بعد حراك الريف: المغرب في حاجة إلى مشروع وطني

 

د. حسين مجدوبي

Jun 20, 2017

يستمر الحراك الشعبي في الريف، عبر التظاهرات في الداخل والخارج، وعبر الاعتقالات والمحاكمات، وتستمر معه المواجهات بين الأحزاب السياسية، والحرب الإعلامية بين المؤيدين والمعارضين.
ويقترح البعض طروحات عقلانية للبحث عن الحل، وأخرى صبيانية في إطار تبادل الاتهامات، مثلما يحدث بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ثم فرضية الانفصال. ووسط كل هذا، الحراك الشعبي في الريف جاء ليقول لكل المغاربة وبدون استثناء، من الملك محمد السادس إلى الحكومة والأحزاب والمثقفين والمجتمع المدني وعموم المواطنين، لكل الشعب، إن البلاد في حاجة إلى مشروع وطني واقعي، وبروح شجاعة لتحقيق قفزة نوعية وتجاوز الوضع المتردي والكارثي الذي يقود البلاد نحو الهاوية.
تتلخص أجندة المطالب الاجتماعية لحراك الريف في الصحة والتعليم والشغل، وهي مطالب يحملها كل المغاربة وينادون بها. وتأتي هذه المطالب بعد تردي الأوضاع الاجتماعية الى مستويات غير مسبوقة، وهذا ليس بادعاءات معارضين غير منضبطين وأقلام «حاقدة» بل بشهادة التقارير الدولية الصادرة عن مؤسسات مثل الأمم المتحدة.
وحراك الريف نقطة مفصلية، وقد يتخذ صبغة منعطف في تاريخ المغرب في القرن الواحد والعشرين، فمطالب الريف هي نفسها التي يرفعها المغاربة في مختلف مناطق البلاد، خاصة المناطق المهمشة. ما يعكس وعيا جديدا وسط الشعب مفاده، لا تسامح مع فشل الدولة في توفير شروط الحياة الكريمة بسبب الفساد وسوء التسيير. وفي المقابل، مواجهة الدولة لهذه المطالب بالكبرياء الفارغ انطلاقا من أطروحة «عدم التنازل للمحافظة على هيبة الدولة» سيؤدي لا محالة الى مستقبل مقلق، وسيعيد أخطاء الماضي التي يعاني منها الشعب حتى الآن. إذ أن هيبة الدولة من هيبة الشعب، وهيبة الشعب تعني عيشه في سياق الكرامة والحرية والرفاه، في حده الأدنى الذي يتماشى وموارد البلاد.
خريطة المغرب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية سنة 2017 مقلقة باللون الأحمر بكل المقاييس، بلد ذو تاريخ، وبلد ذو موقع استراتيجي، وبلد يقع جغرافيا على مشارف الثورات الكبرى، مثل الفرنسية والنهضة الأوروبية، وبلد يمتلك خمسة ملايين من مواطنيه في الخارج، ما يشكل رأسمالا بشريا هائلا و…لكن أوضاعه الحقيقية والواقعية كارثية. والمفارقة أنه في الوقت الذي يغرق المغرب في الديون، التي وصلت إلى 84% من الناتج الإجمالي الخام، ويموت بعض مواطنيه أمام أبواب المستشفيات، وينافس شبابه نازحي سوريا في اللجوء في دول أوروبية، وبلغت الفوارق الطبقية مستويات شبيهة بما قبل القرن التاسع عشر، بسبب سوء توزيع الثروة، ترفع الدولة شعار «الدولة الصاعدة» أو الدولة النموذج إقليميا، لأنها تعيش وهم النجاح الذي يعتبر أسوأ ما يمكن للمرء مواجهته.
إن حراك الريف وامتداده بحكم وجود تظاهرات في مختلف مناطق البلاد، مطالبة بالعيش الكريم، يستوجب التأمل والتفكير الجماعي، للانتقال من حالة الاحتقان والشرخ الذي قد يسود بين مناطق الوطن. وهذا الانتقال يتطلب التفكير في مشروع وطني يعيد بناء النسيج الداخلي والثقة بين جميع الفرقاء، ويسمح للبلاد بالتموقع في الخريطة الدولية الحالية.
إن الدولة المغربية تملك مشروعا، لكن لا يمكن اعتباره مشروعا للوطن، لأنه يقوم بوعي على سياسة الاقصاء، إذ تتولى جهة واحدة صناعة القرار، وكأن البلاد يحكمها حزب واحد، وكل مخالف يصنف في حالة الانفصال والخيانة، كما يقع مع الريف. ومشروع قائم على أسس غير واقعية يعتمد على مظاهر التقدم، مثل القطار السريع والمهرجانات وسياسة الماركتينغ للمبادرات، بدل التقليل من الفقر والأمية. والنتائج هي الفصل، نسبة عالية من المغاربة يعيشون في شروط غير كريمة، ووجود نسبة مهمة من الجيل الحالي بدون مستقبل، وفقد الأمل وأصبح فريسة اليأس. وإذا كان وضع المغرب كارثيا الآن، رغم أن المديونية منذ عشر سنوات كانت 40% من الناتج الإجمالي الخام، فكيف سيكون مستقبلا والمديونية تصل حاليا الى 84% ، ولا أفق حول مستقبل اقتصادي زاهر؟
وعلاوة على الوضع الكارثي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، يفتقد المغرب لمراجع سياسية وفكرية ورياضية وفنية، باستثناء النفخ في الضحالة، أصبحت الساحة بمثابة صحراء حقيقية، فشل في كل القطاعات تقريبا، وهذا سيترتب عنه تهديد الاستقرار.
في وقت الأزمات، تحتاج الدول والأمم الى مشروع وطني يلتف حوله الجميع ويكون مفخرة للمواطنين، ويجد كل واحد نفسه فيه، مشروع يقوم على تسطير أولويات استراتيجية وبتصورات ورؤى جديدة يحقق ما يلي:
ـ في المقام الأول، تلبية الحاجيات الرئيسية للشعب المغربي، في مجالات التعليم والصحة والشغل في وقت زمني محدد، وبأفكار واقعية ومتجددة، اعتمادا على خبراء محليين، وليس الاعتماد على الدراسات الجاهزة لدى مراكز التفكير الأجنبية، التي أبانت عن فشلها في حالة المغرب. ومن خلال قراءة الدول التي حققت نموا خلال العقود الأخيرة، سنجد أنها اعتمدت وصفات الخبراء المحليين، مثل تركيا والإكوادور وأندونيسيا، ودول سبقتها مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة.
ـ في المقام الثاني، البحث عن الصيغة المثلى لإيجاد موقع مناسب للمغرب في الخريطة الدولية اقتصاديا وسياسيا، بعدما أظهرت السياسية الحالية تخبطا دبلوماسيا واقتصاديا، من خلال الأزمات في العلاقات الخارجية التي تندلع بين الحين والآخر، أو المبالغة في التوقيع على اتفاقيات التجارة الحرة، بينما الاقتصاد المغربي صغير ومحدود ويعاني من تخلف حقيقي.
إن المغرب يعاني من ضعف الأفكار للتطور والانتقال نحو التقدم، وهذا يعود الى سياسة الاقصاء، التي نهجتها الدولة ضد كل من لا يردد أسطوانتها، وضعف أطرها، والى هيمنة سياسة اقتصاد الريع القائم على الاحتكار والنهب، وغياب أي منافسة شريفة في المجال الاقتصادي والفكري.
إن الحراك الشعبي في الريف يستوجب مشروعا جديدا للوطن، وهذا يمر عبر تغيير العقلية الراهنة، خاصة وسط الطبقة الحاكمة، لأن أسوأ ما يعاني منه شعب هو عندما يسيطر «وهم النجاح على الحاكمين».
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

بعد حراك الريف: المغرب في حاجة إلى مشروع وطني
 
د. حسين مجدوبي
- -

12 تعليقات

  1. المغرب يعاني من الفساد الشامل على وزن الدمار الشامل،المغرب غني فعلا بموارده اللامحدودة و فقير لان قلة تقوم باستنزاف مواردنا و تحويلها الى حسابات منفلتة في الخارج ،اخر تقرير دولي لمنظمة النزاهة الدولية خرجت بمعلومات صادمة خلاصتها ان المغرب خسر مالا يقل عن خمسمائة مليار دولار في الفترة الممتدة بين 2004 2013 في ظرف تسع سنوات و هو مبلغ يتجاوز المديونية بمراحل و فضيحة تهريب الذهب الذي فضخته مجلة الغوارديان الذي يتم تهريبه على انه نحاس الى الامارات حيث يتم اعادة تبييضه،موارد المغرب و ثرواته هي اكبر بكثير مما هو معلن و يتم تجفيف الثروات و تهريبها بشكل ممنهج ،بدون كشف نظام الفساد و تفكيكه لن يكون هناك اي مستقبل لمغرب موحد ،ان آجلا او عاجلا المغرب سيتشظى لان الاقاليم لن تستمر في الصبر و هي ترى مواردها تنهب ببشاعة و لا ينالها من حصتها الا الفتات الذي يتبعه المن،الحقيقة كما قالها نشطاء الريف هي عصابة تحكم عبر نظام لفساد جد متطور و فعال يسرق و يزور و يتحكم في كل شيئ و لا يترك اي هوامش للانتقاد او كبح جماح الفساد. او اي امكانية للإصلاح. وماخفي كان اعظم ولا عجب اذ تقول الامم المتحدة ان المغرب انفق اكثر مما انفقت دول مثل كوريا و ماليزيا و لكنه لم يجني الا اليباب فنحن نبتعد كل يوم عن الهدف المعلن عشية الاستقلال فلم ينجح المغرب في الانعتاق و التحول الى امة صاعدة رغم كل الانفاق و الوعود و السياساتالعرجاء،نخطو خطوة لنتراجع خطوات الى الوراء….

  2. “وكل مخالف يصنف في حالة الانفصال والخيانة”٠٠يا دكتور حسين لست أدري بماذا سينعتك هذه المرة بعض المعلقين الذين لا يقبلون سوى التهليل و تضخيم الإنجازات على طريقة “كولو العام زين”٠فعلا “مشيتي فيها” يا أستاذ، و سيتم وصمك بالانفصال و العمالة للخارج لأنك ببساطة قمت بالنقد البناء من باب تمغرابيت و الغيرة على وطننا الغالي٠لكني أنا كمغربي أقول لك شكرا لك على مقالك الجميل و على جل مقالاتك التي تظهر فيها عيوب و أعطاب السياسات العمومية٠٠٠و هذا ،حقيقة، هو دور السلطة الرابعة٠٠٠

    • تحية طيبة لأخينا من الجارة أمزميز أود ان اعترف لك
      -
      ان معظم المعلقين المغاربة بجريدة القدس العربي
      -
      لا يخجلون من نقد اوضاع بلادهم وليسوا كلهم من
      -
      منشدي اغنية “قولوا العام الزين ” فمتى كان النقد بناءا
      -
      ومحايدا تكون الفائدة و السيد مجدوبي قد توفق في المقال اعلاه
      -
      تحياتي

  3. أحسنت أخ رضوان٠٠٠و الله العظيم من كثرة ما أقرأ في الصحف و ما أسمع و ما أرى رأي العين من خلال الواقع المعيش٠٠٠من فساد مستشري و نهب للثروات و٠٠٠أصبحت أصاب بالغم و الغبن الشديد لما وصلت إليه أحوال بلدي، لدرجة أنني أتفادى في بعض الأحيان قراءة الأخبار السياسية أو الاقتصادية التي تهم المغرب٠٠٠

  4. أحسنت أخ رضوان٠٠٠و الله العظيم من كثرة ما أقرأ في الصحف و ما أسمع و ما أرى رأي العين من خلال الواقع المعيش٠٠٠من فساد مستشري و نهب للثروات و٠٠٠أصبحت أصاب بالغم و الغبن الشديد لما وصلت إليه أحوال بلدي، لدرجة أنني أتفادى في بعض الأحيان قراءة الأخبار السياسية أو الاقتصادية التي تهم المغرب٠٠

  5. أخشى ان يتم الالتفاف على مطالب احتجاجات الريف و المناطق الاخرى بعد امتصاص غضب المحتجين عبر وعود
    -
    فالدولة بمسؤوليها اللاوطنيين لا يهمهم مستقبل الوطن بل مستقبل مناصبهم
    -
    تحياتي

  6. طرح قيم حفظ الله المغرب من المكاره الشرق الأوسط ودول الربيع ليست هي المثال الأحسن بإستثناء تونس العظيمة .

  7. التوصيف الوارد في المقال ينطبق على كامل المنطقة المغاربية، وكان من المفروض أن يكون المقال بعنوان ” المنطقة المغاربية في حاجة إلى مشروع حضاري ” لكن المثقف المغاربي الوحدوي يبدو أنه لم يولد بعد ،أو ليس جاهزا بعد.! ومع ذلك لا أستطيع أن أخفي إعجابي بهذا المقال.

  8. مقال جيد. ماينقص المغرب هي خيارات استراتيجية تنتصر للشعب وليس لطبقة معينة وبعد هذا يعطوا الفُتات للشعب من منظور الصدقات والمصيبة ان حزب العدالة والتنمية يتبني نفس التصور كمجموعة البزنس الذي يتزعمها “الزعيم السياسي الجديد” وزير الفلاحة اخنوش رغم اختلافهم الظاهري. عندم يصبح الميلياردرات “زعماء سياسيين” فعلى السياسة السلام. هؤلاء يؤمنون بافكار ليبرالية مغموسة باقتصاد الريع على الطريقة المغرية.
    خد التعليم كدليل فالحكومة تتحدث ليل نهار على المدرسة العمومية وامكانيات النهوض بها ولكن في نفس الوقت تقلص ميزانية التعليم وتسهل المغادرة الطوعية للالاف الاساتذة ليلتحقو بالمدارس الخصوصية وقس على ذالك كل القطاعات. عندما يتكلم العثماني عن محاربة الفساد اصيب بالغثيان خاصة (رغم حسن نيته) ان مجموعة من وزراىه كونوا ثروة طاىلة من اقتصاد الريع وهناك الكثير من التقارير الصحفية في هذا المدمار.

  9. مشاكل المغرب كثيرة على كافة المستويات، في السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل. هذا وضع لا ينكره اي شخص عاقل. لكن مقالة السيد مجدوبي أقرب إلى بيان سياسي من حزب يتبنى إيديولوجية يسارية معارضة منه إلى مقالة للرأي تتوخى تحليل المعطيات بحد أدنى من الموضوعية المهنية التي ينبغي أن تميز عمل الصحفي حيث أن المغرب لا يتميز بكون كل ما هو موجود فيه أسود قاتم أو أبيض ناصع.

  10. الله المغرب الشعب . قال الرسول صلى الله عليه وسلم أمركم شورة بينكم مملكة دستورية الملك يملك ولا يحكم هذا من الناحية الدينية ومن الناحية الدنياوية مملكة دستورية الملك يملك ولا يحكم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

  11. شكرا لك أخي المراكشي صوت من مراكش٠٠٠أنا قصدت فئة معينة من المعلقين المطبلين الذين لا يقبلون الآراء الأخرى داخل الوطن الواحد و يقومون بما يشبه الحجر و الوصاية؛ المغرب وطننا جميعا كمغاربة ، ولنا الحق في انتقاد الأوضاع و تعريتها من أجل استشراف غد أحسن٠فلم نعد نملك سوى التعليق و مخاطبة المسؤولين عن طريق الجرائد و المنتديات الالكترونية لأن أرض الواقع تم غزوها بالبلطجية من قبيل “مول الجنوي” و غيرهم٠٠٠

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left