الجزائر تعيد السنة وترسب في البكالوريا

ناصر جابي

Jun 19, 2017

للمرة الثانية على التوالي ترسب وزارة التربية ومن ورائها الحكومة، في تنظيم امتحان شهادة البكالوريا في الجزائر، التي جرت الأسبوع الماضي.
فقد عرف تنظيم هذا الامتحان، الذي مازال مهما لدى العائلة الجزائرية، سلبيات عديدة في تنظيمه، أثرت سلبا على نفسية التلاميذ، وزادت من قلق العائلات، التي لم تعد تفهم لماذا تفشل دولة بحجم الجزائر، في تنظيم هذا الامتحان، الذي تزامن هذه السنة مع شهر رمضان وحرارة الجو، ليس في المناطق الجنوبية، كما هو منتظر فقط، بل حتى في مناطق الشمال، ليزيد من إرهاق التلاميذ وتعبهم، لمدة خمسة أيام كاملة، مدة اجراء الامتحان. ليبقى أبناء النوب في حاجة إلى ترتيبات خاصة، تراعي حرارة الجو، تخرج عن منطق التسيير العقوبي المركزي، الذي لا يفرق بين نادي الصنوبر وتبلبالة.
عرف الامتحان هذه السنة كذلك تسريب أكثر من سؤال، في أكثر من مادة علمية. وتأخر في توزيع الأسئلة على التلاميذ في أكثر من مقرر خلال أيام الامتحان الخمسة، ما زاد في قلق التلاميذ الممتحنين وأثر سلبا على سير الامتحان ومردودية الطلاب.
زيادة على هذه العيوب التي شهدتها دورة 2017 للبكالوريا، لابد من الحديث عن ظاهرة منع التلاميذ المتأخرين في الوصول الى قاعة الامتحان، حتى ولو تعلق الأمر ببعض الدقائق. وضع عاشه عشرات التلاميذ والعائلات كعقوبة قاسية، مبالغ فيها وبعيدة عن معايير عالم التربية والبيداغوجية، في مجتمع لم يعد فيه للوقت أي قيمة، خاصة في شهر رمضان التي تتوقف فيه الحياة. علما بأن المنع من الامتحان في أي مادة معناه الإقصاء من كل الامتحان.
تنظيم امتحان البكالوريا في الجزائر، الذي «تعسكر» بشكل كبير منذ السنة الماضية التي عرفت عملية تسريب واسع لأسئلة الامتحان، ما جعل الوزارة تلجأ أمام فداحة التسريبات، إلى إعادة الامتحان في الكثير من المواد. دون أن تساعد هذه «العسكرة» في ضبط الأمور، والوصول الى تنظيم معقول لهذا الامتحان الذي تعيشه العائلات والتلاميذ كفترة إرهاق نفسي واجتماعي كبيرين، زادت في تشنج العلاقات بين أطراف العملية البيداغوجية، أثناء هذا الامتحان التي تحولت فيه الثانويات الى شبه ثكنات، منعت عنها كل وسائل التواصل كالتلفون والإنترنت، ليصبح الدخول لها مثل دخول أي مطار دولي مشبوه أمنيا.
ظاهرة تسريب أسئلة الامتحانات التي كانت الجزائر قد عاشتها في دورة 1992 وأدت الى استقالة وزير التربية، في تلك الفترة المضطربة من حياة الجزائر، وصلت فيها الأمور الى حد اغتيال رئيس الدولة على المباشر تقريبا (الرئيس محمد بوضياف). بالطبع لم ينشر التقرير الذي وعد به الجزائريون، بعد فضيحة التسريبات هذه، كما كان الحال تاريخيا مع تقارير أخرى، كما لم ينشر أي تقرير حول تسريبات دورة 2016. فالجزائريون لا يعرفون لحد الساعة من كان وراء هذا التسريبات الواسعة لأسئلة امتحان البكالوريا، ولا يعرفون الهدف منها، هل يتعلق الأمر برأس وزير القطاع فقط، كما توحي بذلك بعض «التسريبات»؟ أم أن الأمر يتعلق بأبعاد أوسع واشمل تحيلنا مباشرة إلى السياسي، بل حتى الأمني في مجتمع تحتل فيه العملية التربوية بكل أبعادها موقعا مركزيا على مستوى الديموغرافيا السياسية.
فامتحان البكالوريا على سبيل المثال يعني مباشرة 700.000 تلميذ وملايين الجزائريين كعائلات. ما يجعل أي اضطراب تعيشه عملية تنظيم هذا الامتحان المصيري، مسا باستقرار الأوضاع السياسية، في مجتمع قابل للاشتعال في أي لحظة. ولا ينتظر إلا عود ثقاب، قد يكون امتحان البكالوريا، في كل سنة، كما يؤكده تاريخ الحركات الاجتماعية والمطلبية في الجزائر التي يحتل فيها الشباب دورا مركزيا.
الأكيد ان التسريبات هذه المرة، كما في الحالات السابقة، لها علاقة بالوزير أو الوزيرة، التي تكون على رأس القطاع، في نظام سياسي تعيش فيه النخبة السياسية انقسامية كبيرة، على أكثر من صعيد، ثقافي ولغوي، بل حتى هوياتي، وصلت الى حد التشكيك في ديانة الوزيرة الحالية، لأن اسم زوجها وليس اسمها هي، جاء على وزن «فعلون». فالسيدة المحسوبة على تيارات فكرية عصرية، لم تقبل تماما داخل القطاع الذي سيطرت عليه في المقابل عائلات محافظة سياسيا، زيادة على كونها امرأة تحتل مركز القرار الأول، وليس معلمة او أستاذة، كما تعودت الثقافة الذكورية السائدة على ذلك. فالمرأة في قطاع التربية التي حققت الكم، ما زالت في حاجة الى تحقيق الكيف بالوصول الى مراكز القرار الإداري والنقابي وغيرها من مراكز الجاه والسلطة المبعدة منها حتى الآن.
الرسوب في امتحان البكالوريا الذي تسجله الجزائر منذ سنوات لا يرتبط بالطبع بهذه الاعتبارات المتعلقة بالفردي والسياسي، بل يحيل الى ما هو أعمق، فقد تدهور أداء مؤسسات الدولة الوطنية منذ مدة، في أكثر من قطاع وليس التربية فقط. لدرجة أصبح فيها تنظيم امتحان من دون فضائح، من المعجزات التي لم يعد النظام السياسي الوطني قادرا على تحقيقها بنخبه وطرق تسييره الحالية.
الرسوب في امتحان البكالوريا، الذي يعني كذلك فشل مجتمع في التخلص من الفساد الذي ينخره منذ مدة ، ليس على المستوى السياسي فقط، فالأمر سيكون اسهل نسبيا في هذه الحالة، بل المجتمعي كذلك، بعد ان تحول الغش في كل شيء وليس في امتحان البكالوريا فقط، الى رياضة وطنية، يطالب بها الجزائري كحق من حقوق المواطنة، يقوم بها التلميذ المقبل على الامتحان، بل تساعده عائلته في مسعاه هذا، بشراء أحدث وسائل التكنولوجيا الرقمية، تماما مثل النائب المرشح للانتخابات التشريعية، الذي يتواطأ معه حزبه وقبيلته لتزوير الانتخابات بشتى الطرق، مثل زميله رجل الأعمال الذي يتهرب من دفع الضرائب المستحقة عليه، مفضلا الاستثمار في شراء ذمم الموظفين، وهو يعتقد جازما، ان الإكثار من صلاة التراويح في سهرات رمضان ستتكفل بحل كل الإشكالات، تعلق الأمر بالأرض أو السماء، خاصة اذا ختمها بعمرة في هذا الشهر الفضيل «يغسل فيها عظامه»، كما يقال بالدارجة، يعود بعدها كما ولدته أمه، للاستثمار، من جديد في الذمم .
كاتب جزائري

الجزائر تعيد السنة وترسب في البكالوريا

ناصر جابي

- -

2 تعليقات

  1. الدكتور ناصر جابي يكتب دائما في الصميم، أقرأ له منذ سنوات، وتحليلاته المنشورة مهمة لفهم الأمور من زواياها المختلفة، لكن المؤسف أن أمثال ناصر جابي قلة قليلة في الجزائر……

  2. هدا هو حال دولة الجنرالات مثلهم مثل ال السيسي و بكره حتشوفو….

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left