المختارة أو أم أيمن الفلسطينية الصلبة

Jul 15, 2017

غزة – سمر الدريملي: «المختارة»..هكذا بدأ أهالي الحي ينادونها بدلاً من أم أيمن. المرأة التي لم تتجاوز الـ(40) عاماً، خير نموذجٍ تحتذي به النساء في الصلابة والتحدي والوعي بكينونتهن؛ حيث تحوّلت من امرأةٍ «بدويةٍ» ضعيفةٍ وفقيرةٍ إلى امرأةٍ قائدةٍ ومنتجةٍ وصانعة قرارٍ في بيتها، وفي منطقة سكانها في «السوارحة الغربية» وسط قطاع غزة، وذلك بعد أن تعرفت صدفة على مشروع لتمكين النساء الريفيات والمساواة بين الجنسين في المناطق الفلسطينية المحتلة.
فخلال تواجدها في المستوصف الطبي القريب من بيتها، استمعت لنساءٍ يتحدّثن عن المشروع؛ فاندمجت معهن، وأخذت تستفسر عن تفاصيل أكثر؛ حتى انخرطت عملياً في أنشطة المشروع، وأخذت تتلقّى تدريباتٍ وورش عملٍ حول موضوعاتٍ مختلفةٍ منها: (الجندر- الثقافة الجنسية- التسرّب المدرسي- صحة المرأة- الصحة العامة- المراهقة) ومن ثمّ؛ أخذت تنقل ما تعلمته للسيدات والرجال في منطقة سكناها، حيث تجمعهم في «نادي السوارحة النسوي».
بعدها، بدأت تتطلّع لمناطق مهمّشة أبعد، وبحاجة أكثر مساساً لنشر مثل هذه الثقافات والمعارف مثل: (وادي السلقا- الزوايدة- المغراقة- رفح الشوكة – منطقة المنارة – حي السراطين ما بين خانيونس ورفح- وحي الزيتون بمدينة غزة).
وتعيش أم أيمن الحاصلة على شهادة الثانوية العامة في بيتها الذي لا يتجاوز الـ (120) متراً بصحبة أولادها وبناتها الستّ وأحفادها الثلاثة الصغار، وبنتها البكر التي تعاني من مرض التوحّد؛ فيما لديها ابنٌ بطيء التعلّم.
تقول لـ «القدس العربي»: «نظرتي لنفسي وللنساء تغيّرت بشكلٍ جذريٍّ.. أنا أؤمن بكل ما سمعته في ورش العمل عن أهمية النساء ودورهن في مجتمعاتهن، ونتيجةً لذلك أقوم بنقل كلّ ما تعلمته بكل ما أملك من قوةٍ وطاقة، حتى أنني لا أوفر يوم الجمعة؛ فلا يوجد في قاموسي ما يُعرف بـ «يوم الإجازة» بل إنني إن لم أجد كراسي كافية للنساء في ورشات العمل أُحضر كراسي بيتي بنفسي..».
وتضيف: «..انتبهت إلى أهمية إشراك الرجال في الورش والتدريبات التي نقوم بعقدها، مما دفعني إلى الذهاب إليهم في أماكنهم الخاصة مثل: الشق والخصّ وقد استهجنوا الفكرة في البداية، ومن ثمّ؛ اقتنعوا بها، وبدأت شرائح كبيرةٌ منهم تنخرط جنباً إلى جنب مع النساء في كلّ ما يُعـقد من ورشٍ وتدريبـات».
«أتمنى أن أصل لكلّ امرأةٍ في الأرض فأعلّمها وأثقّفها وأوعّيها بأهميةِ دورِها في المجتمع»،
تقول أم أيمن، بعد أن كانت في السابق تستحيي أن تذهب للمستوصف لعلاج بنتها بمفردها، فتصطحب زوجها في كلّ مشوارٍ وإلى كلّ مكان.
فقد أصبحت، كما تؤكد، تشعر بقيمة ذاتها، وتشعر بسعادةٍ لا توصف عندما تأتي امرأةٌ أو رجلٌ للاستشارة أو نقاش بعض المشكلات البيتية أو الزوجية، بل وفي إبداء الرأي أحياناً في الموافقة على عريس تقدم للخطبة أو عدم الموافقة.
ولعلّ من أبرز الإنجازات التي تفتخر بها أم أيمن أنها ونتيجة ورشاتها التثقيفية حول موضوع التسرّب الدراسي مع الأهالي والطلبة؛ قلّت نسبة التسرّب الدراسي في مدارس منطقتي السوارحة ووادي السلقا؛ بشهادة مسؤولي المدارس هناك، مما دفع عدداً منهم لتقديم شهادات شكر وتقدير لدورها الواضح في ذلك.
وكانت قد بدأت مشروع خياطةٍ خاصاً بها في العام 2004 بعد أن حصلت على منحةٍ ماليةٍ بقيمة (600) دولار من إحدى الجمعيات النسوية حيث امتلكت هذه المهارة قبل أن تتزوج، ونتيجة التغير الإيجابي الذي طرأ في جميع نواحي شخصيتها ومهاراتها؛ تمكّنت من توسيع مشروعها وإدارته بشكلٍ أكثر نظاماً وأقوى من ذي قبل.
أم أيمن كانت تحيا حياةً ملؤها الضنك والنكد وتأنيب الضمير، كما تقول، بسبب إنجابها لفتاةٍ بكرٍ تعاني مرض التوحّد، إذ «توحدت» إلى جانبها، وعاشت بعيدةً عن الاختلاط بالناس والانطلاق إلى المجتمع.
لكنها وبعد انخراطها الفاعل في المجتمع تحولت حياتها بشكلٍ جذريّ، وأصبحت تمتلك طاقةً خلاّقةً للعطاء والإبداع.. وشغفاً لا ينضب لمعرفة كلّ ما هو جديد في عالم النساء، حتى أصبح جميع من في المنطقة يسمونها «المختارة».
ليست أم أيمن لوحدها الآن اخترقت هذا المجال الذي كان حكراً على الرجال في غزة، بل هناك عدد لا بأس به من المختارات اللواتي لمع نجمهنّ، وأصبحنّ يعرفن بقدرتهن على حل المشكلات سريعاً قبل تعقدها وإحالتها لأروقة المحاكم والقضاء ودخولها مرحلة التسويف والتأجيل، مع الأخذ بعين الاعتبار إنصاف المرأة كما الرجل في هذه القضايا؛ لا حلها على حساب المرأة لصالح الرجل كما كان يحدث في الكثير من المشكلات التي يعكف على حلها «مختار».
وترى الأخصائية النفسية نسرين البشيتي، أن النساء اللواتي يقمن بشرح شكواهن للمختارات يشعرن براحة أكبر في شرح التفاصيل التي غالباً ما يخفين بعضها عن الرجال حتى لو كانوا «مخاتير»، وهو ما يزيد ظلمهن لعدم وضوح المشكلة بكل تفاصيلها لدى طرفي النزاع، مشيرة إلى النساء المختارات يدركن فحوى كل شكوى وكل تفصيل تقوم النساء بالبوح به خاصة وانهم نساء مثل بعضهم البعض.
يذكر أن العديد من المؤسسات النسوية بقطاع غزة انتبهت لهذه الفئة النوعية وبدأت بتدريبهن وصقل مهاراتهن ليصبحن على قدر عال من المسؤولية الموكلة لهـن.

المختارة أو أم أيمن الفلسطينية الصلبة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left