المؤسسة القضائية صمام أمان الديمقراطية

د. حسين مجدوبي

Jul 18, 2017

خلال الأسبوع الماضي، أصدر القضاء البرازيلي حكما بالسجن على الرئيس الأسبق لولا دا سيلفا، وأياما بعد ذلك، قام القضاء في البيرو باعتقال الرئيس السابق أويانتا هومالا بتهمة الفساد، في انتظار محاكمته وسيكون مصيره السجن بدون شك، واللائحة طويلة ولا تنتهي. ويجري هذا في منطقة ذات ديمقراطية فتية، لكن القضاء فيها يحاول الحفاظ على سير المؤسسات أكثر بكثير من بعض الدول الغربية مثل فرنسا.
ويعتبر الرئيس البرازيلي الأسبق لولا دا سيلفا الأكثر شعبية في تاريخ البرازيل خلال العقود الأخيرة، ومنح هذا البلد مكانة مهمة في الخريطة العالمية، سواء بتحقيقه قفزة اقتصادية هائلة جعلت البلاد في مصاف الاقتصاديات الـ15 الأولى، أو تأكيد الحضور السياسي للبلاد كمخاطب رئيسي في قضايا العالم، خاصة بعد تشكيل مجموعة بريكس (روسيا، الصين، الهند، جنوب إفريقيا والبرازيل). لكن مساهمته القيمة في تاريخ البلاد لم تمنع القضاء البرازيلي من الحكم عليه خلال الأيام الماضية بالسجن تسع سنوات ونصف السنة بتهمة الفساد. وقد يرى البعض في الحكم مؤامرة بسبب المواقف التقدمية لهذا الرئيس في قضايا دولية ووطنية، لكن القضاء البرازيلي يحقق مع الرئيس الحالي تامر وهو من الطبقة المحافظة المتغلغل في الدولة العميقة.وقد حاكم منذ عقدين رئيسا محافظا ويمينيا وهو فيرناندو دي كولور سنة 1992 بتهمة الفساد.
ولم يتفاجئ الشعب البيرواني (البيرو) ويرى خلال الأيام الماضية كيف انتقلت الشرطة الى منزل الرئيس أويانتا هومالا لتعتقله وزوجته وتقودهما إلى السجن بتهمة الفساد المالي والسياسي، فقد كان هذا الشعب شاهدا على محاكمة الرئيس الأسبق القوي ألبرتو فوجيموري منذ سنوات بتهمة الفساد والاختلاس، لكن المثير في هذا الاعتقال أن هومالا الذي حكم البلاد حتى السنة الماضية، كان قد نفذ منذ سنوات عملية تمرد عسكري فاشلة ضد السلطة بمبرر مواجهة الفساد، وإذا به يسقط في الفساد الذي كافح ضده. ومنذ ثلاثة أشهر، شهدت البيرو كذلك صدور مذكرة اعتقال في حق الرئيس الأسبق ألخاندرو توليدو بتهمة الاختلاس، ويعيش في الوقت الراهن هاربا في الولايات المتحدة، في انتظار احتمال اعتقاله وتسفيره إلى بلاده للخضوع للمحاكمة بتهمة الفساد المالي-السياسي.
ويبلغ عدد رؤساء أمريكا اللاتينية الذين جرت محاكمتهم خلال العقدين الأخيرين أكثر من 12 رئيسا، ينتمون لليسار واليمين. وتجري هذه المحاكمات في منطقة لا تمتلك تاريخا عريقا في الديمقراطية، بل تستمر في البحث عن النموذج الذي يناسبها مستقبلا، ولهذا هناك تعثرات بين الحين والآخر ومنها حتى محاولات الانقلاب. وتحولت المؤسسة القضائية الى الصمام الحقيقي ضد الفساد المالي- السياسي من جهة، والى الجهة التي تعيد للمواطنين الثقة في مؤسسات البلاد وخاصة الرسمية منها مثل رئاسة الحكومة والبرلمان. وفي البدء، كانت العواطف السياسية تتغلب على النظرة الواقعية، حيث يخرج أنصار رئيس معتقل ويعتقدون في وجود مؤامرة ضد هيئتهم السياسية، لكن مثل هذه المشاعر تترك لاحقا المجال للواقع، أمام ظهور أدلة تؤكد تورط سياسيين ذوي شعبية كبيرة مثل، لولا دا سيلفا في الفساد المالي.
ولا يمكن مقارنة ما يجري في أمريكا اللاتينية مع العالم العربي، إذ أن العالم العربي شهد محاكمة رئيسين وهما التونسي زين العابدين بن علي غيابيا، ثم حسني مبارك في إطار الربيع العربي، الذي عملت قوى ديكتاتورية على إفشاله. ولكن مقارنة مع الغرب،  يمكن القول بتقدم قضاء أمريكا اللاتينية على القضاء الأوروبي في بعض الأحيان اعتمادا على استحضار أمثلة خلال السنوات الأخيرة. فقد تورط رئيس حكومة إيطاليا الأسبق سيلفيو بيرلوسكوني في فضائح مالية وسياسية وجنسية، وحكم عليه بالسجن، لكنه لم يعتقل حتى الآن. وبدوره، تورط رئيس فرنسا الأسبق نيكولا ساركوزي في فساد سياسي ومالي، منذ أواسط التسعينيات الى فضيحة تمويل الرئيس الليبي المغتال معمر القذافي لحملته الرئاسية سنة 2007، واقتصر القضاء الفرنسي المعروف بجرأته على اعتقاله لمدة ساعات للتحقيق معه، دون إصدار حكم بالسجن عليه حتى الآن، رغم مرور سنوات على التحقيق، بل ترشح ساركوزي للانتخابات الرئاسية ولم يفز بترشيح حزبه. وكل  الفضائح تستوجب السجن وفق القانون الجنائي الفرنسي. ومن إسبانيا القريبة ثقافيا لمنطقة أمريكا اللاتينية، جاء ذكر رئيس الحكومة الحالي ماريانو راخوي في ملفات فساد مالي متعددة هزت إسبانيا، إذ لم تشهد البلاد مستوى من هذا الفساد السياسي، ورغم كل هذا، اقتصر القضاء على اعتبار رئيس الحكومة شاهدا في ملفات الفساد، دون توجيه أدنى اتهام له.
تعيش منطقة أمريكا اللاتينية صراعات سياسية، كما تعيش اضطرابات تصل الى مستوى الانقلابات أحيانا، لكن المؤسسة القضائية، ورغم الاتهامات التي توجه لها تحاول لعب دور دركي الديمقراطية، آخر ملاذ للمواطنين ليثقوا في المؤسسات. وهنا تتقدم على المؤسسة القضائية الغربية السباقة للديمقراطية، وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنتها بالمؤسسة القضائية العربية التي هي امتداد للحاكم العربي، عفوا للديكتاتور العربي.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

المؤسسة القضائية صمام أمان الديمقراطية

د. حسين مجدوبي

- -

4 تعليقات

  1. مثل هكذا قضاء أمريكي جنوبي لا يتوفر في بلادنا العربية ! فكيف بالقضاء الفرنسي !!
    شعار القضاء في بلادنا هو : أحكم ثم ناقش والدليل في أحكام الإعدام لمئات من المتظاهرين في مصر من أول جلسة !!!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. مقال رائع للغاية يرينا بالملوس و بالأمثلة لماذا تقدمت الديموقراطيات اللاتينية الفتية٠٠٠أما أن يكون رئيس السلطة التنفيذية هو نفسه رئيس السلطة القضائية و في نفس الوقت هو الحاكم باسم الله فهذه عبقرية خاصة بالإبداع العربي!!!!!

  3. مقال رائع للغاية يرينا بالملوس و بالأمثلة لماذا تقدمت الديموقراطيات اللاتينية الفتية٠٠أما أن يكون رئيس السلطة التنفيذية هو نفسه رئيس السلطة القضائية و في نفس الوقت هو الحاكم باسم الله فهذه عبقرية خاصة بالإبداع العربي!!!!!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left