استراتيجية أمريكا الجديدة: ادفع تسلم!

د. فيصل القاسم

Jul 01, 2017

لا يمكن أن نفهم الأزمة الخليجية الحالية أبداً بمعزل عن تصريحات وتغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء حملته الانتخابية قبل أن يصل إلى البيت الأبيض. الرجل كان صريحاً إلى حد الفظاظة والفجاجة. لم تعد أمريكا ترى في حلفائها العرب حتى شركاء رمزيين، بل مجرد بلاد فيها أموال ولا بد من تجريدها من ثرواتها حتى آخر مليم مقابل الحماية الأمريكية. يقول ترامب في إحدى تغريداته قبل زيارته «التاريخية» إلى السعودية: «ينبغي على العرب أن يدفعوا مليارات كثيرة للولايات المتحدة مقابل دفاعنا عنهم، ومن دوننا سيسقطون».
وفي تغريدة أخرى، يقول ترامب: «هؤلاء لا شيء سوى أبواق فارغة ومتحرشون وجبناء. لديهم المال وليست لديهم شجاعة».
ويضيف ترامب في تغريدة أخرى: «أخبروا العرب بأننا نريد النفط مجاناً على مدى عشر سنوات مقبلة وإلا لن نحمي طائراتهم الخاصة.. ادفعوا». ثم يسخر ترامب من الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه قائلاً: «هل ترون كيف تتلاعب بعض الدول العربية بزعمائنا السياسيين الأغبياء جداً كي يحموها من الدولة الإسلامية…لماذا لا يدفعون؟» ولا ينسى ترامب في إحدى تغريداته البعبع الإيراني كي يبتز العرب أكثر، فيقول: «نحن نستعد لحماية بعض الدول العربية أمام إيران وآخرين عن طريق إرسال السفن الحربية. كم سيدفعون مقابل هذه الحماية؟» ثم يلخص الرئيس الأمريكي استراتيجيته الجديدة بتغريدة توجز مشاريعه المستقبلية بعد الوصول إلى السلطة: «أنتم تجنون مليار دولار يومياً من النفط وأنتم تريدون مساعدتنا لحمايتكم، لهذا لا بد أن تدفعوا بسخاء..لا مجاملات». ولا ينسى ترامب أن يذكّر العرب بضعفهم وقلة حيلتهم في الحروب والدفاع عن بلادهم، فيدعوهم في تغريدة استفزازية بأن « يقاتلوا حروبهم الخاصة وهم لن يقوموا بذلك، لهذا يجب أن يدفعوا لنا ثروة مطلقة لحمايتهم، لا سيما وأن ثرواتهم الضخمة بالتريليونات». ولا يتردد ترامب في تغريدة أخرى أن يخاطب العرب بعبارات احتقار واضحة: «أريد أن أعرف الذين نساعدهم كم مستعدون للدفع ثمناً لحفظهم من الانقراض الكلي..ادفعوا الآن».
لقد كشرت أمريكا عن أنيابها تماماً، ولم تعد حتى تتحدث بلغة سياسية ودبلوماسية، بل صارت تتصرف بلغة الكاوبوي بشكل صارخ. نحن نريد الثروات العربية على بلاطة، وإلا اختفيتم أيها العرب عن وجه المعمورة، لأن بقاءكم مرتبط بنا. يكفيكم أن تأكلوا وتشربوا، أما ثرواتكم فيجب أن تكون كلها تحت تصرفنا وفي خدمتنا. وهذا يذكرنا بالتهديد الذي أطلقه ثعلب السياسة الأمريكية هنري كسنجر قبل أكثر من نصف قرن تقريباً عندما هدد العرب بعد أن قطعوا البترول عن أمريكا أثناء حرب تشرين عام 1973 بأنهم سيدفعون كل سنت جنوه من بيع النفط في يوم من الأيام. ويبدو أن هذا اليوم قد حل أخيراً، فها هو الرئيس ترامب وقد حصل على حوالي نصف تريليون دولار خلال زيارته الأخيرة فقط من السعودية، وهو مبلغ خيالي حتى بالمقاييس الأمريكية. ولا ننسى أن قانون جاستا سيئ الصيت هدفه الاستيلاء على الاستثمارات السعودية في أمريكا كتعويضات مزعومة عن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. وبعد حصوله على جزء من الجزية، لم يعد يوجه ترامب التهديدات للسعودية، ونسي كل تغريداته الوقحة السابقة، لكنه راح يهدد بلداناً أخرى ويحرض عليها كي تفعل الشيء نفسه. في الظاهر يتهمون قطر بتمويل الإرهاب، لكن الحقيقة أن كل الاتهامات السخيفة ليست سوى ابتزاز مفضوح لنهب ثروات البلدان التي لا تدفع الجزية لأمريكا.
لم تعد أمريكا تكتفي بفرض صفقات السلاح بمليارات الدولارات على الدول العربية، فتلك المبالغ التي كنا نعتقد في السابق أنها خيالية أصبحت بالنسبة لأمريكا في عهد ترامب مجرد فكة ولا تروي جشع العم سام في أمريكا، بل أصبح مطلوباً «التكويش» على «تحويشة العمر» الخليجية. لم تعد أمريكا ترى في بلادنا وخاصة دول الخليج أكثر من محطة بترول كما وصفها ذات يوم الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان. كل ما تريده أمريكا من المنطقة ملء خزاناتها من محطة الوقود وليذهب أصحاب المنطقة إلى الجحيم. لم تعد أمريكا ترى فينا سوى كائنات جديرة فقط بالأكل والشرب والعيش تحت الحماية الأمريكية. ولا ندري إذا طالبتنا أمريكا قريباً بالصناديق السيادية المخصصة للأجيال القادمة ضاربة عرض الحائط بحقوق الشعوب ومستقبل أجيالها.
لاحظوا كم تكررت كلمة «ادفعوا» في تغريدات ترامب المذكورة أعلاه. لاحظوا كم مرة ذكر كلمة المليارات والتريليونات. لاحظوا كيف كانت لغته قبل الدفع مليئة بالاحتقار والازدراء للعرب، ولاحظوا كيف بلع الرئيس الأمريكي كل تهديداته وتغريداته ضد السعودية بعد أن سدوا بوزه بحوالي نصف تريليون دولار. بالأمس كان ترامب يصف السعودية بمهد الإرهاب، وكان يصف السعوديين بأنهم أبواق فارغة، لكن السعوديين غدوا بعد أن أخذ الجزية منهم أصدقاءه التاريخيين، وأصبح القادة السعوديون أحبابه الحميمين. باختصار شديد، فإن الأزمة الخليجية في عمقها لعبة ابتزاز وتشليح مالي بالدرجة الأولى. الطبل في دولة «إرهابيا»، والعرس في الحقيقي في دولة «أمواليا». ادفع تسلم!

٭ كاتب واعلامي سوري
falkasim@gmail.com

استراتيجية أمريكا الجديدة: ادفع تسلم!

د. فيصل القاسم

- -

22 تعليقات

  1. Yes Dr. Faysal
    USA is blackmailing Arabs countries and
    the siege that applied on Qatar is because Qatar refused to be blackmailed by Trump

  2. بسم الله الرحمن الرحيم. السلاح الذي يبيعونه للسعودية هو سلاح لا يصلح إلا للقتال الداخلي يعني ضد الشعب وضد دول الخليج فيما بينها ولا يؤثر البته على أمن أسرائيل التي اشترت الكثير من الغواصات النووية إذا كانت السعودية صديق تاريخي للأمريكان لم لا تزودها الأخيرة بغواصفات نووية .. ما ترك قوم الجهاد إلا أذلهم الله أكثر ما يذل الإنسان الرفاهية الإنسان السعودي والخليجي تعود على الإسراف لا يستطيع أن يصنع وكل شي صغير أو كبير يستورد له عامل كيف سيدافع هذا (الإنسان) عن بلاده وثرواته أغنى رجل بالعالم بيل غيتس قال في لقاء صحفي أنا أعطي أولادي القليل فقط من المال ولا أتركهم يعيشون برفاهية مفرطة خشية أن يتعودوا على الكسل ولا يعملوا فكرامة الإنسان وقيمته فيم ينتج و يعمل . حسبي الله ونعم الوكيل .

  3. العرب في زماننا هذا = الكلام +الأكل = الترف والمجون و النوم …

  4. نعم كان ترامب صريحا بدون لف ودوران ولكن المؤسف أنه استتقبل استقبالا باهرا ولم نسمع تقريع للرئيس الأمريكي من أي مسؤول سعودي على هذه التصريحات الساخرة والإستفزازية في حق السعودية وعاد ترامب إلى بلده بعد أخذه خراجا دسما.

  5. لقد دفعوا بالتي هي أحسن، ودفعوا بسخاء كي يرضى عنهم ابو إيفانكا، يا حسرتي على الكرامة والشهامة

  6. المال هو عقلهم الذي يفكرون لهم به.
    لو لم يكن لديهم المال فمن يلتفت إليهم؟
    فلا على حياة البداوة استمروا ولا حياة الترف أتقنوا.
    سَلبوا فسُلبوا.

  7. بالله عليكم متى كانت أمريكا دولة عظمى بخدمات مجانية؟ كفاكم عبثا. نعلم الحرقة في القلوب لكن تسطيح الأمور لمخاطبة عواطف الشعوب بدل عقولها لا يخدم سوى المتربصين. دكتور فيصل أنت تعلم أن ترامب ليس سوى رئيس أمريكي صريح ويفكر بصوت عال. نحن ندفع منذ زمن. فلنناقش جوهر الأمور .

  8. لا ياسيدي العرب لن ينتهوا بدون حماية هذا الأحمق
    إنما يقصد بعبارت النهاية التي أطلقها هي نهاية قصور المال والجنس والرقيق الأبيض التي يعيشها حكام العرب .نحن نعرف أن الرئيس الأمريكي رئيس موظف منفذ لسياسات مؤسسات عسكرية ولوبيات داخل البيت الأبيض فسياسة شفط الصناديق السيادية لملوك وأمراء العرب هو أمر مهد له صانع القرار الأمريكي قبل ترامب وتحديدا عندما سمحت أمريكا لإيران باحتلال أربع عواصم عربية مهددة بذلك قصورهم لذلك فإن ترامب بسياسة شفط الصناديق إنما يقطف سياسة أمريكية رسمت سابقا بإطلاق البعبع الإيران وصولا للوصاية والحماية وشفط الدهون المالية المتراكمة حول البطن الخليجي الذي لايهمه سوى قصور المال والجنس والرقيق الأبيض إلا أن تكون عامرة ولتذهب مقدرات الشعوب إلى الجحيم .
    لذلك عزيزي الدكتور فيصل أنا مع الدكتور النفيسي عندما تنبأ أنه خلال سنوات قليلة لن يكون الخليج كما عرفناه اليوم.

  9. الجزية .
    و لم لا ؟؟!!!
    يا من أعرضتم عن دين الله و اتخذتم كتابه مهجورا مستبدلين العز بالذل وووووووووووووووووو

  10. ادفع تسلم .
    كلام صحيح و لا أراه إلا بغضب من الله على هؤلاء الذي مصوا دماء الوافدين مصا عجيبا و نهبوهم نهبا ما بعده نهب و لذلك سلط الله عليهم من يفعل بهم ما فعلوه و يفعلوه بغيرهم , ا.

  11. “«ينبغي على العرب أن يدفعوا مليارات كثيرة للولايات المتحدة مقابل دفاعنا عنهم، ومن دوننا سيسقطون».”
    فها هم ساقطون رغم دفعهم الجزية الى”الترانب ” أمام أعين العالم…

  12. الأستاذ فيصل.. أنت تنتقد الوسائل والحيل الابتزازية الدنيئة التي يلجأ إليها الرئيس الأمريكي المعتوه دونالد ترامب.. من خلال تكراره كلمة «ادفعوا» وكلمتي «المليارات» و«التريليونات» في تغريداته الموجهة إلى السعوديين المذكورة أعلاه.. وهذا انتقاد محق ولا غبار عليه البتة..
    ولكن ماذا عن السعوديين أنفسهم.. وأقصد زبانية العائلة المالكة الذين «سدوا بوز ترامب بحوالي نصف تريليون دولار» على حساب قوت الشعوب العربية المغلوبة على أمرها، شاءت أم أبت؟..
    ولكن ماذا عن الخليجيين من أمثالهم.. وأقصد أيضا زبانية العوائل المالكة الذين لن يتوانوا في «سد بوز ترامب بأكثر من نصف تريليون دولار بكثير» على حساب قوت تلك الشعوب إذا لزم الأمر؟..

  13. “””استراتيجية أمريكا الجديدة: ادفع تسلم!””” !! ، ليس بالضرورة يا دكتور، أمريكا طبعها الغدر دائما، صدام دفع أموالا طائلة لشراء أسلحة برعاية وزير الدفاع الأمريكي آنذاك “دونالد رامسفيلد” ورغم ذلك لم تسلم العراق ورئيسها من الغدر، يجب أن تتعلموا يا عرب أسلوب أمريكا في قتال ومناكفة العرب وأن مخططاتهم أبعد مما تتصورون ولا تقتصر على التهكم والسخرية والتشخيصات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنا أقترح عنوان لهذا المقال يكون أكثر جدية وواقعية وهو: “إمتلك السلاح النووي تسلم”، المال لا يستطيع شراء كل شئ. أنا ما زلت متعجبا لماذا لم ترفع أية دولة عربية دعوى تثبت فيها بأن أحداث 11/09/2001 هي من صنع أمريكا وبشهادة علمائها وخبرائها في البناء وروسيا تمتلك الدليل الحسي إلى جانب ذلك ولطالما هددت به أمريكا بالكشف عنه مقابل بعض الملفات المشتركة، لماذا لا يجرؤ العرب على رفع هكذا دعوى وصمت العرب بما يسمى الإرهاب منذ البداية؟؟؟.

  14. استاذ فيصل هذه الامور من البديهيات التي يعرفها كل من وهبه الله العقل ولااعتقدا ان احدا ينكر ذلك وهذه هي حقيقة سياسة ترامب الجديدة الواضحة ولكنك لاتنسى يااستاذ انك واخرين كنتم تلوحون بالعصا الامريكية وتتفاخرون بها ولازلتم بانها هي التي تنهي الدولة الدكتاتورية في سوريا؟ فهل كنت تصدق ذلك ام انك لم تكن تدرك اهداف السياسة الامريكية ,ستقول لي لا هدفنا هو تحرير الشعب السوري من الديكتاتورية ومن الاستبداد وانا اقول لك حسنا وهل كنت تصدق انهم يفعلون ذلك؟ اما كنت تصرخ ليلا ونهارا عن احتلال العراق وترفض بل وتسخر وتستهزء بمن كان يريد دعم الامريكان من اجل اسقاط سلطة ديكتاتورية اخرى في العراق؟ فهل الامريكان في العراق يختلفون عن الامريكان في سوريا وهل هناك ديكتاتورية حسنة وديكتاتورية قبيحة؟ رغم ان نظام بشار قبل بداية الازمة في سوريا لم يرتكب الفضائع والجرائم التي ارتكبها نظام صدام؟ فهل هي السياسة اما ماذا ؟

  15. عقاب الهي على أغنياء العرب ، الذين بددوا نعمة المال في اللهو والشهوات ، فكان العقاب من جنس العمل .

  16. للتنويه والتصحيح فقط : العرب يدفعون منذ عشرات السنين للخواجة سام وابناء عمه…ثلثى ثروات العرب عامة والخليج خاصة مكدسة فى خزائن سام وابناء عمه…فقط للتصحيح د. فيصل

  17. ومن قال لك يا دكتور فيصل ان هذه الصناديق السيادية هي للأجيال القادمة
    هي للأجيال القادمة من صلبهم اي لاولادهم واحفادهم ولن نرى منها مليما واحدا
    فلياخذوها فعلى اي حال لن يصرف علينا منها فلسا واحدا !

  18. *المعادلة واضحة وبعض ملوك وأمراء العرب
    مستعد يحول بلده تابع ذليل لأمريكا
    مقابل الحفاظ ع (الكرسي)..؟!
    *جهل انحطاط وسقوط نحو الهاوية..
    حسبنا الله ونعم الوكيل.
    سلام

  19. المسلمون (عرب وعجم) حوالي ستين دولة
    وبعدد سكان يقارب المليارين وليس لهم
    ثقل سياسي او استقلال حقيقي بل هم يدورون
    في فلك الأنظمة الرأسمالية الكبرياالمستعمرة
    لحفظ كراسيهم المعوجة والاستمرار في
    حياة البدخ والملذات وشعوبهم لا حول لهم
    ولا قوة والذي يرفع راْسه مصيره السجن اوالموت
    فالي متي تبقي هذه الشعوب نايمة نوم اهل
    الكهف؟ وهل هناك أمل في التغيير الي
    الأفضل؟ اجل هناك أمل بالتغيير الي الأفضل
    اذا ما آمنوا بوحدة الامة السياسة وعملوا بجد
    لإقامتها . انه لا يصلح امر هذه الامة الا بما صلح
    به أولها. بغير الوحدة أيها الاحبة لا تحلموا
    بغير الذل والهوان والاستعباد من الحكام
    واسياد الحكام والكرة في ملعب شعوبنا
    شيبها وشبانها رجالها ونسائها ومثقفيها.
    الكل عليه واجب العمل لوحدة الامة التي بها
    نعيش اعزة احرار ومقدرين من كل شعوب
    الارض.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left