شكسبير في نيويورك!

الياس خوري

Jun 20, 2017

لعب إميل حبيبي في رائعته «المتشائل» مع شكسبير أكثر من مرة. فهو لم يكتف بتحويل المسرحي الانكليزي من اسم إلى فعل، حين «شَكْسْبَرَ» السجانون الإسرائيليون سعيد المتشائل في السجن عبر حفلة الضرب والركل التي تعرض لها، بل استعاد شكسبير مرة أخرى حين أعاد صوغ مقتل السلطان المملوكي قطز على أيدي بيبرس ومن لفّ لفه. انحنى بيبرس على يد سيده يقبلها وكان ذلك إشارة لبقية المتآمرين كي ينهالوا طعناً بالسكاكين على السلطان. ما لفت نظر حبيبي هو التشابه بين إسمي بروتس قاتل يوليوس قيصر وبيبرس قاتل قطز. لم يذهب حبيبي إلى فلسفة فعل الاغتيال على طريقة التراجيديا الشكسبيرية، لكنه اكتفى بعبارة شكسبير الشهيرة «حتى أنت يا بروتس»، محولاً إياها إلى جزء من عوالم السخرية التي تفنن بها الكاتب الفلسطيني الكبير كي يصف نكبة شعبه.
لم يتوقف شكسبير عن الحضور في المشهد الثقافي العالمي، وهذا عائد أساساً إلى قدرة نصوصه على الخضوع لقراءات متعددة، وتأويلات شتى. فغنى الأدب هو في قدرته على التقاط الالتباس الانساني، الذي يمكن تأويله بأشكال لا حصر لها وفي أزمنة متعددة. يعرف أي دارس للأدب هذه الحقيقة، ويعرف أن سر ما نسميه خلود النص الأدبي يكمن في لعبة تعدد مستوياته التي تفتح احتمالات إعادة التأويل.
هنا تكمن حكاية العلاقة المتوترة كي لا نقول العدائية بين الأدب والسلطة، وخصوصاً السلطات الاستبدادية التي تأخذ أصحابها إلى جنون العظمة، وهنا أيضاً نكتشف لماذا يشعر الحكّام بالدونية أمام الأدباء، إلى درجة دفعت الكثير من الحكّام سواء كانوا عظماء أم سفهاء إلى محاولة كتابة الأدب، كما أنتجت تعالياً أدبياً على الحكّام جسدته شخصية المتنبي الشعرية، التي أوصلت الشعر إلى إحدى قممه، وأوصلت الشاعر إلى ادعاء النبوة والسعي إلى الملك، وهجاء الملوك: «أرانب غير أنهمُ ملوكٌ/ مفتحةٌ عيونُهمُ نيامُ».
رونالد ترامب، الذي أثار أنصاره ومريدوه ضجيجاً مصحوباً بالتهديد والوعيد ضد مسرحية شكسبير «يوليوس قيصر»، التي عرضت في «سنترال بارك» في نيويورك، ينتمي إلى سلالة الحكّام الذين يحتقرون الأدب. فهو ابن المشهدية التلفزيونية التي حولت المليونير إلى نجم، قبل أن ينجح في اقتناص الرئاسة الأمريكية من أمام منافسته هيلاري كلينتون.
و«كما حنّا كما حنين»، مثلما يقول المثل الشعبي. إذ سبقت وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغيف الرئيس الأمريكي في إعلان حقدها على الثقافة. فهذه السيدة الآتية من صفوف الجيش الإسرائيلي برتبة كولونيل، مصابة بفوبيا اسمها محمود درويش. التي لم تتورع عن مقارنة قصيدة «بطاقة هوية» بكتاب «كفاحي» لهتلر! كما استفزها مؤخراً قرار ميرا عوض غناء قصيدة محمود درويش «فكر بغيرك» في احتفالات جمعية المبدعين الإسرائيلية.
وعلى الرغم من أن ميرا عوض تعلن إسرائيليتها وتسعى «الى تعزيز الإبداع العربي ودمجه بالإبداع الإسرائيلي»! وقامت بتمثيل إسرائيل في أكثر من مهرجان فني عالمي وتغني بلغات متعددة وتقيم في تل ابيب مع زوجها اليهودي، فإن هذا لم يشفع لها أمام السيدة ريغيف والسبب هو محمود درويش.
لا أريد أن أناقش مسار السيدة عوض، وهو مسار يتناقض مع النتاج الثقافي والفني للفلسطينيين خلف الخط الأخضر، الذين صمدوا في حرب البقاء وأعادوا نسج هويتهم الوطنية والانسانية بالكلمات والمواجهة، فهذه مسألة خارج سياق هذا المقال، لكنني أريد ان أقول أن محاولة غسل التطبّع الإسرائيلي بالشعر لا تجدي.
ترامب حاقد على شكسير ولم يستطع تحمّل لعبة المخرج المسرحي الأمريكي اوسكار يوستيس الذي قدم تأويلاً معاصراً للمسرحية وأعطى دور قيصر لممثل أشقر يذكّر بالسيد ترامب، فأعلن الرئيس على لسان ابنه أن المسرحية تشكل دعوة الى اغتياله. وهذا ما نفاه المخرج معلناً أن مسرحيته تؤكد على الديموقراطية وتتخوف من محاولة ضربها، وان عمل بروتس كان، على عكس ما أراده القاتل، مقدمة لضرب جمهورية روما وتأسيس الامبراطورية.
التأويل يمكن أن يأخذ ملامح مختلفة، لكن ما أشارت اليه محاولة الاعتداء على العمل المسرحي النيويوركي هو ضيق الطغاة بالتعبير الديموقراطي. ترامب لا يتوقف عن التحريض ضد الصحافة والإعلام، وليس مستبعداً أن يقوده الحقد إلى مكارثية جديدة ضد الأدب.
أما اليمين الإسرائيلي فحكايته أكثر بساطة، انه يكره الفلسطينيين، فالعربي الجيد في عرفه هو العربي القتيل. وفي إسرائيل خوفان حسب درويش في قصيدته «على هذه الأرض»: «خوف الغزاة من الذكريات، وخوف الطغاة من الاغنيات». السيدة ريغيف تجسد في تصرفاتها هذين الخوفين، وإلا فما معنى أن تستفزها قصيدة بسيطة تدعو إلى إعلاء القيم الانسانية وتنتهي بهذين السطرين: «وأنت تفكّر بالآخرين البعيدين، فكّر بنفسك/ قل: ليتني شمعة في الظلام».
الصراع بين ترامب وشكسبير وبين ريغيف ومحمود درويش ليس متكافئاً. عدم التكافوء لا يعني أن الكفة تميل لمصلحة من يملك السلطة، كما يظن البعض، لأنه يستطيع قتل أعدائه أو وضعهم في السجن، بل تميل لمصلحة الأدب. صحيح أن كتائب فرانكو قتلت لوركا، وأن المستبدين أرسلوا الجواهري إلى المنفى، وأن ابن المقفع قطع جسمه وأحرق حتى الموت… غير أن الزمن أخذ بثأر الأدب من القتلة. شكسبير مات من زمان، لكن الطاقات الروحية في نصوصه لا تزال حية، وهذا حال درويش ولوركا وابن المقفع والجواهري والى آخره…
النص لا يموت، لذا تبدو معركة الطغاة مع الثقافة عبثية وبلا معنى. فهؤلاء الذين أتت بهم وحشية التاريخ إلى السلطة، ليسوا سوى عابرين إلى النسيان، أما النتاج الثقافي والأدبي فيحفر بصماته على وجدان البشرية ولا يمّحي.
لا ترامب ولا ريغيف ولا كل الطغاة يستطيعون أن يمحوا كلمة واحدة من ذاكرتنا، جلّ ما يستطيعونه هو تمثيل دور صغير على مسرح الجريمة، قبل أن يذهبوا إلى العدم الذي أتى بهم من عتمة الأزمنة.

شكسبير في نيويورك!

الياس خوري

- -

8 تعليقات

  1. الشكر الجزيل لك أستاذ الياس على هذا المقال القيم. أني أغبطك على أسلوبك الرائع الذي تناولت به الموضوع والطريقة التي تم بها ربط الأفكار وسردها والمقاربة المرسومة في تبسيط الحبكة اضافة الى الكلمات المنتقاه التي تشد القارئ حتى النهاية. كلمة أديب قليلة عليك ،،، الى الامام يا صديقي.

  2. Shukran ustad Elias
    فهؤلاء الذين أتت بهم وحشية التاريخ إلى السلطة، ليسوا سوى عابرين إلى النسيان

    Saleh Oweini
    Stockholm

  3. Ustad Elias shukran
    A true Eye opener
    فهؤلاء الذين أتت بهم وحشية التاريخ إلى السلطة، ليسوا سوى عابرين إلى النسيان
    Saleh Oweini
    Sweden

  4. مقال جميل وبارع فعلا..
    ولكن بالنسبة إلى الشاعر محمد مهدي الجواهري.. على الأخص.. صحيح أن طغاة العراق من أمثال صدام حسين أرسلوه إلى المنفى.. إلا أن طغاة الشام من أمثال حافظ الأسد استقطبوه في ربوع “الوطن”.. وعلى أثر هذا الاستقطاب، صار محمد مهدي الجواهري في آخر أيامه شاعر بلاط بحق وحقيق يمدح الطغاة وزبانيتهم ومن يواليهم.. ومن منا لا يعرف قصيدة الجواهري الشهيرة ذات المطلع “شممتُ تربك لا خبا ولا مذقا”، القصيدة التي يمدح فيها الطاغية حافظ الأسد، والتي غنتها ميادة حناوي للغاية نفسها؟..
    ترى هل استقطب الطاغية حافظ الأسد الشاعر المنفي محمد مهدي الجواهري من أجل سواد عيونه أم بسبب من “شيعيته” أم كرها بالطاغية الآخر صدام حسين؟..
    أيا كان الجواب، في الحقيقة، شعراء مذبذبون من أمثال محمد مهدي الجواهري هم أسباب معظم البلايا التي ابتليت بها بلادنا المنكوبة.. !!

  5. أحسنتِ يا أختي النبيهة آصال على هذه الملاحظة التي جاءت في محلها فعلاً …
    لا شك أن شعراء مذبذبين من أمثال محمد مهدي الجواهري هم أسباب معظم البلايا التي ابتليت بها بلادنا المنكوبة …
    يعني هناك شعراء مختصون بهذا الغرض الشعري … المديح بالذات … لم يمدحوا الرسول نفسه كما مدح محمد مهدي الجواهري الطاغية المستبد حافظ الأسد في قصيدته والتزلفية والتملقية المشهورة… حتى من البيت الأول من هذه القصيدة يذكّر الشاعر متلقيهِ بطريقة غير مباشرة بهذا “التزلف” وهذا “التملق” …
    شَمَمْتُ تُرْبَكِ لا زُلْفى ولا مَلَقا / وسِرْتُ قَصْدَكِ لا خِبّاً ولا مَذِقا
    يا حافِظَ العَهْدِ يا طَلاّعَ أَلْوِيَةٍ / تَناهَبَتْ حَلَباتِ العِزِّ مُسْتَبَقا
    يا حاضِنَ الفِكْرِ خَلاّقاً كأنَّ بِهِ / مِن نَسْجِ زَهْرِ الرُّبى مَوشِيَّةً أَنَقا
    لكَ القَوافي وما وَشَّتْ مَطارِفُها / تُهْدى وما اسْتَنَّ مُهْدِيها وما اعْتَلَقا
    مِنَ العِراقِ مِنَ الأرضِ التي ائْتَلَفَتْ / والشَّامِ ألْفاً فما مَلاَّ ولا افْتَرَقا
    يا جَبْهَةَ المَجْدِ أَلْقَتْ كَرْبةٌ ظُلَلاً / مِنَ الشُّحوبِ عليها زِدْنَها أَلَقا

  6. أخي الياس مع الشكر الجزيل أنتظر المقال من أسبوع لأخر لكي أخذ قسطاً من الأمل حقاً.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left