الموصل… مدينة تائهة تبحث عن نفسها

مروان ياسين الدليمي

Jun 20, 2017

كل الدعوات لإقامة أقاليم على أسس طائفية أو قومية أو دينية، والتي باتت تتصاعد أسهمها هذه الأيام في بورصة السياسة الإقليمية والعراقية خاصة مع اقتراب الحسم العسكري على تنظيم «الدولة» في مدينة الموصل التي احتلها التنظيم في 10 (يونيو ) حزيران 2014 ماهي إلاّ تعبير عن تطلعات تحمل الكثير من مشاعر التفوق والتمييز العنصري لدى غالبية الداعين إليها، قبل أن تكون دليلا على قصور كبير في رؤيتهم للواقع والتفاعل معه لأن معطيات الواقع أوسع من أن تختصر وتختزل في مثل هذا التصور.
إزاء ذلك يتوجب على أصحاب مثل هذه الدعوات أن يستفيقوا من حالة الوهم التي تشرنقوا بها لكي يستعيدوا عقولهم ووجدانهم بعد أن اختطفها العمى، وأن يدركوا بأن النجاح لن يُكتب لهذه المشاريع إلى النهاية حتى لو توفر ظرف استثنائي ــ تحت ضغط إقليمي او دولي ــ وساندها في أن تقدف على قدميها لأنها شكل من أشكال التجمعات القبلية المتخلفة التي عرفتها البشرية في عهود مبكرة من عمر التاريخ أيام كانت تؤمن بالخرافات والأساطير وحكايات الجن والعفاريت وهي تتأمل مجيء المخلص المُنتَظَر، قبل أن تصحوا في وقت متأخر على عصر الإنسانية بفضائه الرحب الذي يملك من الإمكانات ما يجعله يستوعب الجميع في كيان وطني واحد دون اعتبار لما يسمى (سياسيا)بالهويات الفرعية.
وفيما لو أُقيمت هذه الأقاليم (العنصرية) ستبقى هشّة في وجودها، وسيكون من السهل جدا أن تنكسر من الداخل قبل أن تكسرها العواصف.
ويبقى خيار الهوية الوطنية الطريق الأسلم للجميع للخروج من مستنقع الماضي الملتبس وطوق نجاة آمن للعبور إلى ضفة السّلام المجتمعي.
الفدرلة كمفهوم ومصطلح (إداري)لا يثير جدلا حادا ولا خلافا عميقا، وعلى العكس غالبا ما يكون خيارا واقعيا ومقبولا لدى أطراف واسعة ومختلفة إلاّ إذا ذهب باتجاه تكريس الهوية الطائفية أو القومية أو الدينية عند ذاك يصبح عقدة مستعصية ستولد منها عقد أخرى.
محافظة نينوى على سبيل المثال ومركزها مدينة الموصل يسكنها خليط من الأقوام (عرب، كرد، تركمان، إيزيديون، شَبَك، مسلمون، مسيحيون، سنة، شيعة) وهي بذلك لا تختلف عن غيرها من المدن والبلدان كما هو حال ألمانيا وأمريكا وفرنسا وسويسرا، وما من أحدٍ بين هذا الخليط يملك أفضلية أكثر من الآخر في حق العيش بحرية وكرامة. الجميع على الدرجة نفسها من الأهمية من الناحية الإنسانية والحقوقية.
بناء على هذه المعطيات لن يكون مقبولا لمن يسعى إلى بناء مجتمع قائم على العدالة الاجتماعية التوافق مع دعوات تطلق هنا وهناك خاصة في محافظة نينوى تهدف إلى إقامة إقليم أو أقاليم على أساس ديني أو طائفي أو قومي مهما كانت الأسباب والمبررات لأن نتائجها المعقدة تعني زيادة فرص الاحتقان والتباعد بين المكونات المجتمعية بدل أن تقرب المسافات بينها، وستضع مزيدا من الحواجز النفسية بين هذه المجموعة وتلك، ربما أقلها وطأة هواجس الشك وعدم الثقة بناء على مأزق الهوية الفرعية التي قام عليها الإقليم. ولا يمكن النظر إلى هذا الخيار على أنه حل قادر على تحقيق الأمن والاستقرار بقدر ما هو سقوط في دوامة الصراع مرة أخرى.

كاتب من العراق

الموصل… مدينة تائهة تبحث عن نفسها

مروان ياسين الدليمي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left