الموصل… النصر المُخيف

توفيق رباحي

Jul 18, 2017

يحق للعراقيين أن يحتفلوا شهورا بلياليها ابتهاجا باستعادة مدينة الموصل من «داعش» بعد قتال مرير ومكلف ومعاناة تَهدُّ الجبال.
يحمل الاحتفال هنا أكثر من وجه، أبرزها أن يكون احتفالا بالانتصار أولاً، ونكاية في الذين رعوا «داعش» وزَجُّوا بالعراق بين فكَّيه. لا شك أن «داعش» مؤامرة إقليمية وربما دولية محبكة (تذكروا كيف خرج في غفلة وأحكم سيطرته على مساحات لا حصر لها في غضون ساعات) سيكون هناك ثكالى لنهايته، كتنظيم على الأقل. والذين يستخسرون في العراقيين فرحتهم بنهايته لا يستطيعون العيش ساعة واحدة تحت حكم عصاباته.
غير ان اللافت هي المواقف المصاحبة للنصر، خصوصا مواقف كبريات وسائل الإعلام العالمية وجماعات «الثينك تانك» في العواصم الغربية، وحتى الحكومات. قليلة هي الحروب في العصر الحديث التي انتهت مشفوعة بمخاوف شديدة كما هو الحال في الموصل. كانت هناك حربَا البلقان ورواندا في منتصف التسعينيات، لكن البلدين والمجتمَعَيْن نجحا في تقليص مخاوف العالم.
لافتٌ أن أغلبية المواقف تجاه الموصل، إقليميا ودوليا، تميل نحو التشاؤم. هناك تحذير من الآتي، وتنبيه تكرر في أكثر من عاصمة ومن جهة إلى أن دحر «داعش» في الموصل لا يعني نهايته.
لا أحد يحسد العراقيين على فرحتهم، بل على كل إنسان سَويٍّ أن يسعد بهذا الإنجاز الذي طال انتظاره وغلا ثمنه. لكن يتحتم الإقرار بشرعية الحذر والخوف عند وضعهما في سياق موضوعي يقوم على ثلاثية متداخلة: كلفة النصر الإنسانية والمادية. الخوف من انتشار روح الانتقام وتصفية الحسابات. انشطار «داعش» وانتشاره إلى خارج العراق. كلفة النصر عالية جداً بكل المقاييس في معركة شُبِّهت في شراستها بمعركة ستالينغراد الروسية خلال الحرب العالمية الثانية.
في هذه المعركة التي بدأت قبل حوالي تسعة أشهر، ولم تنته تماما بعدُ، تداخلت قلة الكفاءة من جانب القوى الأمنية العراقية (وتضارب عمل هذه القوى أحيانا) مع استماتة مقاتلي «داعش»، ناهيك عن صعوبة جغرافيا المعركة ووجود مئات آلاف المدنيين في كمّاشة بين طرفـَي القتال.
ترتّبَ عن هذا خراب هائل وفاتورة محزنة ما تزال مؤقتة. كما أن وقوف العالم متفرجا على ما يدور في الموصل وضع الحكومة العراقية تحت ضغوط هائلة دفعتها إلى إساءة التصرف أحيانا في سعيها لإرضاء كل الناس، داخليا وخارجيا، والعمل على تحقيق أهداف متناقضة في وقت واحد.
ولم يخلُ الأمر من تعطش للانتقام ومن إعدامات بالشبهة، من طرفَيْ القتال، كان المدنيون هم وقوده في الحالتين.
عن هذا يترتب الخوف من اتساع نطاق أعمال الانتقام خارج القانون وتحوّلها إلى خبز يومي. الأخبار القادمة من الموصل غير سارَّة. والخوف مشروع لأنه ينبع من تاريخ العراق القريب، ومن سوابق ونُذر ما قبل النصر، بل ما قبل بدء المعركة حتى. اللغة المستعملة في المعسكر الآخر، الشيعي بصراحة أكثر، والنفَسُ الطائفي الذي ساد منذ البداية عوامل لم تصب في اتجاه طمأنة العالم والخائفين من سكان الموصل. كما أن الشعارات التي كانت ترافق القوى الأمنية العراقية في طريقها إلى المدينة، وتصرفات بعض أفراد هذه القوى، تسببا في الكثير من الخوف من الحاضر والمستقبل. الحياة في الموصل بعد «داعش» لن تكون أبداً مثلما كانت قبله، لأنها ستكون معنونة بجراح يحتاج الشفاء منها إلى معجزات بشرية. لذا، ما لم تتحلَ السلطات العراقية بالكثير من الصرامة في إنفاذ القانون ومنع الانتقام والإساءة والمعايرة، وما لم يتحلَ المجتمع العراقي، بكل مكوناته، بالرصانة والحذر والتسامح، لن تقوم للموصل، بل العراق كله، قائمة. على الأفراد والمجتمع يقع واجب التحلي بالسمو والتسامح، وعلى السلطات وجهات تطبيق القانون تقع مسؤولية تشجيع وصيانة هذه المشاعر الإيجابية. قد تجد الحكومة العراقية نفسها عاجزة عن لجم مشاعر الكراهية وأعمال الانتقام، إما لكثرتها أو لعدم أهلية الجهات المخولة ذلك، أو، وهذا أخطر، لعدم رغبتها في ذلك. هنا يصبح الأمر على عاتق المجتمع الدولي الذي سَيتحتّم على أذرعه الأمنية ومؤسساته القضائية وترسانته القانونية حماية الضحايا الجدد. قد يبدو هذا التحليل من ترف القول من مراقب بعيد. والرد أنه يجب أن يتحقق مهما كانت التضحية والثمن، لأن من دونه لن تكتمل فرحة العراق. ومن دونه يعني انزلاق الموصل نحو فصل جديد من العنف، وعندئذ لن تكون الخسارة للعراق وحده، بل للعالم.
احتمال انشطار «داعش» حدث قبل أوانه وأصبح تحصيل حاصل.
عندما شاهد العالم فظاعات «داعش» راح يترحم على «القاعدة، الشيء الذي يزيد اليوم من مخاوفه لأن انتهاء التنظيم كـ»دولة» في الموصل والرقّة، يعني انتشاره عبر البلدان بكلفة أقل وسهولة أفضل في الحركة، مع أذى أكبر. هناك تجربة «القاعدة» في أفغانستان، التي ما أن أُطيح بحكومة طالبان في أواخر سنة 2001 حتى انتشرت في العديد من البلدان كفكرة وكرجال يعيثون قتلا وتنكيلا.
ناهيك عن أن «داعش» لم يعُدْ كما عرفه الناس، بل أصبح ماركة عالمية عابرة للحدود تتبنى كل أنواع الجرائم وتغطيها.
كاتب صحافي جزائري

 الموصل… النصر المُخيف

توفيق رباحي

- -

3 تعليقات

  1. امر واحد يمكن له ضمان دحر داعش واخواتها الى غير رجعة
    -
    الا وهو حكومة عراقية ذات سيادة تامة لا تستند للعواطف الطائفية
    -
    تحياتي

  2. بقايا الخوف كثيرا ما تصاحب الانتصارات و لكن تبقى الانتصارات و لو لحين هي الرائدة السائدة ما لم تكن هناك خلافات كبيرة بين من صنعوها .. هذا الناتج نراه في كل الحروب و حتى الثورات .. و الموصل لن تكون فارقة في هذا الزمن الصعب طالما أن هناك وحدة متجانسة حصدت ما كان رقما صعبا للمعادلة الصعبة الحل في ظرف قياسي لم تهضمه قوى الشر …

  3. الان لا يوجد موصل سموها الردم او كوم الحجاره يا رجل هو بقي رمادي والا فلوجه والا تكريت والا موصل انه الانتقام تقوده امريكا وايران لتدمير السنه
    هم يقولون وليس نحن ان عدد داعش الارهابيه لا تتعدى 25 الف لماذا يتم تدمير مدن يسكنها 6 مليون سني
    لو دفعوا لعصابة داعش الارهابيه 50 الف دولار لكل عائله وقالوا لهم تحولوا للديانه البوذيه لفعلوا الدواعش وخلصت الحرب وما حدا دمر حدا .
    القضيه يا عبقري زمانك هو كسر خشم السنه والذين يساهمون في ذلك المرعوبين على كراسيهم من السنه والقادم اكثر فضاعه والله المستعان

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left