حراك الريف يؤسس لرأي عام جديد في المغرب عنوانه الكرامة

 

د.حسين مجدوبي

May 30, 2017

سجلت أحداث الريف قفزة نوعية في تشكيل الرأي العام في المغرب، إذ بدأت تفقد الصحافة الرقمية دورها لصالح أشرطة مصورة في مواقع التواصل الاجتماعي في الفيسبوك من خلال تقنية «المباشر» وفي يوتيوب.
وتعتبر وسائل الإعلام، رئيسية في تشكيل الرأي العام في أي بلد أو منطقة معينة، لكنها بدأت تفقد هذا الدور الريادي لصالح شبكات التواصل الاجتماعي، التي حملتها شبكة الإنترنت، ومن الصعب من الناحية الأكاديمية رصد الآفاق الحقيقية لدورها في تكوين الرأي العام، ولكن يمكن اختزالها في تعبير «آفاق هائلة».
ويمكن تقسيم دور وسائل الإعلام المغربية في تشكيل الرأي العام في هذا البلد المغاربي منذ الاستقلال (منتصف الخمسينيات) حتى وقتنا الراهن في أربع مراحل رئيسية، استفادت من تطور وسائل الإعلام تقنيا، كما استفادت من السياق التاريخي، ولهذا يمكن إضفاء عنوان على كل مرحلة تاريخية- سياسية كبرى خلال الستة عقود الأخيرة. في الوقت ذاته، لا يعني حلول مرحلة جديدة إلغاء السابقة، بل تستمر المراحل الأربع مع اختلاف الدور، ولكن كلها تريد تأسيس رأي عام في مواجهة وسائل الإعلام الرسمية والعمومية المرتبطة بالسلطة. والمراحل الأربع هي:
ـ المرحلة الأولى/جرائد الأحزاب الوطنية: ونتحدث عنها كمنطلق تاريخي مع حصول المغرب على الاستقلال، حيث كانت للمغاربة أحلام كبرى بتشييد الدولة الوطنية الديمقراطية. وتولت جرائد معينة الترويج للفكر الديمقرطي والحداثة، وتأتي على رأس هذه الجرائد «العلم» ثم أخرى مثل «المحرر» و»الاتحاد الاشتراكي» و»البيان» و»أنوال». ورغم أنها كانت جرائد حزبية، فجريدة «العلم» مرتبطة بحزب الاستقلال، و»الاتحاد الاشتراكي» بحزب الاتحاد الاشتراكي، و»البيان» بحزب التقدم والاشتراكية، والحزبي يتميز بخطابه الحزبي، إن لم نقل السياسي الضيق المرتبط بالإيديولوجية التي يستوحي منها ركائزه الفكرية، فقد دافعت هذه الجرائد عن قيم الديمقراطية وحرية التعبير ومحاربة الفساد، وإن كان بشكل متفاوت من جريدة إلى أخرى. وتعتبر هذه الجرائد هي المؤسسة الفعلية للرأي العام المغربي منذ الاستقلال حتى نهاية القرن الماضي، كما أسست للفعل السياسي والثقافي وليس الاعلامي فقط. ومن الصعب معرفة تاريخ المغرب، خلال العقود الأخيرة من دون التدقيق في دور هذه الجرائد.
المرحلة الثانية/الجرائد المستقلة: ظهرت الجرائد المستقلة منذ عقود وأشهرها «الأسبوع الصحافي» التي يديرها الصحافي المخضرم مصطفى العلوي، لكن الموجة الحقيقية للصحافة المستقلة هي التي ظهرت مع نهاية التسعينيات، وتزامنت سياسيا مع المرحلة المعروفة بـ»التناوب»، أي وصول أحزاب الحركة الوطنية إلى الحكومة بزعامة عبد الرحمن اليوسفي. وأبرز عناوين المرحلة «لوجورنال» و»الصحيفة» و»الأيام» و»دومان» و»تيل كيل» التي اقتحمت التابوهات السياسية إعلاميا في ملفات مثل حقوق الإنسان، وتاريخ المغرب مثل حقيقة الانقلابات والنبش في طريقة الحصول على الاستقلال، ثم إشكالية الثروات ودور المؤسسة الملكية. وظهرت لاحقا مجموعة من الصحف اليومية، يتم الاختلاف في تقييم مدى استقلاليتها على ضوء مدى دفاعها عن قيم الديمقراطية والمسافة التي أخذتها من اللوبيات المخزنية.
ـ وفي المرحلة الثالثة، ظهرت الصحافة الرقمية في المغرب منذ بداية القرن الجاري، لكنها شهدت قفزتها النوعية مع اندلاع الربيع العربي، وتتعدد المنابر من وطنية الى جهوية إقليمية ومحلية في المدن. وساهمت في تطوير الرأي العام. وأصبح تحكم السلطة التقليدية محدود في الاعلام، ما يؤكد صلابة تأسيس الصحافة الرقمية للرأي العام المغربي.
ـ المرحلة الرابعة: والآن نعيش مرحلة جديدة من تشكيل الوعي السياسي، ولكن هذه المرة يعود الفضل فيها الى أشرطة اليوتيوب والنقل المباشر عبر الفيسبوك للتظاهرات والاحتجاجات. وإذا أردنا رصد حدث سياسي كمرجع تاريخي لهذه المرحلة الرابعة، سنجد الحراك الشعبي في الريف الذي بدأ مع نهاية السنة الماضية، ويستمر حتى وقتنا الراهن. والمرحلة الرابعة مهمة للغاية. المراحل الثلاث السابقة كانت نخبوية، كانت موجهة إلى رأي عام يفهم القراءة والكتابة، لكن النسبة العامة من الشعب الذي تتفشى في صفوفه الأمية، كانت دائما تبقى على هامش الثقافة السياسية، وبالتالي لا دور ملحوظ لها قوي في الفعل السياسي. ومن جهة، أشرطة يوتيوب بالعربية وخاصة «بالدارجة» تصل الى الجميع لأنها تعتمد على السمع والمشاهدة، ومن جهة أخرى، يحصل الأمر نفسه مع النقل المباشر في الفيسبوك.
ومضمون المرحلة الرابعة هو القائم والمؤسس على خطاب الحقوق الاجتماعية من صحة وتعليم وشغل، ولا يهتم ببعض المطالب السابقة، مثل إلغاء قدسية الملك والمطالبة بعدم تقبيل يديه والتركيز على ملكية برلمانية، بل يركز على قدسية الحق في العيش الكريم. وهو يشمل الفئات التي يسميها المغاربة «بالمطحونة» أي التي تعيش في الفقر بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان. وعليه، أصبحت التظاهرات ذات طابع اجتماعي تضع الدولة المغربية في حرج حقيقي، لأن الناس ترفع شعار «نريد شروط العيش بكرامة»، ولم يعد ينفع معها الخطاب المضاد مثل أن المحتجين يخدمون أجندة سياسية ضد الملكية ولصالح قوى أجنبية. ولهذا، نجد أن أشرطة الفيديو في يوتيوب والفيسبوك ذات الطابع الاجتماعي التي تندد بالفساد وتطالب بالصحة والتعليم والشغل، خاصة تلك المصورة بلغة بسيطة ومفهومة، تلقى إقبالا كبيرا للغاية وأصبحت تنافس التلفزيون وتخطت مؤخرا دور الصحافة الرقمية.
وتفيد التجارب التاريخية بأن التغيير يقع عندما تبحث الشعوب عن الكرامة والحق في العيش وتؤسس لرأي عام جديد، وتجد وسائل لنشر الوعي والدفاع عن مواقفها. وعلى رأس هذه الوسائل في حالة المغرب حاليا الأشرطة البسيطة، ولكن الحادة في مطالبها في اليوتيوب والفيسبوك.
نعم، لقد دخل المغرب مرحلة جديدة في مسيرة تأسيس الرأي العام، وهو الوعي الاجتماعي الذي بدأ يمهد لمرحلة جديدة في الفعل السياسي وعنوانه الكرامة.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

حراك الريف يؤسس لرأي عام جديد في المغرب عنوانه الكرامة
 
د.حسين مجدوبي
- -

7 تعليقات

  1. الرأي العام الذي ينشده المغاربة لا يمكن أن يـتأسس في ظل فوضى الفيسبوك ومواقع التواصل الإجتماعي بل في ظل معرفة الدات الجمعية للشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة ، دات جمعية موزعة بين الأمازيغي والعربي والموريسكي والإفريقي يحاول البعض تفتيتها بلغة أقرب إلى التحريض منها إلى التوعية
    فهل يُعقل أن يركز الكاتب دي الأصول الريفية على الريف كمنطلق لتشكيل رأي عام جديد وينسى أو يتناسى أن المغرب ليس هو الريف بل المغرب هو الهضاب والسهول والجبال والمدن والقرى ..المغرب هو الإنسان وليس الريفي أو الهضبي أو السهلي أو المديني أو القروي …المغرب الإنسان الذي لم يُفكك منذ أكثر من 12 قرنا …
    تنويه : من سلبيات الفيسبوك والمواقع الإجتماعية أنها تطرح الشيء ونقيضه وهذا ما حصل مع صورزعيم الصدفة المسمى الزفزافي ، صورحقيقية وليست مركبة تُظهره وهو يتوسط (ثلاث شيخات ) مثلا أو وهو يترنح بفعل السكر في الشارع أو وهو يركب فوق يخت في عرض البحر أو هو يركب سيارات فارهة ….فاين هي كرامة الفلاح الحسيمي أو الريفي وهو يرى صور زعيم الصدفة التي تتناقض مع ما يقوله ؟

    • يا مستغرب لنتكلم بكل صراحة الملك المغربي/الأردني رغم كونهم من آل البيت ومع ذلك ليس ملاك بل هو إنسان، والشخص الذي كان كل همك بمداخلتك تبيين على أنه ليس ملاك، هو أصلا لم يقل عن نفسه أنه ملاك، الموضوع عن الكرامة فهل أنت ضد أن يكون كرامة للإنسان في أي دولة ملكية أم ماذا؟!

  2. اذا ربطنا الحراك بالاعلام نجد أن فروقا شاسعة بين الصحافة الرقمية الشعبية المتداولة بشكل سريع ومذهل والتي تعبر عن الفئة المهمشة وهي التي نجد لها صدى قويا لدى غالبية السكان ولها تأثير منقطع النظير ولعبت دورا في نجاح الاحداث الاخيرة في المغرب .
    النوع الثاني وهي الصحافة الحكومية أو الخاصة ذات التوجه المخزني تملقا أو خوفا وقد فقدت الكثير من مصداقيتها في حراك الريف اذ اتسمت بطابع ونهج التوجه الحكومي وتتغير مواقفها مع مواقف المخزن مثل الاحزاب تماما ولعل الضربة القاضية التي عصفت بمصداقيتها تبنيها موقف أحزاب الاغلبية الحكومية بتخوين الحراك قبل تتراجع الحكومة لتجد نفسها في ورطة. في الوقت الذي سيطرت فيه الصحافة الشعبية بنقل سريع للاحداث تجاوب معه الناس في كل أنحاء المغرب في شكل تضامني رهيب وآخر الصدمات التي تلقتها الصحافة المغربية التقليدي هي اجرارها يوم الجمعة الماضي وراء الفخ الذي نصبه المخزن للحراك بتفويض أئمة المساجد للنيل من الحراك فكل الاعلاميين أدانوا الزفزافي بوصفهم اياه بالاعتداء على حرمة المسجد ليفاجأمن جديد بالاعلام المضاد بأن الحكومة أقحمت الدين في السياسة مخالفة ما هو متفق عليه ، ولحد الان فان الاعلام الشعبي أصبح مصدرا من مصادر الخبر لكثير من الهيئات الاعلامية ..ونعتقد أنها نقلة نوعية ذات مصداقية تفرض على الاعلام المغربي الرسمي مراجعة طرق عمله لتكون في مستوى الاحداث وطموحات الشعب ،،فتمجيد السلطة عهد أصبح من الماضي

  3. نتمنى أن تنخرط كل الشعوب المغاربية في مسيرة التأسيس لرأي عام جديد، يتجاوز الأطر التقليدية البالية بما فيها ما يسمى بــــــ” الأحزاب السياسية “، ونتطلع إلى وعي إجتماعي يمهد الطريق لفعل سياسي جديد عنوانه الكرامة ودافعة إنجاز الوحدة المغاربية المنشودة. أعجبني كثيرا عرض دور وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام من خلال المراحل، فهذه منهجية تساعد كثيرا على فهم الموضوع، والإستفادة من المعلومات المقدمة.

  4. مع أن أختلف مع الكاتب في نقطة استقلال الصحافة عن السلطة.. إذ أني أدعي أن الدول العربية بدون استثناء لم تفقد يوما تحكمها في الصحافة والإعلام وخصوصا في المغرب حيث يتم توجيه الصحافة بالريموت كونترول قي كل ما يخص القضايا التي يعتبرها القصر الملكي مصيرية له..
    ولكن عبارة “لقد دخل المغرب مرحلة جديدة في مسيرة تأسيس الرأي العام، وهو الوعي الاجتماعي الذي بدأ يمهد لمرحلة جديدة في الفعل السياسي وعنوانه الكرامة” جملة عبقرية لخصت الكثير وتفادت طرح السؤال المباشر.. هل يمكن للشعوب تحقيق كرامتها من خلال أنظمة حكم بالية ومهترئة تعود للقرون الوسطى؟؟؟

  5. أظن وضع الأردن لا يختلف كثيرا عن وضع المغرب، في الأردن البدو وفي المغرب الأمازيغ، السؤال هل لغة الإعلام يجب أن تمثل دعاية لثقافة الـ أنا أولا ممثلة في آل البيت أو شعب الرب المُختار من قبل السامريّ؟ أم لغة الإعلام يجب أن تمثل لغة التسويق لثقافة الـ نحن التي تشمل ثقافة الـ أنا وثقافة الـ آخر داخل الدولة؟ أم اللغة في أي دولة أداة تواصل واتصال للتعايش والتكامل من خلال التبادل التجاري لمنتجات ثقافة الـ أنا والـ آخر؟ رمضان شهر الإصلاح، من المنطقي والموضوعي وبالتالي لا يتعارض مع العلم هو أن مفهوم الحب داخل الأسرة، يجهله من لم يعرف معنى الأسرة، هناك فرق بين الحب خارج أطار الأسرة عن الحب داخل إطار الأسرة تلخصه كلمة المسؤولية من قبل ثقافة الـ أنا تجاه ثقافة الـ آخر في وجوده أو عدم وجوده، إشكالية دولنا عندما اعتمدت عقلية البدو في مفهوم من تعرف ديته أقتله لو وقف في طريقك، فكيف يمكن أن يكون هناك حب أو رغبة في الارتباط في هذه الدولة أو الشركة أو الأسرة؟! لأن مفهوم الوظيفة داخل الأسرة يختلف تماما عن مفهوم الوظيفة في الشركة أو الدولة، فوظيفة الأسرة لا يوجد لها ثمن مرتبط بزمن لإنجازه، بينما لا يمكن قبول وظيفة الشركة أو الدولة بدون ثمن لإنجاز اي أمر في وقته، شبح الإفلاس الذي يطارد مؤسساتنا في دولة الحداثة، سببه أن راتب الوظيفة ليس له علاقة بكمية الإنتاج، ومن هنا لا يمكن التحكم في تكاليف الإنتاج داخل الدولة، كي تستطيع المنافسة في أجواء العولمة، لتغطية مصاريف الأسرة كي تعيش بكرامة، ومن هذه الزاوية بدأت الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية بين الدول في نظام الأمم المتحدة، فيما يطلق عليه هجرة العقول إلى دول مجلس التعاون في الخليج العربي التي وجدت حل لمسألة كيفية المحافظة على الإنتاج بشكل جيد مع وجود إشكالية العند والدلع بسبب الاختلاط من خلال قانون الكفالة والإقامة، ولكن اعتماد الرقم الوطني والحكومة الإليكترونية أصبحت الآلة (الروبوت) تنافس الإنسان على الوظيفة.
    ومن هنا أهمية لغة اقتصاد الأسرة (مشروع صالح التايواني) وطريقة صالح لتعليم كل اللغات ومن ضمنها لغة الآلة، أساسها خمسة أركان: لغة الاقتصاد (تمثل المنافسة)، لوحة المفاتيح (تمثل التقنية)، الحرف(تمثل الأصوات والموسيقى)، الكلمة(تمثل معنى المعاني والصيغ البنائية)، الجملة (تمثل الحوار والتعايش للتكامل) لتكوين إنسان يفوز حتى على الآلة-الروبوت

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left