نظرية الاحتواء بين النجاح والفشل!

ياسر سليمان

Jun 19, 2017

كثير من الأزواج عندما يرغب في الزواج من ثانية ، يحاجج بأن الزواج الثاني ما هو إلا وسيلة لاحتواء الزوجة الأولى غير المطيعة، وفي هذا قدر من الوجاهة. وبموازاة ذلك اشتهرت قاعدة تعليمية فحواها أنه ما لم تشغل التلميذ فإنه سوف يشغلك. ويصلح هذان المثالان كمؤشرين على التطبيقات البدائية للاحتواء وهو ما نسميه احتواء العصا والجزرة، أما التطبيقات السياسية فتلك قصة أخرى !
تعود نظرية الاحتواء إلى المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي جورج كينان ونظريته في الحرب الباردة في أواخرعقد الأربعينيات في عهد الرئيس هاري ترومان وتحديداً في العام 1947 في مقالته الشهيرة في مجلة الشؤون الدولية حول مصادر السلوك السوفياتي، وهي سياسة تقوم على استقطاب دول العالم حرصاً على عدم وقوعها في النفوذ الروسي آنذاك، وتصنف بالتالي وفق ذلك الفهم بوصفها سياسة دفاعية بخلاف سياسة ايزنهاور في ملء فراغ الشرق الأوسط ذات النزعة الهجومية الهادفة لبسط السيطرة على مناطق النفوذ الاستعماري الأوروبي في افريقيا وآسيا حماية للمصالح الامبريالية.
والاحتواء فعل وقائي استباقي وإجراء متبع إزاء الدول المسالمة لئلا يخرج من أصلابها من يلعن أمريكا، وهو بالتالي فعل مضاد للتوسع الإقليمي بالقوة يهدف للتغلب على نفوذ الدول المارقة التي تتمتع بنظام شمولي يعطل بقية أنظمة الدولة.
كان الظهور الأول لسياسة الاحتواء لدى مذهب المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية الأمريكية عبر الممثل الأبرز لهذا الاتجاه وهو هنري كيسنجر. ومن الإنصاف القول بأن استراتيجية الاحتواء (Containment strategy) خدمت أمريكا لأبعد حد ذلك أنها أوجدت كل ما من شأنه تقليل أخطار الخصم الافتراضي، والقضاء على مسببات أخطاره والنهوض بفنيات ( تكتيكات ) التعامل مع الخصم والتصدي لمؤامراته واستيعابه وترويضه.
أين ينبغي لسياسة الاحتواء أن تفرض نفسها؟
وفق الرؤية الأمريكية فإن الدول المارقة تتناثر عبر خريطة العالم. ويرى العم سام ضرورة تطبيق سياسة الاحتواء تجاه دول مثل: روسيا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها عبر الاحتواء الأبرز وهو السياسي. ولا يقلل هذا من أهمية الاحتواء الاقتصادي باحتواء أمريكا للصناعات اليابانية والألمانية والصينية وبالتالي نجد أنفسنا إزاء احتواءات سياسية تتدرج ما بين : الاستقطاب والتبني والاختراق والتطويق والتفريق والتهميش .
يجري توصيف الاحتواء بأنه شيطنة الآخر وليس بالضرورة دوماً استعراض ما لديه من تاريخ حافل وتلطيخه بالعار في مرحلة مقبلة فقد يكون عبر تبني طموحات الطرف النقيض وايجاد قاسم مشترك من الرغبات بين الندين، ومن ضمن ذلك إرغام الخصم على خيارات ما أوالتحايل عليه من خلال تبنيه لطروحات لا تصب في مصلحته علم أم لم يعلم .
وهنا يبرز السؤال : ترى كم وصلت موجة الاحتواء في إطارنا العربي هنا ، وهل نحن في هذه اللحظة التاريخية الفارقة إزاء الثلث الأخير من احتواء الاستعمار الثقافي؟ اعتقد جازماً أن حالة التكالب الخليجي الحالية على دولة قطر تأتي إجابة لذلك السؤال المصيري. وفي هذا النطاق فإنه من مؤشرات الفشل الجزئي لسياسة الاحتواء يتمثل في مقولة تيريزا ماي بعيد هجمات لندن مؤخراً يوم الثامن والعشرين من أيار/مايو الماضي إذ قالت إن « للارهاب ملاذات آمنة على الأنترنت وفي الجغرافيا»، وإذا كان القوي يدور في فلكه كثير من الاتباع وفق نظرية ابن خلدون «المغلوب مولع بتقليد الغالب « فلا بد من ذكر سياسات حزب البعث العربي الاشتراكي ودورانه في فلك السياسات الروسية عبر النصف الثاني من القرن الماضي وتبنيه لسياسات المواجهة الجماهيرية بكل أصنافها في صراعه مع الغرب وحرصه على التمسك بجغرافيا الأرض العربية. ومن ضمن ذلك ما صدع أحدهم رؤوسنا به طيلة أربعين عاماً تحت ستار مقولة التوازن الاستراتيجي لنكتشف في نهاية المطاف أنه احتواء لنا نحن في الداخل أكثر منه لمن هم في الخارج !
تبرز البراغماتية النفعية وشعارها الغاية تبرر الوسيلة في مقدار الهجمة على الأمة. وإذا كان آخر الدواء الكي فإن آخر الاحتواء هو احتواء المسمى اللفظي فمثلاً بدلاً من القول بالجمهورية الإسلامية الإيرانية يقال إيران، وبدلاً من أن يقال «تنظيم الدولة» يقال «داعش» وبدلاً من أن يقال جبهة النصرة يقال الجماعات الإرهابية وقس على ذلك .
تجارب الغرب في الاحتواء !
لكي ينجح الاحتواء في العالم كله لا بد من العدالة وهي من الثوابت الأزلية وإن توصيف اللجوء السياسي بأنه احتواء للخصم ضمن قاعدة عدو عدوك صديقك، ليس وليداً لهذه اللحظة بل متجذر في التاريخ.
وعبر حقبة طويلة من نهج الاحتواء استطاعت أمريكا تحجيم فيدل كاسترو الكوبي وخصمها الروسي غورباتشوف صاحب ببروسترايكا إعادة الأمل وسعت لاحتواء ثورة الخميني ودول الطوق العربي في صراعها مع الصهيونية العالمية، وجاء السعي لاحتواء القاعدة عبر صحوات العراق مطلع 2006 واحتواء الإخوان المسلمين على امتداد قرن كامل والسعي لاحتواء طالبان عبر صناعة قيادات سياسية بديلة، ومحاولة احتواء القومية العربية التاريخية، والسعي لاحتواء حماس عبر سيل جارف من المخططات لا نعرف مداه فهل تم الاحتواء بالتنازل عن الجهادي إلى الحزبي ؟
جاء الائتلاف المضاد لقطر أكبر دليل على نجاح سياسة الاحتواء تجاهه وبتبنيها لاستراتيجية صديق الجميع فإن قطر لم تحز رضاهم، وقد ابتعدت عن الاصطفاف في الصف المعادي للأمة. وفي سياق آخر فإن ما نسمعه مراراً وتكراراً من قيام جندي أفغاني بقتل زملاءه، دليل على فشل الاحتواء في الإطار الأفغاني ولعل ما جرى قبل ساعات في ولاية ننغرهار الأفغانية من إطلاق الرصاص على قوات أمريكية دليل على فشل الاحتواء كونه يأتي من فرد من القوات الخاصة الأفغانية، والتفسير الوحيد لهذه الحادثة التي تكررت في بلدان إسلامية تلاسن لفظي شكل إساءة للعقيدة الإسلامية. وفي العراق مثلاً فإن مقدار ما تعرضت له مدينة الموصل من حملات إعلامية ودعائية وتخصيص المليارات لشيطنة الخصم، أو لجعله يتقبل الآخرين عبر نشر فضائيات عراقية إعلامية مضادة كالفطر كلها ممولة أمريكيا واتباع سياسة رمي المنشورات عبر سماء الموصل. كل ذلك لم يأت بنتائج بل تم الرد عليه بالمفخخات. أما الاحتواء عبر تعميم النمط الغربي والأمريكي ومقدار ما لاقاه من القبول ومقدار ما أوجده من طبقات تم تغريبها في الدول العربية فهذا ما نشاهده عبر رجالات الدولة العميقة وفجورهم شرقاً وغرباً .
وفي نهاية المطاف تقترح الولايات المتحدة في احتواء استباقي قبيل الحصول على تأشيرات الهجرة لها ولأوروبا أن يجري البحث في مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) ، عبر النظر لصفحات الأفراد ، وتحليل التعليقات ودراسة اللايكات ونوعيتها والمدى الذي تسير فيه وتصنيفها السياسي والاجتماعي. ومن هنا ندرك استعصاء كثير من التنظيمات على سياسات الاحتواء. وهذا بكل بساطة لأنها أيديولوجية. ولذلك أصبحت لازمة متكررة أن يقال على لسان الأمريكيين : يلزمنا عقدين ممتدين بهدف كسب سياسة حرب الأفكار !

كاتب من العراق

نظرية الاحتواء بين النجاح والفشل!

ياسر سليمان

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left