مظلومية السنة بدون لسان

إيلي عبدو

Jul 17, 2017

فاقت عذابات أهل الموصل، قتلاً وتهجيراً وتدميراً، أي احتفاء باستعادة المدينة من سيطرة تنظيم دموي استثمر في مظلومية السكان وخلل علاقتهم مع حكومة الغلبة الشيعية ليستحكم ويتملك زمام السلطة وصولاً إلى إخضاع البيئة الأهلية لقوانينه وشرائعه.
والعذابات، التي أظهرت أخيراً صوراً وفيديوهات كاشفة عن بشر عادوا إلى عصور بدائية لانعدام شروط الحياة من أكل وشرب وملبس، لم تحرّك رأياً عاماً أو مجموعات ضغط، ذاك أن صوت الحرب ضد تنظيم «الدولة» و»الانتصارات» المزعومة عليه تبدّت غطاء حيال ما نتج من مآس. والحرب تلك، وإن امتلكت مشروعية دولية استناداً لهوس «مكافحة الإرهاب» دون مشاريع سياسية، افتقدت إلى بناء صلات مع الأهالي المتروكين راهناً لتنظيم متطرف، وسابقاً لحكومة انتقام طائفي. فبات هؤلاء مشرّعين لاحتمالات الاضطهاد والظلم، بمستويات مختلفة.
فهم ضحايا قسوة تنظيم «الدولة» لأنهم سبق أن كانوا ضحايا الحكومة السابقة، والأخيرة ستتولى، بنسختها الجديدة حشداً ومليشيات وجيوشاً ثأرية الهوى، استكمال دورة العنف ضدهم. وتموضع الجماعة السنية الموصلية بين مضطهديها، بدافع التخلص من ظلم للوقوع في آخر، هو استعراض كاشف لعلاقتها بالقهر الذي يصيبها. فإذا تجبّر واستكبر «خصم» طائفي، استُحضر «التطرف» منقذاً ومخلصاً، في تكرار ممل لمأزق يتواصل استنساخه في سوريا ولبنان ومطارح أخرى في المشرق. ما يعيق تأسيس حساسية لعلاقة الجماعة مع مظلوميتها تؤلف بين الأبعاد الحقوقية والسياسية، سردية لمخاطبة العالم واقناعه بالالتفات نحوها.
والإعاقة لها جذر متصل بالتجارب التاريخية للسنة الذين اعتادوا تلبس أحوال القوة وتمثيلها سياسياً، فيما الضعف فكان اختباراً دائماً لأقليات تبلور حولها، بفعل الأدبيات الغربية، خطاب مظلوماتي يحسن أصحابه استثماره ليس فقط لاستحصال الحقوق وإنما لقضم أخرى ليست لهم.
والسنة الموصليون، وإن سلبت منهم قوة الحكم بسقوط النظام السابق، لا يستسيغون ضعفهم هذا ويترجمونه سياسة وقولا ولغة، بل يستعيدون قوتهم عبر تنظيم متطرف سرعان ما يتبين عدمية الاتكاء عليه.
وحال القوة التاريخية الملتصقة بصورة السنة، تساعد خصومهم على نكران محرقتهم الراهنة. ذاك أن «الأمة» في عرف هؤلاء لا يمكن أن تتعرض للاضطهاد من قبل أقليات متفرقة. وتثبيت الجماعة الأكثرية على صورتها كحاكمة ومتسلطة رغم تهتكها وانهيار شروط صمودها، يرمي إلى كبح إمكانية بروز أي خطاب مظلوماتي يسلط الضوء على التهجير والتغيير الديمغرافي والقتل والقصف والنزوح والاعتقال، في العراق وسوريا ولبنان.
لسان المظلومية السنية، مقطوع من الجماعة نفسها التي توزع مصائرها بين الأقوياء مهما كانت ايديولوجيتهم لاستعادة وهم القوة التاريخية المتمثل بالدولة المركزية. هي تمارس علاجاً نفسياً جماعيا ضد ضعفها بدل اعتماده حالاً وجبت ترجمته في السياسة.
واللسان مقطوع كذلك، من خصوم الأكثرية الذين يغذون صورتها حول نفسها بوصفها «أمة» لا تضعف، مستثمرين بوهمها لتحقيق مزيد من المكاسب على حسابها، دون التحسس لدورات العنف التي لا يذهب ضحيتها السنة فقط، وإنما من يقنعهم بأنهم أقوياء ليزيدهم ضعفاً.

مظلومية السنة بدون لسان

إيلي عبدو

- -

2 تعليقات

  1. لم نسمع سابقا شيءا اسمه مظلومية السنة الا بعد ان ظهرت الاصوات الطاءفية النشاز في الاعلام العربي التي ارادت من خلالها ان تظهر انها مدافعة عن مجموعة من الشعب العراقي ولكنهم في نفس الوقت يتناسون السنة الاكراد والتركمان .هذا لا يعني ان العراق لم يكن طاءفيا قبلها ولم يتعرض بعض مكوناته او اغلبها لظلم الانظمة السابقة .كل ما في الامر ان بعد عام 2003 استلم السلطة رغم وجود انتخابات صحيحة وديمقراطية مجموعة من الساسة الفاسدين والانتهازيين استغلوا الدين كوسيلة لخداع جماهيرهم وكذلك فعل الساسة الاكراد قاموا بنفس الشيء ولكن بنفس عنصري وقاموا بتقاسم السرقات من خلال الوزارات ومجلس النواب ولكي يستمروا بخداع الناس لا بد استمرار القتل والفتنة والحروب اما المظلومية فهي عراقية بامتياز يتقاسمها كل ابناء العراق ولو استعرضنا ما تعرض له الايزيديين والمسيحيين من ظلم لخجلنا من مصطلح مظلومية السنة

    • أولا تحيه اكبار إلى الكاتب النزيهة صاحب القلم الجريء الأستاذ أيلي عبدو على ما يتطرق إليه من مواضيع، بالأمس القريب كنت تدافع بقلمك الشريف عن الأخوه اللاجئون السوريون وما تعرضوا له من أحداث مفتعله وممنهجه في مخيمات اللجوء في لبنان، واليوم هذا قلمك المتميز يدافع عن مكون من مكونات المجتمع العراقي تعرض لأشد أنواع الظلم والقتل والتشريد بمستوى كلام يفوق ما يمكن أن يصدر حتى عن معظم المسؤولين من أبناء المكون السني فلك التحيه والاحترام.

      المعلق ألأخ سلام عادل،،مع احترامي لرأيك هذا الكلام غير دقيق، ما تعرض له الأخوه الايزيديين والمسيحيين كان على يد تنظيم ارهابي لم يشهد التاريخ بمثل دمويته وتطرفه،، وحتى أن أبناء السنه تعرضوا لغيرهم من ويلات وبطش هذا التنظيم الذي حسب (ظلما) على أهل السنه،،،بل أن أهل الموصل يدفعون للأن ثمن حساب هذا التنظيم على طائفتهم،
      لا أحد يستطيع أنكار ما تعرض له الايزيدين والمسيحيين على أيدي هذا التنظيم وكنا من أول واكثر من أدان هذه الأعمال الاجراميه،،،أما أن نتنكر لمظلوميه أهل السنه فهذا لا يجوز،،وكان ممكن أن نتوافق على ما ذكرت من أن المظلوميه أنما هي عراقيه بامتياز ولكن مع بعض الاستثناء الآن،،
      نسأل الله العلي القدير أن ينعم بالسلام (سلام عادل) والأمن على أخوتنا في العراق وفي كل الأقطار على اختلاف مشاربهم ومنابعهم
      مع الاحترام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left