تيران وصنافير: زيارة أخرى على هامش دوريان جراي والأساطير المصرية

عبير ياسين

Jun 20, 2017

كان تصوري أن أتحدث عن مجموعة أخرى من الأساطير المصرية التي كشفت عنها تطورات أحداث مسلسل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، من أجل شرق أوسط جديد ليس لنا، في إطار عملية الكشف المستمرة التي تتضح أو تتعمق أجزاؤها منذ ثورة 25 يناير للحظة. 
ولكن تلك الفكرة وفي ظل الأحداث تقاطعت مع فكرة أخرى تتعلق بالانكشاف، كنت قد أشرت اليها سابقا في إشارة لرواية «صورة دوريان جراي - 1891» للكاتب أوسكار وايلد وكيف أن فوضى الرغبة في الشهرة، أو دعم السلطة وضرورة الخروج من المساحات الرمادية، وإعلان موقف مؤيد لمواقف السلطة في لحظة معينة، يمكن أن تنير أجزاء من الغرفة المغلقة والمظلمة للسياسة المصرية في عمومها، وبشكل أكثر أهمية في مؤسسات محددة لها غرفها المغلقة في العموم، أو في الذهن المصري، بدرجه تشبه الأساطير التي لابد أن نتعامل معها من أجل إصلاح سياسي مطلوب وتأسيس ديمقراطي ضروري.
أساطير تمت الإشارة إلى بعضها من قبل في الحديث عن مقتل بائع السمك مجدي مكين، وما أحيط به من ملابسات تتعلق بقيمة الانسان في عمومه، والانسان المصري- المواطن في خصوصه، مقابل أسطورة كرامة الدولة وصورتها التي تنفصل عن كرامة البشر فيها، وتجعل الحفاظ على جمال الصورة أولوية، بغض النظر عن سوء الواقع، فيتم تهميش التعذيب والإهانة من أجل تلك الأسطورة الكبرى التي تصب في صالح الكراسي أكثر من أن تصب في صالح البشر والوطن، ويمكن فيها الإتيان بكل الشرور، بشرط الإبقاء عليها في الغرف المغلقة أو غض الطرف عنها. 
أسطورة تشبه بدورها صورة دوريان جراي مع الفارق، وتعدد احتمالات القراءة لتلك الرواية العميقة في معناها وقدرتها على الفصل المادي بين الروح والجسد.
وان كانت الرواية حافظت على الجسد براقا، وجعلت الصورة المرسومة محلا لقبح الروح والسلوك، بما رتب بالضرورة وضعها في غرفة مغلقة، تبعد القبح عن أعين الآخرين وتحافظ على جمال زائف، فإن أسطورة الحفاظ على صورة الوطن بتهميش قيمة البشر فيه، تقوم في جزء منها على ممارسة القبح خلف الأبواب المغلقة، وإدانة الحديث عنه ومحاربة من يعترف بوجوده، مثلما تتم محاكمة قضاة لإعداد مشروع قانون عن مكافحة التعذيب، مع مركز حقوقي غير شرعي كما قيل، أو كما تم انتقاد من نشر صور مكين وتحدث عن تعذيبه لأنه -وفقا لتلك الرؤية- أهان الوطن، أو كما حركت بعض أحداث التعذيب المعلن خارج الأبواب المغلقة أحداث ثورة 25 يناير.
كانت ثورة يناير مدخلا لأجزاء من الغرفة المغلقة، وكل كارثة إضاءة على الغرفة وإبراز أجزء من القبح الذي عاش ويعيش فيها بعيدا عن الضوء، تاركا كل أفعاله لتعبر عنه، كما يحدث على هامش تيران وصنافير، وما تكشف عنه من تناقضات وأكاذيب وحقائق، وكما تزيل من أقنعة أو تؤكد وجود الأقنعة لمن لم يرها من قبل.
لم تكن الأساطير الأولى إلا جزءا من قائمة طويلة من الأساطير المكررة، مثل المناهج المحفوظة والعابرة للأجيال، وفى القلب منها في حالة الجزر أسطورة يفترض أن ثورة يناير أظهرت الكثير من خطأ القبول بأنها ثابت ومطلق، وإن لم تكن أحداث أخرى بعيدة قبل يناير قد فشلت في إخراجنا من أسرها، فالحاضر لابد أن يحررنا من الاستخدام المعلب والمسيس لها.
فكرة ممتدة تطرحها العديد من العبارات التي تطلق في الفضاء المصري وكأنها ثابت لا يقبل النقاش، حتى أن محاولة التفكير فيها أو الوقوف أمامها تعد لدى من يستخدمها نوعا من الخروج عن الإجماع الوطني - المعرف بوصفه التماهي مع السلطة أو الحاكم- وخلاصة تلك الأسطورة أن العسكرى لا يفرط ولا يبيع، رغم أن كل المعاناة التي تعيشها مصر تأتي بعد عقود من حكم سيطر ويسيطر عليه أشخاص لا يمكن التشكيك في انتمائهم العسكري، وهو ما يفترض أن يؤسس لضرورة الفصل بين الفرد والمؤسسة، وبين مكانة المؤسسة وواقعها في اللحظة المعنية، وبين الماضي والتطورات والحاضر، وبين القيم والمثل وعالم السلطة والحكم والسياسة.
مقولة إن العسكري لا يفرط تحولت إلى نقطة لإنهاء النقاش، وإلقاء كارت التشكيك في الوطنية في وجه الآخر، سواء في اللقاءات الإعلامية أو داخل البرلمان. تحولت إلى سلاح يتم إشهاره في وجه الآخر مثلما حدث مع مقولة «تحيا مصر» التي تم تأميمها في إطار حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، للتنديد بكل ما يقال على الجانب الاخر، وكأنه وحده يرغب في إحياء مصر، وغيره أو من يعارض سياساته يرغب في تدميرها، وكأن الجميع على الطرف الآخر في سلة واحدة عنوانها «أهل الشر».
مقولة إن العسكري لا يفرط يتم توسيعها - وفقا للمنطق المستخدم- للوصول إلى خلاصة تقول إن كل عسكري لا يفرط، ولأن الرئيس عسكري فهو لا يفرط، ولأنه لا يفرط فإن قضية الجزر محسومة والنقاش فيها منته، والقرار متروك للسلطة، لأن الثقة فيها - بوصف مكونها العسكري- مطلقة. تماه بين الشخص والمؤسسة يسقط قيمة للمؤسسة لدى المواطن، ويعممها على الفرد متجاوزا عن حقيقة أنها مثل عبارة «تحيا مصر» أخرجت من السياق وتم تشويهها لدرجه كبيرة عندما تم تأميمها وحكرها على فرد ولحظة.
عبارة تستخدم لتجاوز التفريط في الأرض، وإسكات أسئلة المنطق والعقل، وإغلاق الباب أمام المكاشفة والمحاسبة، ثم تعمم لتشمل استبعاد الفساد وسوء استغلال السلطة، والقمع والإدارة والمشاريع الفاشلة عمن ينتمي للمؤسسة العسكرية. ولكنها بتلك الطريقة نفسها تحمل أسباب تهافتها، لأنها تتجاوز عن حقيقة فساد وإفساد أنظمة، كان على رأسها أيضا من ينتمى للجيش، وتتجاوز عن حقيقة أن من يدافع عن خطاب النظام في التنازل عن تيران وصنافير، ورغم أن بعضهم دافع عن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وحارب ثورة يناير ومازال، عاد ليؤكد أن نظام السيسي اضطر للتوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود والتنازل عن الجزيرتين، لأن مبارك قد تخلى ووقع واعترف بأن الجزر غير مصرية، وهو ما يضرب عبارة أن العسكر لا يفرط في عمومها، ويجعلها غير صالحة للاستخدام بوصفها ثابتا لا يقبل النقاش كما يراد منها.
بدأ جزء الدراما الحالية في تيران وصنافير بالوصول إلى مجلس النواب، والاستقرار فترة قبل الخروج والحسم السريع وسط رمضان، وامتحانات الثانوية العامة، والوضع الاقتصادي الطاحن، والتصعيد ضد قطر وبعض المصريين فيها، ضمن خطاب الحرب المفتوحة على الإرهاب، وفي الخلفية عمليات إرهابية لا تتوقف ولا يتم التساؤل عن دور الأمن وتقصيره فيها، بقدر ما يتم الحديث عن ضرورة تقنين المزيد من القمع وبناء المزيد من الأسوار والغرف المغلقة وتكميم الأفواه.
جاء التوقيت ليمثل حلقة من حلقات الدراما التي نشاهدها أحيانا في سياقات مختلفة في عالم الدراما الفنية فتكون أكثر إمتاعا، ولكنها على العكس من هذا في ما يخص قضية الجزر، حيث تتعلق بتوقيت ما هو سري وما هو معلن، ما يتم تسريعه وما يتم الانتظار والتمهل في التعامل معه، ما يتم تركيز الإضاءة عليه وما يتم تهميشه، من يتم إعلاء خطابهم، ومن يتم استبعادهم. مجرد جزء آخر من السجادة الحمراء التي تحاول تجميل القبح، فتظهر التناقض واضحا، والقبح مكثفا والفجوة علنية، أو تكشف عن بعض ملامح القبح في الغرفة المغلقة، التي يراد بناء المزيد من الجدر حولها والسجون داخلها.
المفارقة أن التوقيت الذي اختير بشكل أو آخر لتمرير الاتفاقية في البرلمان ليس في صالح السلطة بالمطلق. فإن كان تمرير الاتفاقية تم وسط شهر رمضان والانشغال به ومعه، وبكل ما يحيط باللحظة من أحداث، إلا أنه أصبح بحكم التوقيت على هامش انتصار حرب أكتوبر 1973- رمضان من جانب ويونيو 1967- النكسة من جانب آخر. تذكير بالتضحية واستعادة الكرامة بالدم والكفاح، مقابل الهزيمة التي لا تموت ولا تنسى.
انتصار السلطة في اللحظة لخيار المبادرة بالتنازل عن الجزر، أقرب لروح الهزيمة ويونيو منه لروح رمضان والانتصار. انتصار السلطة في اللحظة هو انتصار لاستمرار النكسة، ولكنها أكثر مأساوية لأنها نكسة داخلية بلا سلاح ولا معركة ولا عدو خارجي حقيقي. أشباح تحرك وجوها وتدفع برسائل إلى الواجهة، ووطن يدفع الثمن وثقة مفتقدة مهما قدمت من أسماء تؤيد التفريط ووثائق تنفي السيادة، وكأنك لا تمثل الدولة التي يفترض أن تمثلها، ولا الشعب الذي يفترض أن تدافع عن مصالحه. كرامة مهانة تضاف لها مرارة التفريط، وفي الخلفية توجيه الرئيس بالتوقف عن الحديث، ووصية الوالدة المفتاحية في إدارة السياسة في عالم أساطيره تهتم بالصورة والحاكم على حساب الوطن والمواطن. ولكن كما الرواية هناك نهاية للقبح، والنهاية لا تكتب بتلك السهولة عندما يتعلق الأمر بالسيادة والتضحية والدماء، والماضي والحاضر والمستقبل والوطن بالمجمل كونه خارج الأساطير.
كاتبة مصرية

تيران وصنافير: زيارة أخرى على هامش دوريان جراي والأساطير المصرية

عبير ياسين

- -

1 COMMENT

  1. لست إخواني ولآأنتمي إلي أي حزب سياسي .. مانشادهه من ظلم منذ الإنقلآب وتحكم العسكر في حكم الشعب بالغصب ثم سجن الشباب وتعذيبهم وقتلهم وإهانة الشعب لإنه ثآر ضد الظلم فيعاقب من جيشه ومغتصب السلطة بإهانات لآ مثيل لها . وكل العالم يشاهد ويصمت..؟؟؟ لأن الصهيوني يقف معه ويؤآزره .. هذآ العسكري يتفاني في التقرب للعدو ويستمد قوته منه .. والله المستعان .. وحسبنا الله ونعم الوكيل..لكل ظالم نهايه ..نتعجب ونستغرب أن يكون بعض قادة الجيش يهدون للعدو المغتصب جزر مصرية في غاية الأهميه الإستراتيجيه ..؟؟؟ خيانة عظمي مع بجاحة وبلطجة لم نري لها مثيل .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left