«قتل غزال مقدس» لليوناني يرغوس لانثيموس: للنجاة بالنفس ثمن باهظ حقا!

حجم الخط
1

كان – «القدس العربي»: في فيلمه الثاني الناطق باللغة الانكليزية «قتل غزال مقدس»، المشارك في المسابقة الرسمية في مهرجان كان، يأتينا المخرج اليوناني يرغوس لانثيموس بعمل سينمائي أُنجز بيد متمكنة بارعة، قصته أشبه بأسطورة إغريقية معاصرة، أسطورة يتجلى فيها العقاب والقصاص في أقصى وأقسى صورهما. ثمة خوف وقلق يخيمان على أجواء الفيلم الذي يحفل بالأجواء العبثية والدعابة السوريالية، اللذين يميزان دوما أعمال لانثيموس.
يفكك الرجل في الفيلم أسطورة الأسرة البورجوازية المثقفة المترابطة المتحابة، ويسقط القناع من على وجه الصورة البراقة للأسرة ليكشف لنا الرعب الحقيقي وغريزة حب البقاء، مهما كانت فداحة الثمن الذي تخفيه طبقة التهذب الاجتماعي والوجاهة للأسرة الثرية.
يستقي عنوان الفيلم من التراجيديا الإغريقية «إفيحينيا في أوليس» ليوربيديس، والتي تعاقب فيها الإلهة أغاميمنون بإصدار حكم بأن يقتل كبرى بناته. نحن إذن بصدد ملحمة رعب منزلي ونفسي حديثة ذات أبعاد أسطورية مجازية، ويؤكد الأجواء الأسطورية للفيلم بالموسيقى الافتتاحية الكلاسيكية الملحمية التي تصحبها مشاهد لعضلة قلب ينبض وجراحة قلب مفتوح وقفاز طبيب تكسوه الدماء.
الأسرة الصغيرة في محور الأحداث في الفيلم مكونة من جراح القلب ستفين ميرفي (كولن فاريل) وزوجته طبيبة العيون (نيكول كيدمان) وأبنهما الذي يبلغ نحو العاشرة وابنتهما المراهقة. تبدو أسرة مثالية مهذبة متحابة، ويبدو كل شيء في المنزل الأنيق منمقا وفاخرا ومترفا، لكن الأمور ليست كما تبدو دوما، وبين جنبات هذا المنزل المتحاب ظاهرا تختفي الكثير من الأسرار. لكن هدف لانثيموس ليس تقديم دراسة للطبقة البورجوازية وقيمها بقدر ما هو تعرية للنفس البشرية حين تواجه بخطر يتهددها فتتجرد من كل كل أقنعة الإنسانية لتعود إلى شريعة الغاب والنزعة البدائية المتمثلة في حب البقاء، بغض النظر عن أواصر العلاقات الأسرية والمظهريات الطبقية.
علاقة غريبة لا نفهم في البدء كنهها تجمع بين جراح القلب الكبير وبين صبي في السادسة عشرة يدعى مارتن (باري كوغان). يلتقيان في مطعم صغير ويتمشيان معا قرب البحر، ويقدم له الطبيب الهدايا. نتساءل في البدء أثمة علاقة جنسية ما تجمعهما؟ أيحاول الطبيب خطب ود الصبي للتأثير عليه جنسيا. ورويدا رويدا يتضح الأمر، ونعرف سر سطوة الصبي على الطبيب الشهير.
تدريجيا يتغلغل مارتن، الذي يبدو هادئا خفيض الصوت في حياة الطبيب وأسرته، ويتضح أن الصلة تقوم على خوف الطبيب من الصبي، خوف من عقاب لا قبل له على تحمله. الصلة إذن صلة ذنب. فمارتن على قناعة أن ستيفن هو السبب في وفاة أبيه المبكرة في غرفة الجراحة لخطأ طبي ارتكبه. وقد جاء مارتن لطلب القصاص: على ستيفن أن يقتل أحد أفراد أسرته كقصاص وفداء، وإذا لم يقم بذلك فستحل بالأسرة لعنة تقضي على حياة أفرادها الواحد تلو الآخر.
تتصاعد إثر ذلك أجواء الرعب الخانق والاضطراب النفسي والتفسخ الأسري التي يأتي بها مخرج في أوج قدراته الأخراجية يمتلك ناصية صنعته امتلاكا فذا، ولديه القدرة التامة على إقناع المشاهد، رغم سيريالية الموقف وعبثيته. ومما يزيد من أجواء التوتر والذعر ذلك الحوار المقتضب الغريب الخالي من التعبير والمشاعر، والذي أصبح علامة مميزة لأعمال لانثيموي وعالمه. في أحد المشاهد تقول الأم للأب بدون أي انفعال أو تأثر: «الحل هو أن نقتل أحد الطفلين. لا زلنا في عمر يسمح بالإنجاب». تقولها هكذا دون أي انفعال أو حزن، مجرد جملة تقريرية كما لو كان من الطبيعي أن يقتل الآباء أبناءهم.
يزداد الفيلم رعباً فوق رعب وقتامة فوق قتامة، ويبقينا على أطراف أصابعنا ترقباً. ترى من سيبقى حيا وترى من سيُقتَل، وكيف سيتفنن كل منهم لإنقاذ نفسه.
ينجز لانتيموس ملحمة إخراجية لا يتوانى فيها عن إثارة الخوف الممتزج بالرغبة في مواصلة المشاهدة فينا. يفتتنا قصةً وإخراجاً ويبهرنا بصرياً ليضعنا وسط كابوس سيكلوجي جميل، وما أقدر لانتيموس على أن يجعل الكابوس جميلا مبهرا بصريا.
إن للأفعال لثمن باهظ وإن العقاب والقصاص يجب أن يكونا من صنف العمل، فالجراح الذي أمسك المبضع مخمورا فأدى إلى ما يعتقد الصبي أنه قتل والده يجب أن يدفع الثمن. وكيف سيكون القصاص في قتل من يعز علينا إلا بقتل من يعز على القاتل!
مع الخطر الداهم المتمثل في لعنة الانتقام والقصاص تتداعى كليةً صورة الأسرة الوادعة المتماسكة وتسود شريعة الخوف وحب الذات والرغبة في البقاء. يستحيل الإنسان المتحضر وحشا ويرتد إلى بدائية حيوانية يعرف لانتيموس جيدا كيف يبنيها ويصورها ويصعد وتيرتها لحد مجنون محموم يبقى معنا بعد انتهاء الفيلم.

«قتل غزال مقدس» لليوناني يرغوس لانثيموس: للنجاة بالنفس ثمن باهظ حقا!

نسرين علام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول balli_mohamed casa maroc:

    رغم ان التقريرمنبري اضع كلمة قصيرة فاالتقريرفني سينمائي فاالسينما فتحت الباب للكل ليقول كلمته ولتقول كلمتها فاالسينما عقلية متفتحة لاتعرف اليوم ولاغد ا ولافي المستقبل التشدد ولاتؤمن باالأنحيازقلنا في أكثر من مناسبة فنية ان فن الأخراج صعب ولوج عالمه الواسع ومن تربى في حجره يأخد صوره من الثاريخ ومن الشارع ومن البيت ومن السوق والأخراج عرف مخضرمين نالواالأوسمة على المجهودات الثي قدموها لسينما ليسوامن ثربة واحدة ثربة هي شرقية غربية شمالية جنوبية السينمااليونانية في عيون السينماالأصل ايه نعم لم تنسى هده الأخيرة ماقدمته لها لكن الظروف وليقل الثاريخ كلمته وهي كاالتالي اد اسمح القارئ المحترم .
    ا
    البروز الحقيقي للسينما اليونانية بدأ عام 1950 واستمر حتى نهاية الستينيات، وهي فترة اعتبرت ذهبية في تاريخ السينما اليونانية؛ فقد تم خلال هذه الفترة إنتاج حوالي ستين فيلماً حقق كثير منها حضوراً كبيراً في المهرجانات السينمائية الدولية، ومن أشهر تلك الأفلام: فيلم «زوربا اليوناني» للمخرج مايكل كوكيانس المأخوذ عن رواية لنيكوس كازانتزاكس، وبرز مخرجون كبار أمثال غريغور بوغ، ولكن تلك الفترة الذهبية لم تستمر، وبدأت النكسات تلاحقها منذ نهاية الستينيات بسبب الظروف . حيث بدأ الإنتاج السينمائي يتناقص وصولاً إلى التوقف التام حتى فترة السبعينيات إذ منذ عام 1967 وحتى عام 1974 لم يتم إنتاج أيّ فيلم، وحتى بداية التسعينيات، لم يكن من الممكن الحديث عن أفلام يونانية جادة وقوية، وعاش السينمائيون بطالة حقيقية، حاولوا الالتفاف عليها من خلال العمل في الأفلام الأجنبية الكثيرة التي كانت الشركات الأمريكية وغيرها تقوم بتصويرها في اليونان، في حين هاجر قسم كبير من السينمائيين إلى فرنسا وأمريكا.
    شكراللمنبر

اشترك في قائمتنا البريدية