد الناس في 2010 و2011 تغييرها أو إصلاحها سلميا.
كذلك لم ترتب الانتفاضات الديمقراطية تغييب ثقافة التسامح وقبول الآخر والمواطنة المتجاوزة للانقسامات الدينية والعرقية والمذهبية والطبقية، فالثقافة هذه لم تكن معنا قبل الانتفاضات واستمر غيابها في أعقابها. حين خرج الناس إلى الفضاء العام للمطالبة بالتغيير، فإن اصطدامهم بسطوة مقولات الكراهية والتطرف والطائفية كان فوريا. لم تكن بضعة أسابيع قد مضت على رحيل الرئيس الأسبق بن علي وبدايات التحول الديمقراطي في تونس، إلا وشرعت جماعات سلفية عنيفة ومتطرفة من جهة في إرهاب مفكرين وسياسيين وحقوقيين ونقابيين علمانيين والتورط في عمليات اغتيال ومن جهة أخرى في إرسال محرضين ودعاة عنف وإرهابيين إلى ليبيا وسوريا وغيرهما. وفي مصر، أعقب نجاح ثورة يناير 2011 في إجبار الرئيس الأسبق حسني مبارك على الاستقالة وقوع اعتداءات على كنائس الأقباط وعلى مصالحهم الاقتصادية والتجارية، ثم ارتكبت الأجهزة الأمنية مذبحة مروعة ضد محتجين أقباط في القاهرة (ماسبيرو). ولم يكن للقوى الديمقراطية المصرية من موقف إزاء كل ذلك سوى الإدانة القاطعة والتحرك للمطالبة بوقف الاعتداءات الطائفية ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي ليبيا وسوريا واليمن، انفجرت الصراعات بين القبائل والأعراق والطوائف والمذاهب المختلفة ما أن تراجعت قدرات الحكومات الاستبدادية على الضبط والسيطرة. وعلى الرغم من أن القوى الديمقراطية التي شاركت في الانتفاضات طلبا لحكم القانون وتداول السلطة قاومت متواليات الصراع والعنف المجتمعيين مثلما واجهت سلميا إرهاب وعنف الحكومات، إلا أنها لم يكن لها أن توقف انهيار الأوضاع الأمنية ومفاعيل الهدم التي طالت مؤسسات الدولة الوطنية والزج بالمجتمعات إلى حروب أهلية أو حروب الكل ضد الكل.
الحقيقة بإيجاز هي أن الربيع العربي سقط ضحية لإرث الفوضى والعنف والتطرف الذي أحدثته حكومات الاستبداد والفساد بعد عقود من سيطرتها على الدول والمجتمعات وانتقامها من المواطن قمعا وتجهيلا ونشرا مجرما لرفض الآخر. ليس الربيع العربي هو المتسبب في الفوضى، بل هي حكومات السراق التي انقلبت على المطالب الديمقراطية وأنتجت ومازالت ثوراتها المضادة التي تبقي لها على مواقع السلطة والهيمنة والنفوذ. كفانا تزييفا للحقائق.

٭ كاتب من مصر

الربيع العربي والفوضى… مقاومة تزييف الحقائق

عمرو حمزاوي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبد الحكيم مولهي:

    في2011 عندما هبت نسائم التغيير في البلاد العربية بعد عقود طويلة من الاستبداد بجميع اشكاله كان الاعلام في سبات عميق …وبعد ان مرت العاصفة باقل الاضرار بعيدا عن الانتقام والتصفية الجسدية .اصبح هذا الاعلام الذي يوصف في تونس باعلام العار سبب البلية لانه اضاع البلاد والعباد وميع المبادئ والقيم..وجعل المواطن العربي يكره السياسة اكثر من ذي قبل بل جعله “يكره” حياته ويكفر باي تغيير ..ويبدو ان الاعلام ماهو الا الوجه الظاهر لمؤمرات كبيرة مازالت تحاك في الظلام ضد كل من يحلم مجرد الحلم بالانعتاق تشارك فيها اطراف عديدة …رجال اعمال واحزاب سياسية ومجتمع “مدني” و….و…………

  2. يقول S.S.Abdullah:

    أشكر عمرو حمزاوي على هذا المقال في هذا التوقيت والسياق الذي يزور فيه دونالد ترامب ما يمثل سلطة الكهنوت وفق مفاهيم العلماني والليبرالي في روتين النظام البيروقراطي، ولماذا عملية شكري؟ لأنّه بيّن بالدليل العملي إشكالية ثقافة الـ أنا للمثقف والسياسي أو الموظف بشكل عام في الدولة عند كتابة أي تقرير في أي مجال، فيكون وفق مفهوم النظر إلى نصف القدح فقط، فيما يتعلق بالـ أنا في جانب وبالـ آخر في الجانب الآخر، فلذلك لن تكون بأي حال من الأحوال القراءة صحيحة، ببساطة لأنها لم تنظر إلى كامل القدح الـ أنا والـ آخر بواقعية كي يمثل ثقافة الـ نحن للأسرة أو الشركة أو الدولة.

    ما فات الموظف عمرو حمزاوي هو أنّ المنافسة في أجواء العولمة، تختلف عن المنافسة في أجواء دولة الحداثة التي أساسها الواسطة والمحسوبية والرشوة والمحاصصة الحزبية للحصول حتى على عقد الروبوت (الآلة)، كما حصل في دول مجلس التعاون الخليجي في موضوع الحكومة الإليكترونية، فالاقتصاد وأسسه وأركانه في أجواء العولمة أساسه لغة التجارة (ثقافة الـ نحن) ، وليس لغة الواسطة (ثقافة الـ أنا).

    لقد فتح لنا التواصل والحوار مع الـ آخر من خلال الآلة، مفاهيم جديدة للتدوين، وحتى اللغة، إن كان بواسطة الحرف أو الكلمة أو الجملة أو الشكل أو الصورة أو الصوت، حيث لا مكان للغة الجسد في الفهم والتعبير، كما هو حال على أرض الواقع وجها لوجه، أو الفراسة في ربط النقاط في الاستقراء والاستنباط العلمي للخروج بكامل الصورة في الاستيعاب والفهم والتعبير، وبالتالي ستؤثر على ردّة الفعل بالنتيجة،

    هذه بالنتيجة تتطلب من كل مسؤول وصاحب أي سلطة ضرورة استيعاب لغة العولمة ولغة الآلة ولغة الاقتصاد والعملة الإليكترونية، حيث هذه أصبحت من ضمن استحقاقات الرقم الوطني والحكومة الإليكترونية التي فرضها البنك الدولي، للوصول للحوكمة الرشيدة، ومن هنا أهمية جهاز الصالح لتصفية ماء الحنفية كتطبيق عملي للعملة الإليكترونية، وأجهزة لغة اقتصاد الأسرة (مشروع صالح التايواني) وطريقة صالح لتعليم كل اللغات ومن ضمنها لغة الآلة، من أجل إيجاد حل لتخفيض ميزانية المحافظة أو الوزارة بعد عام 2008 إلى النصف، بسبب إفلاس الجميع حتى دبي محمد بن راشد، وليس فقط جورج بوش ونوري المالكي كممثلي فساد روتين نظام الأمم المتحدة البيروقراطي بشقيه الديمقراطي والديكتاتوري، وتدوين لغة الحذاء على ممثلي الفساد والتقصير

  3. يقول أحمد .. الجزائر:

    … السلام عليكم … تحيّة عطرة لك أستاذ عمرو … بارك الله فيك و جزاك خيرا .. مقال وافو دقيق … عاشت الشعوب العربية .. حرّ مستقلة أبية … العملاء و المستبدون إلى مزبلة التاريخ ….

  4. يقول مصر:

    لماذا كنت في مقدمة الداعين لعزل الرئيس المنتخب انتخاب ديموقراطي صحيح بشهادة الاكل

  5. يقول مصر عبد الحق محمد:

    لماذا ساعدت في هدم الديموقراطيه في مصربعد مسار صحيحة

  6. يقول سالم / ليبيا:

    انا رجل بسيط جدا يعني واحد من الغلابة كنت عايش مستور بعد ربيعك اللي تتغني بيه ضعت وتعبت حياتي انا و الغلابة اللي مثلي
    طبعا واقع متعرفاش انت و امثالك انت تعرفوا قنوات و اعلام وبيع كلام ومطارات وسفر و عواصم و احنا لم يعد لدينا القدرة حتى للخروج من اسوار مدننا .. الحصيلة وثقنا في كلامكم و تحليلاتكم وضيعتونا الله لا تربحكم دنيا و لا اخرة يا جهلة قبل التغير لازم يكون عندك بديل

  7. يقول محمد صلاح:

    مشكلة من يطلق عليهم الباحثين فى مراكز الأبحاث فى الخارج
    انه يعيشون فى الأحلام وكتابة التقارير المبنية على تقارير على الورق ولا تمت للواقع بشيء
    وما اسهل الكلام والنقد على الفاضى والمليان لان ذالك عملك ووظيفتك التى تعيش عليها
    وهذا يفكرنا ببرامج من كل فيلم أغنية
    او بالبلدى كدة كل وقت وله آذانه
    او خالف تعرف

  8. يقول salah:

    بعد نجاح الربيع العربي وذهاب راس السلطة ازادات حجم المطالب لدرجه غير معقولة وخاصه في مصر العروبة فصار الشباب ينتظرون الوظائف التي تلوح في الافق والمريض ينتظر الاعفاء الطبي غدا ورب الاسرة يتوقع انهيار اسعار المواد التمونية اما الاعلام والصحافه والكتاب فالديمقراطية هي ان يختاروا من يرغبون لا من يختاره الشعب لان الشعب لا يعرف الاختيار وهنا المصيبة التي جلبت النكبة

    1. يقول S.S.Abdullah:

      أحسنت يا صلاح/صالح بالفرنسية، فقد وضعت يدك على الجرح، المصيبة عندما يظن المثقف والسياسي (بسبب ثقافة الـ أنا أولا التي تعمل على نشرها مناهج التعليم) أن الشعب لا يفهم أكثر منه، بل هو من يجب أن يستمعوا له، فقط لأن هو يعتبر نفسه من ضمن النخب.

اشترك في قائمتنا البريدية