يوم ليوبولد بلوم العجائبي

صبحي حديدي

Jun 19, 2017

تاريخ 16 حزيران (يونيو)، من كلّ عام ـ أو، بالأحرى، ابتداء من سنة 1954 ـ يوم مشهود عند أبناء الآداب الإيرلندية، وعشاق روائي البلد الكبير جيمس جويس، المنحازين إلى روايته الفريدة «عوليس» خصوصاً، الأمر الذي يجعل المناسبة أثيرة، استطراداً، لدى أنصار الفنّ الروائي، والحداثة الروائية، في مشارق الأرض ومغاربها. لكنّ حكاية ذلك اليوم المشهود ليست طريفة، فحسب، بل نادرة في وقائعها وما باتت تمثله في وجدان ملايين القراء: في مثل هذا اليوم، من العام 1904، تجوّل رجل إيرلندي يُدعى ليوبولد بلوم في شوارع العاصمة دبلن، ثمّ التقى بإيرلندي آخر شابّ يُدعى ستيفن ديدالوس، فترافقا بعض الوقت، وزارا دار بغاء بيللا كوهين، ثم عاد كلّ منهما إلى بيته.
هذا هو مختصر اليوم المشهود! وأمّا فرادة الاحتفاء بتفاصيل عادية كهذه، فهي أنها ليست البتة عادية، في عمقها الإنساني، من جانب أوّل، وأنها، من جانب ثانٍ، لم تجرِ على أرض الواقع، بل في ميدان الخيال الأدبي، وفي «عوليس» جيمس جويس دون سواها. ولقد شاء الواقعون في غرام هذا اليوم (وهم كذلك حقاً: في حال من غرام مشبوب!) أن يطلقوا عليه اسم Bloomsday، نسبة إلى الشخصية المركزية في الرواية. وكان أوّل احتفال باليوم قد أقامه لفيف من أدباء إيرلندا، في طليعتهم باتريك كافاناه وفلان أوبرين، في الذكرى الخمسين لذلك اليوم الروائي، فزاروا برج مارتيللو، الذي يشهد افتتاح الرواية، وعدداً من البارات، ومواقع الرواية في المدينة، وقرأوا مقتطفات من بعض فصولها، كما ارتدى بعضهم ثياباً شبيهة بالزيّ الإدواردي الذي كان شائعاً في زمن الرواية الافتراضي.
هكذا استقرّ التقليد السنوي، الذي يبلغ ذرى مباهجه في دبلن بالطبع، ولكن المرء لا يعدم احتفالات وأنشطة ومراسم لا تقلّ بهجة، بل لعلها ترتدي خصوصية مختلفة، كما يحدث في باريس عادة، بوصفها المدينة التي شهدت إصدار الطبعة الأولى من «عوليس»، سنة 1922، بعد أن رفضتها دور النشر البريطانية والأمريكية، وصنفتها في خانة «الكتابات الإباحية»! ولا تخلو كلّ سنة من «كشف» جديد، حول هذا الجانب أو ذاك من عمل يُعدّ الثاني الأكثر دراسة، عالمياً، بعد التوراة، وليس في نطاق الأبحاث الأدبية والنقدية واللغوية والبلاغية والسردية وحدها، وهذه بعض خصائص الرواية بالطبع، بل كذلك على أصعدة أخرى متعددة تخصّ ماضي استقبالها وحاضره، وعلاقتها بالفنون الأخرى على اختلاف جماهيرها، والغوامض الكثيرة التي لا تزال تكتنف النصّ حتى الساعة.
على سبيل المثال، في أواسط ثلاثينيات القرن الماضي، حين أخذت «عوليس» تكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة، اتصل الناشر الأمريكي جورج ماسي بالفنان الفرنسي الشهير هنري ماتيس، وعرض عليه خمسة آلاف دولار (وكان مبلغاً مرقوماً، حينذاك) مقابل عدد من الرسوم الداخلية لطبعة جديدة من الرواية. التاريخ لا يسجّل أنّ ماتيس قرأ الترجمة الفرنسية للرواية ذاتها (التي تظلّ، للتذكير، قراءة شاقة تماماً، بمقدار متعتها الفائقة)، ولكن لأنه عرف أنّ فصولها تستهدي بـ«أوديسة» هوميروس، فقد أنجز 26 رسماً، شغل كلّ منها صفحة كاملة في طبعة 1935. وفي حفل توقيع هذه الطبعة، وقّع الفنان التشكيلي 1500 نسخة، وأمّا الروائي نفسه فقد وقّع 250، وهواة النوع، من أثرياء العباد، يستطيعون اليوم شراء نسخة من تلك الطبعة، لقاء 37 ألف دولار… فقط!
سنة 1955، في مثال ثانٍ من الثقافة الشعبية العريضة، كانت المصورة الصحافية الأمريكية الرائدة إيف أرنولد قد نشرت صورة غير عادية: مارلين مونرو، «نجمة الإغراء» بلا منازعة يومذاك، ترتدي ثياب البحر، مستغرقة في قراءة نسخة من «عوليس». هنا، أيضاً، لا يفصح التاريخ عن حقيقة ملابسات اللقطة: هل كان الغرض منها تجميل مونرو ثقافياً، على نقيض مثالها كما رسخته أدوارها؟ أم أنّ مونرو، كما تقول الصورة في كلّ حال (وأياً كان مقدار التمثيل فيها)، كانت بالفعل تقرأ باستمتاع تلقائي؟ وأخيراً، ألا يصحّ القول إنّ هذه الاعتبارات، منفردة أو مجتمعة، تبرهن أنّ قيمة «عوليس» رفيعة في يقين الرأي العام العريض، خاصة تلك الشرائح الشعبية المهووسة بشخصية مونرو السينمائية، وأمثولتها في الإغواء تحديداً؟ في عبارة أخرى، أليست هذه الصورة دليلاً على أنّ الرواية، على صعوبة مغامرتها المفتوحة في المحتوى والشكل، شكّلت برهة مصالحة نوعية نادرة، بين الجمهور العريض والحداثة الأدبية القصوى؟
يبقى، للتذكير، أنّ «عوليس» تسرد وقائع ذلك اليوم المشهود، من الصباح الباكر وحتى قرابة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، عبر رحلة ديدالوس وبلوم في دبلن، وصولاً، ختاماً، إلى حجرة نوم موللي (زوجة بلوم) وأخيلتها الجنسية التي تسردها في ذلك الفصل الشهير، الذي يسير كجملة واحدة متصلة، بلا أيّ علامة وقف. وبين ألغاز الرواية ذلك السؤال حول يهودية بلوم، الذي يقول عن نفسه: «كان يعتقد أنه كان يظنّ أنه يهودي، بينما عرف أنه كان يعرف أنه لم يكن». وأمّا جويس نفسه فقد كان لا يملّ من اقتباس عبارة السياسي البريطاني دزرائيلي: «اليهود فسيفساء عربية»!
وليس بلا أسباب وجيهة أنّ نهار بلوم يظلّ عجيباً هكذا، بل عجائبياً!

يوم ليوبولد بلوم العجائبي

صبحي حديدي

- -

4 تعليقات

  1. شكرًا للأخ صبحي على هذا المقال،
    كما قلتُ في موضع آخر، وفي هذا اليوم بالذات من السنة الفائتة، ما يسمى بـ«يوم بلوم» Bloomsday الواقع في 16 حزيران (يونيو) 1904، إنما يُعتبر، من حيث سعة الخيال الأدبي وقوته، أطولَ يومٍ في تاريخ الأدب المكتوب باللغة الإنكليزية برمَّتهِ – وهو، على أرض الواقع أصلاً، اليومُ الذي تمَّ فيه اللقاءُ الغرامي الأول بين جيمس جويس نفسهِ وحبيبته نورا بارْنَكِلْ التي أصبحت زوجتَه فيما بعد. إذن، فقد كان الكتاب الخالد «يوليس» أو «عوليس» (ولا أقول رواية، لأسباب بيَّنتُها هناك) بمثابة هدية ثمينة خاصة من الكاتب إلى رفيقة عمره من أجل تخليد ذلك اليوم تخليدًا عالميًّا. وبما أن ليوبولد بلوم نفسَهُ يظهرُ في الكتاب بصفته يهوديًّا من يهود إيرلندا القلائل (المتحدرين من شعوب مجرية)، فإن العديد من الصهاينة المتعنِّتين بقوميَّتهم المفرطة يعمدون إلى استغلال فحوى «يوم بلوم» هذا وتأويله على أنه رمزٌ لزمن «اليهوديِّ التائه» Wandering Jew الذي سيعود إلى وطنه «الأم» (أي إسرائيل، رغمَ أنها مُوجَدَةٌ استعماريًّا) في آخِر المطاف. وعلى فكرة، ونكايةً بمن يصرُّ على تعنُّته من أولئك الصهاينة وأمثالهم، حتى الرسول محمد مذكور في الكتاب ذكرًا «عابرًا» على طريقة تداعيات ما سُمِّي بعدئذٍ بـ«تيار الوعي» Stream of Consciousness، تلك التداعيات التي تستحضر إنسانيةَ الرسول المدهشة من خلال الإشارة إلى رفقه اللافت بالحيوان (وتحديدًا، قصته الشهيرة مع القطة التي نامت على ذيال عباءته، حينما كان يخطب في الأمة لساعاتٍ وساعات) ومن خلال تألُّمه الشديد على البائسين والمعذبين في الأرض.
    مرة أخرى، فيما يخصُّ الاحتفالات السنوية الواسعة والمزعومة (والمُفَبْرَكة، في أغلب الأحيان) بنهار متخيَّل تخيُّلاً فنيًّا محضًا، فهي لا تعدو أن تكون برهانًا قاطعًا على نفاق الحكومة الإيرلندية السافر والفاضح، تلك الحكومةِ التي صارت، من جهةٍ، تدرُّ الأموالَ الخيالية من جرَّاء رعايتها «الوفيَّة» و«المخلصة» لتلك الاحتفالات، والتي كانت، من جهةٍ ثانية، تمارس كلَّ أنواع القمع والقسر والاضطهاد بحقِّ كاتبٍ مبدعٍ أبداعًا فريدًا من نوعه، كاتبٍ عاش جُلَّ حياتهِ بعيدًا عن مسقط رأسه دبلن، ولكنه لم يكتب في سيرته الأدبية كلِّها سوى عن دبلن، لكي تكون مدينةَ المدائن في تاريخ الأدب العالمي الحديث.

    • نسيتُ أن أقول هنا، أيضًا، أنَّ مختصرَ اليوم المشهود الذي أشار إليه الأخ صبحي – وهو تجوالُ الرجل ليوبولد بلوم في شوارع دبلن، ثمَّ التقاؤُه بالشابّ ستيفن ديدالوس، وترافقُهما ومرورُهما «مُتَهَيِّجَيْنِ» بدار بغاء بيللا كوهين وإفراغُ «شُحْنَتَيْهما» فيه، ثم أخيرًا عودة كلٍّ منهما إلى بيته – إنما هو مُسْتَوْحًى، أولاً وآخرًا، من اللقاءِ الغرامي الأول بين جيمس جويس نفسهِ وحبيبته نورا بارْنَكِلْ، الذي أشرتُ إليه في تعقيبي أعلاه. ولم يكن هذا اللقاء، في واقع الأمر، لقاءً «غراميًّا» بالمعنى التقليدي المحافظ والمُتعارَفِ عليه أنئذٍ، كسيرهِ من خلال تبادل النظرات والهمسات واللمسات والقُبل الرومانسية الخفيفة، بل كان لقاءً حافلاً ومفعمًا بالمغامرة الغرامية الخارقة لكل العادات والتقاليد وآداب اللقاء بين الحبيبَيْن، المغامرة التي تجلَّت وتجسَّدت في شخصية نورا بارْنَكِلْ الفريدة وفي شجاعتها وجرأتها غير العاديَّتَيْن: لدرجة أنها، عندما كانا يمشيان بعد اللقاء مُترافقَيْن في ضاحية من ضواحي دبلن اسمها رينغزَنْد Ringsend، وعندما مرَّا بجمهرةٍ من النساء المتبرجات اللواتي كُنَّ يكشفنَ عن «إمكانيَّاتهنَّ البارزة» في تلك الضاحية، وعندما لاحظت هي «تهيُّجَ» جيمس جويس ذاتهِ و«لهاثَهُ» و«انتصابَهُ» الواضحَيْن من جرَّاء ذلك المرور، لدرجة أنها قادته إلى مكانٍ منعزل على شاطئ البحر وأخذت «تستمنِيهِ بيدها» دونَ تردُّدٍ أو تلكُّؤٍ إلى أن وصل إلى رعشةٍ عارمةٍ لم يصل إلى مثيلتها من قبل. وهذا، على وجه التحديد، ما جعل جيمس جويس يقع في حبِّ نورا بارْنَكِلْ بكل جوانحه وجوارحه منذ ذلك اللقاء، وهذا ما جعله يقرر أن يهديها الكتاب المنشود «يوليس» أو «عوليس» لكي يخلِّد تاريخَ وقائعِ لقائِهما الغراميةِ غيرِ المعهودةِ إلى أبد الآبدين – خصوصًا وأنه الكاتب المعروف بغرابة أطواره وتمرَّدهِ على كلِّ أشكالِ السُّلْطةِ المُؤَسْأَسَةِ institutionalized، كمثل العائلةِ (التقليدية) والكنيسةِ الكاثوليكيةِ والدولة القَوْمية والأكاديميا الجوفاء، وحتى اللغة الإنكليزية نفسِها، بوصفها لغةً استعماريةً وإمبرياليةً، في الأساس. فقد كان جيمس جويس يؤمن كلَّ الإيمان بأن حرية الإنسان الحقيقية، على كافَّةِ المستوياتِ الذهنية والنفسية والاجتماعية، إنما تبدأ بحرية الجسد، قبلَ كلِّ شيء – وذاك ما فَهِمَتْهُ منهُ نورا بارْنَكِلْ «على الطَّايِر»!

  2. تحية للسيد صبحي حديديّ المحترم : سبق وأنْ قرأت رواية ( عوليس : Ulysses ) للرّوائي جيمس جويس…وهي من 265 ألف مفردة…
    لكن أعترف لقد لاقيت عنتاً بفقه مفرداتها ؛ ليس لسوء الطباعة مثلاً بل لخصوصية اللغة الخاصة التي ابتكرها الكاتب لهذه الرّواية الكبيرة.
    وكلما قرأت منها بعضاً ؛ ألتقي مع صديق كاتب مهتم جداً ومعجب بجيمس جويس ونتحاور بشأنها حتى الملل.
    أعجبني تعبيرك : ( وكان مبلغاً مرقوماً، حينذاك ).فقلما منْ يستخدم ( مرقوماً ) بمعنى ( قياسيّ ).أما مقولة السياسيّ البريطانيّ اليهوديّ
    دزرائيلي : ( اليهود فسيفساء عربية ) فهي تستحق مقالاً من لدنك ؛ أيها المبدع الرائع.ففيها الكثيرمن الإثارة ؛ ويمكن قلبها لتكون أيضاً :
    ( العرب فسيفساء يهودية ).فقد تساوى في الثرى…..راحل وماضٍ من ألوف السنين.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left