خلايا نائمة

بروين حبيب

Jul 17, 2017

تحت خبر وفاة كاتبة عربية على أحد المواقع شتائم غريبة طالت الرّاحلة، من أمنيات لتذهب مباشرة إلى النّار إلى تحذير لبنات جنسها من أن مصيرهن الموت بالطريقة نفسها، إن تبرّجن مثلها ومشين في طريق الكتابة، لهذا عليهن الاتعاظ. بشاعة غريبة انبثقت من نفوس شبان وشابات قرأوا الخبر، وحقد لا تفسير له تجاه المرأة التي لا يعرفها إلاّ قلّة نادرة من النخبة.
الخبر للأسف لا ينتهي هنا، لأن هذا النوع من البشر أصبح هو «الممثل» الحقيقي لنا، فهو ينفث سمّه بمناسبة وبغير مناسبة في كل الاتجاهات، الخبر الحقيقي هو، لماذا يسمح لهذه الآراء أن تظهر؟ ولماذا هذه الأحقاد الخفية من طرف بعض النخبة التي تمسك بدفة الإعلام العربي؟ وما الهدف من طعن المثقف للمثقف؟ هل يمكن أن تخفي الأجوبة ما لا نعرفه؟ أم أنها تخفي لامبالاة لا تفسير لها سوى أنها نوع من «جلد الذّات»؟ أقرأ تلك الكتابات الهادرة بالكراهية، وأستغرب هل يستحق الموتى كل هذا الهذيان المجنون؟ وهل يرى المسؤولون عن تلك الصفحات المفتوحة للجمهور ذلك الكم الهائل من السّباب والشتائم والشعوذات الحقيرة؟ ألا ينتبهون إلى أن تصرفهم المقصود أو غير المقصود ذاك شبيه بمن ترك جثة المتوفية عارية في الطريق، وسمح لقليلي الضمير بالتنكيل بها؟ أشعر بألم وحزن كبيرين أمام ما يحدث، ولا أدري هل رياح التغيير التي بدأت تهب من الأبواب السياسية قد تطال مؤسساتنا الإعلامية والتربوية والدينية، لتقليمها جميعا من الأشواك السامة والثمار الفاسدة؟
أم أن الأمور لا تتعدى التهدئة السياسية في انتظار إيقاظ خلايا الترهيب عند الحاجة؟
إذ أشعر بأن عمليات إيقاف «الدواعش» بكل أشكالهم وتجفيف آبار تمويلهم ماديا، مجرّد عملية حربية أخرى في العلن، قد تنتهي كما نريد بشكل آني، لكنها بعيدة كل البعد عن تحقيق السلام المنشود، ما لم تنقّح كتبنا التراثية من مدائح الكراهية ودعوات القتل، وتؤلف مناهج دراسية جديدة خالية من كل الأحقاد ضد الآخر المختلف عنّا، وغلق المنابر الإعلامية التي فُتحت لكل المرضى الذين يعتقدون أنهم يمثلون الله على أرضه، يأمرون بقطع الرؤوس لأسباب لا تقنع لا العاقل ولا الأهبل، ويعاد ترتيب الفكر العربي بأفكار صحية، تدعو للسلام والحياة وبناء الحضارات بدل تدمير نفسها بنفسها.
لقد كان للموت هيبة خاصة، تلين لها القلوب، وكان نبلاء العالم لا يتمنون الموت حتى لأعدائهم، بل أن موتهم يجعلهم يشعرون بالحزن لأنهم فقدوا دعامة وقوفهم، وكان الرجل منهم حين يخسر عدوا بقامته ينتكس، فالحياة تخيّر الشخص بين أن يقف في مواجهة العمالقة أو الأقزام، ويمكن معرفة معدن أحدهم من قيمة أعدائه، لا من أصدقائه إن كانت قائمتهم طويلة وغير واضحة المعالم.
أمّا الحقيقة الأكثر صدقا وتلخيصا للموت فهي أنه منقذنا الوحيد من أحقادنا، لهذا يبدو لي غريبا أن أصادف من لا يغير الموت شيئا في داخله الملوّث. بأية مادة يمكن أن يُنسَج قلب أحدهم حتى لا يتأثر بالموت، وبآثار الفقدان التي يتركها خلفه؟ يحتاج الأمر منا إلى تحليل عميق لتركيبة الإنسان الغريبة، لفهم هذه الطفرات المخيفة، واستيعاب ميكانيزمات توالد العنف حتى في الأوساط المتعلمة والمرتاحة ماديا.
في تاريخ الفن والأدب عاش كتاب وفنانون عداوات بسبب اختلاف أفكارهم وعدم تقاطعها، لكن هذا العداء ظلّ قابعا على سقف عالٍ سواء على مستوى النقاشات أو السجالات التي شارك فيها مثقفون، أو على مستوى أحاديث المقاهي واللقاءات الشخصية. لم نسمع بإهدار دم أحدهم، إلاّ حين تسلّق « المتطرفون دينيا» منصات الثقافة وكسروا القواعد المتبعة في السِّجالات الثقافية.
كانت ظلال تلك «العداوة» تحفظ البقاء لأقطاب الفن والأدب والإبداع، وكانت الجرائد التي تعد منابر محترمة، مهما كانت توجهاتها الأيديولوجية، لا تستعمل لغة القذف والشتم والحطّ من قيمة الكاتب، والحكم عليه بالموت لإخراس صوته.
ومن دون الغوص كثيرا في هذا الموضوع، لأنه متشعب، علينا أن نبحث جديا عمّن «يطلق الكلاب المسعورة» في أثر المثقفين؟
هذه الجحور الإلكترونية التي تخرج الدواب المتوحشة من خَلفها؟ وأي نوع من «المثقفين» هذا الذي يجنّد ويبرمج للفتك بكل من يحمل نبراسا منيرا في يراعه؟
إن عرفنا أن نجيب على هذه الأحجية، فمعنى ذلك أننا وجدنا سبيل خلاصنا لإيقاف آلة الموت، وصار علينا أن نتنفس الصعداء ونبدأ بالعيش في سكينة وطمأنينة. لكن هل من السهل اليوم وسط التغيرات الكبرى التي تتعرض لها المنطقة أن تتخلى «عناكب الشبكة» عن صلاحياتها؟
الجواب صعب، هذه الشبكة أذلّت قامات كبيرة، وأسقطت رموزا، وصغّرت عمالقة، وقلبت موازين العالم لا على الصعيد السياسي فقط، بل على جميع الأصعدة وأهمها الثقافي، وتحديدا الإعلامي الذي هدم مثل بيت قديم في انتظار خريطة جديدة له، لإعادة تأسيسه بشكل جديد يناسب المرحلة.
شخصيا أتمسّك بالجريدة الورقية، التي حافظت دوما على وقارها، حتى التي كانت غطاء سياسيا غير مرغوب فيه، فقد كان من المستحيل أن يتجرأ شخص دون المستوى ويكتب شيئا مقيتا ويرسله على أمل أن ينشر. كانت بعض الجرائد قلاعا عالية الأسوار، لا يخترقها العامة، وكان أصحابها يبحثون عن أقلام جيدة، حتى إن ترأسها «الماكرون». أما اليوم فإن تقهقر أغلب المؤسسات الإعلامية ودخولها العالم الإلكتروني الفضفاض، أظْهَرَ الكثير من عورات إعلامنا، بعد أن سقط الورق السّميك الذي كان يغطي عوراته. عصر الفضاءات الافتراضية ومواقع التواصل الاجتماعي المتاحة للجميع، وارتباط كل كبسة زر سيئة كانت أو جيدة بفائدة ربحية للشبكة، كلها عناصر اجتمعت لتهزمنا، ولا أدري إن كانت عملية إعادة إعمار أخلاقي وسط هذا الانحطاط ستنقذ ما يمكن إنقاذه. وهل يمكن مثلا أن نتخطى مساحات الكراهية المزروعة في قلوب وأدمغة أجيال بأكملها على مدى مئات السنوات ونعبر لفضاء أكثر نقاء، ونرى العالم بعيون قادرة على الرؤية؟
أتمنى ذلك، وأتمنى أشياء كثيرة تخدم هذا الكائن المتوحش الذي يعتقد أن المرأة عدو له، والعلم صناعة شيطانية، والسلام من نواقض الإيمان، وغيرها من معتقدات زُرِعت خلال حقبات في رؤوس أجداده وتوَارَثها كما لو أنها جزء لا يتجزّأ منه.
لعلّها أمنية بعيدة التحقيق مادام الأدب وهو مُهَذِّب النفوس الأول ومفجِّر العبقريات يُحارَب من كل الجهات، وقد تمنيت لو أن كتاب وليام ماركس «كراهية الأدب» مترجم للغة العربية أوالإنكليزية لأطلع على ما تعرض له الأدب من حروب في الغرب، قبل أن نستلم منه سيف هذه الحرب ونطور طرق محاربته، لا بالتقليل من قيمة الكاتب فقط، بل برفع مشنقته وطلب رأسه بفتوى تهدر دمه، أو بإرعابه حتى يسكت، أو بمضايقته حتى تكثر عثراته وانكساراته إلى الأبد.
يبدو جليا أن الأدب كما المرأة كلاهما مستهدف من المجتمعات المراهقة إلى أن تبلغ سن النضج.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

خلايا نائمة

بروين حبيب

- -

6 تعليقات

  1. الإنسان يخلق صافي كاالثوب الابيض بطبعه تم يتكفل اولا أبويه بصقله ثم المدرسة و أخيرا المجتمع المجتمعات التي فهمت نقطة البداية كالمانيا مثلا تركز علي قدسية الطفل فهو ملك الدولة لا يجرؤ أبويه حتي علي ضربه وويحهم لو قال مثلا في المدرسة لزميله يا أسود او يا عربي او يا أعجمي وقدمت دعوة ضده هذا الفكر جعلهم علي الاقل يعيشون بينهم بسلام هناك طبعا بعض العنصرية لاكن لا تقارن بعنصريتنا نحن العرب الذين نعلمو أبناءنا من الصغر الحقد والكراهية والعنصرية وعدم احترام المرأة

  2. متي أستعبدتم الناس وولدتهم أمهاتهم أحرارا
    يجب علي تلك الدناءات أن تتوقف فورا وألا يتعرض اي كان من الناس للضرر اي كان والابتزاز علي المواقع الالكترونيه بكل أشكالها المختلفه وإلا فأذنوا بحربا من الله ورسوله لإخرس صوت الطاغوت وقطع رأس البلاء.

  3. الافراط فى الحرية أفضل بكثير من الافراط فى الصنصرة.
    حرية التعبير المطلقة هى من تكشف النالس على حقيقتهم.
    التاريخ ملئ بمثل ما نراه اليوم الا أنه لا يعلم ذالك الا من يقرأ.
    اليوم بفضل التواصل الاجتماعى الكل مكشوف.
    أما عن اصلاح أمتنا فهذا لا يكون الا بمعجزة الاهية…..لان ” الجهل المقدس″ دخل كل بيت …..

  4. أولا المتوفي لا تجوز عليه سوى الرحمة
    ثانيا لا يغير الله في قوم ما لم يغيروا ما في أنفسهم
    تحية للاستاذة بروين على هذه الروح الطيبة

  5. تسويق رائع بعنوان مخادع للطابور الخامس عميل/خائن لثقافة الـ أنا من أجل ثقافة الـ آخر، المفروض أنا حر مثلما أنت حر، لفهم أي شيء حسب مزاجك وانتقائيتك، على أن لا تخلط أو تتجاوز أهمية الأولويات، هل الدولة أولا أم الإنسان أولا؟ هل اللغة أولا أم الفكر أولا؟ هل الإنسان أولا أم الآلة أولا؟ من أجل إيجاد حلول عملية، لمشاكل حقيقية على أرض الواقع، فمشكلة الفلسفة ليس أنها لا تعترف هناك صح أم خطأ، ولكنها ترفض أن تتعامل على أن هناك ألوان، بل تتعامل مع كل الألوان على أنها تمثل اللون الرمادي بحجة الضبابية اللغوية، مفهوم الترجمة في أجواء العولمة بسبب طبيعتها التجارية، قام بتعرية الفلسفة تماما وبيّن إفلاسها في كل المجالات، عندما تكون بعيدة عن الحكمة الإنسانية، لأن من يظن الآلة (الروبوت) أذكى من الإنسان في أداء الوظيفة، جاهل كائنا من يكون، ودليلي على ذلك ترجمة غوغل للغة الإنسان، لماذا؟ رؤية المملكة 2030 يجب أن تكون لخدمة الإنسان، وإيجاد وظيفة له تكفي لإعالة أسرة بكرامة، وليس لإيجاد وظيفة للآلة (الروبوت) في الحكومة الإليكترونية، كما حصل بتعيين أول رجل أمن وطبيب (روبوت) في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2017 فما بالك ببقية وظائف الحكومة الإليكترونية؟! فديفيد كاميرون لكي يفوز في انتخابات بريطانيا عام 2013 ضحك على دول الاتحاد الأوربي، واستغل الديمقراطية وحرية الرأي برفع شعار على الاستفتاء للانسحاب من الاتحاد الأوربي، بحجة أن مواطن دول الاتحاد ينافس مواطن بريطانيا ، ولذلك لا توجد وظائف له في بريطانيا؟! فهل وضع دول مجلس التعاون مختلف؟ فهل العربي يحتل مكان الخليجي في الوظيفة؟ أو الأوربي يحتل مكان البريطاني في الوظيفة؟ يا أهل الحل والعقد، كفى استغباء، العولمة واقتصادها الإليكتروني في حاجة إلى عملة إليكترونية، ومناهج تعليم وتأهيل تعترف بالآلة ولغتها تدخل من ضمن (اللغة والترجمة والوقت) كمعايير للمنافسة والفوز بعقد تنفيذ أي وظيفة، في سوق حر بعيدا عن الواسطة والمحسوبية والرشوة من أي نوع بداية من لغة الجسد بين الرجل والمرأة، الناتجة من الاختلاط في الوظيفة، ومن هنا مفتاح الحل في مشروع صالح التايواني(اقتصاد الأسرة) هو توضيح هناك فرق في معنى الوظيفة داخل الأسرة عن مفهوم الوظيفة داخل العمل الاقتصادي، فالسعادة تطير من داخل الأسرة عند خلط أو عدم تمييز الفرق مباشرة، فالرجل رجل، والمرأة مرأة، مختلفان

  6. هذا المقال صورة طبق الاصل من مقالات ابراهيم عيسى الكاتب المصرى وحلمى النمنم وزير الثقافة المصرى الذى يطالب الحكومات العربية فى كل مناسبة بتحويل الشوارع الى انهار من الدماء حتى يتم القضاء على كل رمز وامرأة ورجل وشاب يحمل الفكر الاسلامى والدين الاسلامى والعقيدة الاسلامية ــ نفس الكلام والتركيبات اللفظية والافكار السطحية والاسطوانة المشروخة التى تخاظب الجهلاء والعوام وانصاف المتعلمين .. نفس الكلام فى اجهزة الاعلام والصحافة والفضائيات عن الاسلام الظلامى والاسلام الرجعى والاسلام بدون فايدة والاسلام الارهابى والاسلام المتطرف والاسلام المتشدد والاسلام المرفوض من المثقفين والشيوعيين والليبراليين والقوميين !! ولايهم ان تسمى نفسك خندوسى او بقدوسى او هندوسى او بوذى او صليبي او تنضم لجماعة من الشواذ او عبدة الشيطان .. لان الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان حق للجميع ماعدا هؤلاء الاسلاميين الارهابيين المتوحشين الذين يستحقون الابادة والتدمير الشامل كما فعلوا فى الموصل !!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left