جزيرة الوراق وهتافات ثورة يناير المتجددة

عبير ياسين

Jul 18, 2017

«كان شغال أيه؟ على الله.. على الله والنبي يا ابني»، هكذا ردت والدة قتيل جزيرة الوراق سيد حسن علي الشهير باسم سيد الطفشان، الذي قتل من قبل رجال الشرطة في مواجهات إزالة التعديات على أراضي الدولة يوم 16 يوليو 2017، في تسجيل تم بثه عبر أحد المواقع الصحافية قبل أن يضيف من يجلس بجوارها لحديثها قائلا: «على الله، كلنا أرزقية على الله».
جزء من حديث الأم الذي قد يتبادله البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتراجع عن اهتمام الإعلام المؤيد للسلطة وهو يحاول تقديم من يخالفها بوصفه على درجة ما من مؤشر «أهل الشر»، أو عرائس الماريونيت التي تتحرك بضغوط أو توجيهات من عناصر أخرى، عادة ما تتمثل في جماعة الإخوان وفقا للخطاب السائد، وكأن الواقع لا يحمل أسباب الغضب والألم ولا يثير مشاعر القهر ويعمق المعاناة.
ورغم أن حديث الأم فيه الكثير مما يمكن أن يثير مشاعر الحزن، فإن تلك العبارات الواردة في الأعلى تمثل جزءا مهما من واقع مجموعة لا يمكن إنكار وجودها من الشعب المصري، التي تقع في قلب ما يطلق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطاباته اسم الكتلة الصلبة، تلك الكتلة التي يراهن عليها في أحاديثه وتعاني بدرجات مختلفة في الواقع.
وإن كانت الكتلة الصلبة تشمل الطبقة الوسطى، أو بقاياها، وما دونها من فئات الشعب الأكثر معاناة، بحكم واقعهم الاقتصادي والاجتماعي، فإن علاقة تلك المجموعة الأكثر معاناة بالسلطة تكاد تكون منعدمة أو هامشية في ما يتعلق بما يفترض أن تقدمه الدولة لهم، ولكن السلطة تتحول إلى مصدر خوف وألم عندما تتذكرهم أو تتذكر الجنيهات القليلة التي يمتلكونها، وترغب في الحصول على جزء من حياتهم التي تأسست في ظل غيابها عبر عقود. يصبح لسان حال تلك المجموعة، وكما جاء في أحاديث بعض أهالي جزيرة الوراق، ليت حالة التجاهل تظل قائمة ما دامت ترتبط بالحفاظ على أسس حياتهم ذاتها.
تتحول الدولة إلى وحش مخيف وهي تقترب من مواطنين لم تقم بتذكرهم، كما يجب بوصفهم الإنساني، وتظهر صور القوة وهي تتعامل مع الضعفاء والفقراء، مقابل صور التراجع والتصالح والتراخي في مواجهة غيرهم. يطل رئيس الوزراء ليؤكد بعد اشتباكات جزيرة الوراق على أن «الدولة يجب أن تستعيد سلطتها وهيبتها على أراضيها التي تم التعدي عليها» وأن «الدولة اتخذت هذا الإجراء لاسترداد حق الشعب وعودة هيبتها» بوصفها «دولة قانون ودستور». ولا تعرف أين هيبة الدولة في استرجاع أموالها ومحاسبة نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي ما زال قائما في المشهد وفي دوائر النفوذ، وفي محاربة الفساد والمحسوبية وعدم الرشادة في تخصيص الموارد، وفي محاربة الإرهاب، وفي حماية سيادتها وهي تتنازل عن جزر وتملك أراضي في سيناء وتقرر بيع الجنسية، وأين هيبة الدولة وهي تتذكر مواطنيها من أجل أصحاب المال وتفقد المزيد من الثقة عبر سياساتها التي تربط بين تحركاتها ورغبة البعض في السيطرة على الأرض، سواء في وسط القاهرة أو جزيرة الوراق أو غيرها. التساؤلات كثيرة إن أردنا أن نتحدث عن هيبة الدولة بما فيها ما يتعلق بحق المواطن في حياة كريمة، وتوفير سبل الحياة، قبل أن تتعامل معه بوصفها جامع ضرائب أو وسيلة عقاب.
تأتي أحداث الوراق لتثير الكثير من القضايا، وفي الخلفية تطلق شعارات ثورة 25 يناير، لتعيد التذكير بأن أهداف الثورة لم تتحقق، والواقع يراكم عناصر الغضب وأحاسيس القهر لدى المواطن العادي، الذي توجه له التحية في لحظة من أجل تحمل المعاناة الاقتصادية، ويتم من جانب آخر زيادة معاناته واستهداف حياته، واتخاذ سياسات تزيد من احساسه بضرورة التعامل مع الواقع، من مدخل نظرية المؤامرة والخوف من الأهداف الحقيقية وغير المعلنة لسياسات الدولة. وإن كانت تلك المخاوف ظهرت واضحة في قضية ألبان الأطفال، وحريق وسط القاهرة، فقد تجددت مع الحديث عن إزالة التعديات على أراضي الدولة، الذي جاءت جزيرة الوراق في القلب منه.
ظهرت جزيرة الوراق في حديث السيسي عن ضرورة إزالة التعديات في يونيو 2017، حين أشار إلى الجزيرة دون أن يسميها بقوله: «في جزر موجودة في النيل، هذه الجزر طبقا للقانون المفروض ما يبقاش حد موجود عليها.. يا إما محميات يا إما ما يبقاش حد موجود عليها. وبعدين ألاقي مثلا جزيرة في وسط النيل مساحتها أكثر من 1250 فدان ومش هذكر اسمها، وابتدأت العشوائيات تبقى جواها، والناس تبني ووضع يد عليها.. وتقولي بعد كده إعمل لي محطات صرف ومحطات معالجة». ليأمر المسؤولين: «لو سمحتم الجزر اللي موجودة ده تأخذ الأولوية في التعامل معها».
وبعد أن كانت الجزيرة قد اعتبرت محمية عام 1998 وخضعت وفقا للقانون لإدارة بيئية من وزارة البيئة وأجهزتها، بمعاونة من أجهزة وجهات أخرى، قام رئيس الوزراء بعد أيام من حديث السيسي بأصدار قرار تم وفقا له استبعاد 17 جزيرة نيلية، من بينها جزيرة الوراق، من قائمة المحميات الطبيعية. وقيل إن وزارة البيئة، تبينت وجود بلوكات خرسانية وعشوائيات منتشرة في الجزيرة بشكل صدم فريق العمل الذي توجه إليها للدراسة. ومن أجل أن نفترض حدوث تلك المفأجاة علينا تصور أن جزيرة الوراق تقع في منطقة أخرى لا يصل إليها أحد بسهولة، وتصور أن الوزارة لم تكن تقوم بعملها في متابعة الجزيرة بوصفها محمية طبيعية لسنوات، بالإضافة إلى افتراض أن الجهات الأخرى المختصة في الدولة كانت غائبة.
إلى جانب هذا، فإن تلك الأوامر التي ظهرت في يونيو 2017 سبقها في أبريل من العام نفسه تعرض بعض منازل الجزيرة للهدم وتهجير سكانها، وهو الأمر الذي دفع سكان من الجزيرة لتنظيم وقفة احتجاجية لمعرفة سبب الإزالات التي تتم بدون إنذار، والتنديد بمنع دخول مواد البناء والكهرباء، وعدم إقامة مشروع صرف صحي، على الرغم من وجود الاعتماد المالي وإسناد التنفيذ لجهة بالفعل، وهى أمور تثير تساؤلات تسبق الحديث العلني عن استرجاع أراضي الدولة وتنتصر لفكرة المؤامرة.
ورغم أن النسبة الأكبر من الجزيرة يمتلكها الأهالي وفقا لعقود ملكية، فإن حديث السيسي عن أن وضعية تلك الجزر يفترض أن تكون ما بين المحميات أو الإخلاء يظل في خلفية الأحداث، مع أخبار تنشر منذ فترة عن نية بيع الجزيرة لبعض المستثمرين العرب، ومطالب النواب عن المنطقة للأهالي بتركها، وهي مخاوف تظل حاضرة في ظل غياب الشفافية، إلى جانب آلية تنفيذ الإخلاء واستخدام السلاح، وما تبع عملية تراجع القوات من إيقاف عمل المعديات - المراكب- التي تعد وسيلة الانتقال الوحيدة من الجزيرة إلى خارجها، وأخبار أخرى عن قطع الكهرباء، وهو ما يثير مخاوف ويطرح تساؤلات عن استراتيجيات العقاب المتبعة من أجل تنفيذ رغبات النظام. 
وفي الوقت نفسه يضع النظام في خانة المعاقب من يدافع عن الأرض ويستخدم العنف والقوة في التعامل مع المواطنين، في ما يتعلق بالأرض مقابل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير وتمليك أراض في سيناء لأجانب، بالإضافة لتساؤلات عن غض الطرف عن تجاوزات لجهات ومؤسسات وأصحاب مال وسلطة، في ما يخص الاعتداء على أراضي الدولة دون محاسبة، وربما يتم تقنين أوضاع هؤلاء حتى في أماكن تتمسك فيها الدولة بحديث الهيبة مثل جزيرة الوراق.
يصطدم حادث الوراق مع جزء أساسي ومهم من الكتلة الصلبة ويعيد الأهالي توجيه تساؤلات مهمة للرئيس بشكل مباشر، عن الوقوف جواره وانتخابه، كما حدث في الدرب الأحمر، ولكن الفارق الأساسي أن حادث الدرب الأحمر عبر عن حالة فرد مدني في مواجهة فرد من الداخلية، ولكن حادث الوراق يعبر عن حالة مجموعة في مواجهة السلطة. في الوقت نفسه لم تعلن السلطة ما يعبر عن الحزن أو تعيد تكرار حديث الأفعال الفردية الذي يتم تكراره أيضا في حالات عنف الشرطة في مواجهة الشعب، وعلى العكس يمكن القول إن تصريحات رئيس الوزراء وخلفه المحافظ وغيرهم، من أن الأحداث تتم في إطار هيبة الدولة، والقانون يمثل مرحلة تكسير عظام أخرى من قبل السلطة في مواجهة جماعات من الشعب، كما حدث في مواجهة بعض النقابات أو المعارضين للتنازل عن الجزر. 
تبدو الصورة وكأن هناك حالة معاناة جماعية يتعرض لها الوطن، وداخله صراعات يحاول النظام التأكيد على أن كل حالة منفصلة بذاتها ومجرد مطالب ذاتية أو تجاوز للقانون لتجنب أن تتحول القضية إلى قضية مجموع، وأن يتم إحياء شعارات يناير تحت مظلة أكثر عمومية. ولهذا يظل الرابط بين كل ما يحدث في إطاره الوطني وما يعبر عنه من معركة من أجل الوطن والمواطن، والديمقراطية والاستقلالية والسيادة شديد الأهمية حتى لا نكرر يوما مقولة «قتلت يوم قتل الثور الأبيض» بعد أن نخسر معركة الوطن والوطن نفسه.
كاتبة مصرية

جزيرة الوراق وهتافات ثورة يناير المتجددة

عبير ياسين

- -

2 تعليقات

  1. سمير الإسكندرانى / الأراضى المصرية المحتلة ! ... لابد لليل ان ينجلى

    انا مش عارف انتو لية زعلانين اوى كدة ومكّبرين الموضوع زيادة عن اللزوم !!!
    الموضوع وما فية ان جزيرة الورّاق الموجودة وسط نيل القاهرة هى ومثلث ماسبيرو ومنطقة مطار النزهة بالإسكندرية وباب اللوق والعتبة الخضرا بما فيها تمثال ابو اصبع وقهوة مطاطيا تعود ملكيتهم جميعاً لدولة المؤامرات ، وفى سنة 1950 ( واخدة بالك انتى من سنة 1950 دى يعنى قبل ما يبقى فى حاجة اسمها دولة مؤامرات !!! ) عندما أستشعرت دولة المؤامرات انها غير قادرة على الدفاع عن تلك المناطق قررت ان تضعتها امانة عند عمو العسكرى وأخدوا منة وصل امانة ( ايصال )!!
    وعندما استشعرت دولة المؤامرات انها اصبحت قوة عسكرية عظمى لا يستهان بها قررت ان تسترد الامانة !!!
    وكل الوثائق الموجودة عندنا بتقول ان الحق دة بتاعهم !
    وبعدين انا سألت كل الناس … كل الناس … كل الناس وكلهم قالوا لى ان الحق دة بتاعهم !
    وبعدين انا امى قالت لى متخدش حاجة بتاعة حد !
    خلاص انا رجّعت لهم كل المناطق دى والبرطمان بتاعى وافق … وأرجو ان الموضوع دة منتكلمش فية تانى !!
    وبعدين انتو عمركم ماشفتم ناس شُرفا ( شرفاء ) قبل كدة ، لأ ، فية ناس شُرفا!
    وعلى رأى المرحوم توفيق الدقن باااااس ، انتباة يادانص .. أحلى من الشرف مفيش !!
    لأ بجد بقى …
    ظهر النهاردة تقرير من شركة مقاولات تابعة لدولة المؤامرات يظهر الرسومات الهندسية للمشاريع التى ستقام على جزيرة الورّاق بتاريخ 2013 !!!
    نصيحة لولاد زايد … مما لاشك فية انكم نجحتم فى ايقاف مسيرة الربيع العربى ( مؤقتاً ) لكن لن يمكنكم ايقاف عجلة التاريخ، الربيع العربى قادم الى الخليج زى ماهو قادم فى كل جزء من عالمنا العربى اذا مكانش النهاردة يبقى بكرة .
    يسقط حكم البيادة وأصحاب الرز الداعمين للبيادة

  2. هذه لعنة رابعة عليكم ( ضياع ت و ص , غلاى ,القتل, السجن ,التعذيب,حتى لمناصريه والان الوراق …..) يا مصريين عندما كان الجيش يقتل شعبه و انتم فرحين بذالك .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left