لئلا يكون المثقف العراقي صمام أمان لجرائم النظام

هيفاء زنكنة

Jul 18, 2017

ما هو البديل اذن؟ كيف كان بالامكان القضاء على وحوش جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا؟ تثار هذه الاسئلة، بقوة، كلما وصلنا مرحلة مفصلية، في حرب ما، تدور رحاها في بلداننا. وما أكثر الحروب!
يعيدنا التساؤل حول البديل، الى حروب مضت، عاشها بعضنا فنكب من نكب، ومن بقي حيا، يرى الآن، أجيالا تعاني من آثارها. اجيال لم تكن قد ولدت بعد يوم طرق مسامعنا السؤال لأول مرة، فالحروب، في العراق، مثلا، تتكاثر بسرعة الانشطار الأميبي. عاش جيل الثمانينيات جملة حروب، التهمت من كل عائلة فردا ، على الاقل، على اختلاف مسمياتها واسبابها وامتداداتها (المصطلح المفضل دوليا هو العنف والنزاعات) الحرب العراقية – الايرانية أو حرب الخليج الاولى (1980 – 1988)، غزو الكويت ثم الهجوم الثلاثيني في 1990، الحصار وسياسة الاحتواء الغربي قصفا ( 1990 – 2003)، غزو واحتلال البلد ( 2003 – حتى الآن)، الحرب ضد ما يسمى بالدولة الاسلامية ( 2014 – حتى الآن) . واحدة من هذه الحروب ، كافية لوسم الجيل بالامراض النفسية، والاعاقات الجسدية ، واليأس، والرغبة بالانتقام، فكيف بمن يعيش، منذ طفولته، في ظل هذه الحروب ولا يعرف سواها؟
خلقت الحروب شرخا بين من عاش فترة الخمسينيات ومن عاش الثمانينيات وما بعدها ، على صعوبة الفصل بين الاجيال. من عاش في الخمسينيات والعقدين التاليين، كان وان تعرض للقمع السياسي (لغة التداول اليومي) يحمل بداخله حلم التغيير، والامل بمستقبل أفضل، بمطر يهطل لسقي أرض يباب. وهو حلم استعاد بهاءه، لوهلة، مع حلول «الربيع العربي» حين خرجت الشعوب المقهورة ، ومن بينها الشعب العراقي، الى ساحات التحرير، مطالبة بحقها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. بالمقابل، انحنى الحكام العرب، اكثر فأكثر، امام القوى الاجنبية مستنجدين الحماية بل وعودة الاستعمار علنا ومعها تزايد الخنوع. اموال الشعب صارت تصرف على شراء اسلحة متطورة لتصفية أبناء الشعب. بات جيل الحصار والحروب والغزو يتنفس ما يرومه المستعمر الجديد، أي التخلي عما حققته حركات التحرر الوطني ونالته بعد نضال طويل. هنا تبدى دور المثقف بحلته الجديدة. صارت عودة المستعمر لـ»تحرير» الشعوب من القمع الداخلي مطلبا ملحا لنخب سياسية – ثقافية بررت بناء القواعد العسكرية الامريكية، وقصف مدننا، بأموالنا. مرددة: والا ما هو البديل لحماية الشعب من أمراضه المتأصلة، وعنفه التاريخي المتوارث، ودولته التي تم لصقها قسرا، وجهله بثقافة الديمقراطية ؟
تحت تبريرات مضللة، بدأت ملامح خارطة «العراق الجديد» والمنطقة العربية تتضح، أمام أنظار الشعوب وهي ترى مثقفيها يستبدلون النضال ضد الامبريالية بتسويغ الوجود الامبريالي وسياسته كأمر واقع . لتحقيق النقلة، كان يجب ان تفقد النخبة المثقفة، البقية الباقية من وعيها النقدي وان واصلت ارتداء ملابس الامبراطور. ان تصبح صدى للسلطة والاعلام المعروض للشراء، ان تكون طبقة من التكنوقراط للترويج بيوتوبيا بطوباوية (ديمقراطية – حقوق الانسان) بدون التنبيه الى انتقائيتها وازدواجية معاييرها. يلوك افرادها شعارات، لا يجد المستعمر الجديد ضررا في السماح بترويجها، بل واستعارتها ليكررها في خطبه هو الآخر. فتلويث الحقيقة بالتلفيق، والكذب، والتضليل، مهمة ليست سهلة وتحتاج لانجاحها تحالفا ثلاثيا داخليا يضم السلطة السياسية والمثقف والاعلام، ولا تكتمل بدون دعم دعائي – استراتيجي من الخارج. مثال ذلك، حملات التضليل الاعلامي التي شهدها العالم، في حقبة التمهيد لغزو العراق واحتلاله، باعتبارهما «تحريرا» و»تغييرا» نحو الافضل وإنقاذا للعالم من خطر داهم ، حيث نشرت أجهزة الاعلام الغربية 50 قصة مفبركة، أعادت نشرها اجهزة الاعلام العربية اما كسلا او جهلا او تواطئا مع المحتل، لخصها الكولونيل سام غاردينر، الاستاذ في كلية الحرب الوطنية وكلية الحرب الجوية وكلية الحرب البحرية الامريكية، في تشرين الأول/اكتوبر 2003 ، بعنوان «الحقيقة من هذه المنصة: ملخص لدراسة التأثير الاستراتيجي، إدارة التصور، حرب المعلومات الاستراتيجية والعمليات النفسية الاستراتيجية في حرب الخليج الثانية». يضم التقرير تفاصيل الحملة الاعلامية السرية التي ساهمت في تضليل الرأي العام و» تسويق»الغزو العسكري للعراق. ساعدتها فيما بعد الصحافة العراقية « المستقلة»، تحت الاحتلال، في نشر اخبار ملفقة وقصص صاغها قسم العمليات النفسية الدعائية، بوزارة الدفاع الامريكية، عن الانقسام الطائفي و» انتصارات» القوات الامريكية و بناء «الديمقراطية» وايجابية وجود المحتل. «ما هو البديل»، ومن هو القادر على الاجابة حين يتساءل المواطن الغارق بزخات المعلومات المفبركة والهموم اليومية والرعب من ذلك «الآخر» المتوحش، الذي يتم تغيير اسمه من فترة الى أخرى، حسب الحاجة، الذي يتربص به، وبعائلته، وطائفته؟ من هو القادر على الاجابة حين يصبح «البديل»، وجبة طعام سريعة تم اعدادها مسبقا، خميرتها الفساد والطائفية. بديل متوحش لآخر متوحش. كأن وحشية 4000 غارة جوية لقوات التحالف الستيني وضعف ذلك العدد من الصواريخ والمدفعية، و100 ألف من الجنود والمليشيات، مبررة أكثر من مجانين او مجرمين في تنظيم الدولة، جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا. هذه الجوانب من «البديل» لا تناقشها اجهزة الاعلام، بل تخفيها، بحرفية عالية او بشعبوية رثة (غير مهم)، ما دامت الغاية هي ديمومة الخوف والشلل العقلي. لذلك لا ينظر الى خارطة الدمار التي نشرتها الأمم المتحدة ليوم 11 تموز 2017 في الموصل بعد «التحرير»، ولا يتذكر المليون نازح من الجائعين العطشى، في قيظ تموز/يوليو، غير قلة تدرك وجود البديل لو توفرت النية لتفادي الكارثة. كيف تمكنت شعوب اخرى مرت بذات المآسي من لملمة نفسها واستعادة لحمتها متخلصة في الوقت نفسه من «وحوش جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا»؟
هنا يأتي، دور النخبة الثقافية، المستقلة، المدركة لمسؤوليتها العامة، الفاعلة خارج عقل الحشود، الراصدة بوعيها النقدي ما يبدو «عاديا»، المتحدية للحلول الشعبوية الجاهزة، القادرة على طرح تساؤلات آنية تساعد على فهم الماضي واستشراف المستقبل، الرافضة ان تكون مطية لأيديولوجيا الفكر الواحد وتهميش ما عداه، وان تعمل على كسر جدار العزل الفكري المتمثل بـ»أما – أو» الذي طالما فرض علينا، داخليا وخارجيا، وحقق نجاحا باهرا في تقزيم الوعي ووضعه في قالب مناسب لكل أشكال الهيمنة والاحتلال. أما فيما يخص الحرب الحالية، لعل الخطوة الاولى في الاجابة على «ما هو البديل»، هو الا يكون المثقف صمام أمان لجرائم ترتكبها السلطة.
كاتبة من العراق

لئلا يكون المثقف العراقي صمام أمان لجرائم النظام

هيفاء زنكنة

- -

5 تعليقات

  1. نادراً ما نجد مفكراً أو مثقفاً عربياً محايداً !
    فمن ليس معنا فهو ضدنا !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. مقال قمين بالقراءة، شكرا لكاتبته….

  3. كل الأحداث التي مرت بها الدول العربية خصوصا و دول العالم عامة ألقت بظلالها على النخبة الثقافية، لكن درجة و نوعية التأثير تختلف من مثقف لآخر.
    النخبة الثقافية الحقيقية هي التي تقوم بالدورالمنوط بها من بينه تنوير العقول من عامة الناس أو من هم في مناصب المسؤولية، أما أن تحيد عن ذلك فتلك كارثة.

  4. أجبت استاذتي عن جميع الاسئلة التي تدور في عقل المواطن ربما ستكون معجزة اخرى كالتي ازاحت صدام بطريقة عجيبة غريبة تترك ورائها عدة اسئلة لحد الان لم نجد جواب لها .. فهل حقاُ تم اعدام صدام الحقيقي ؟ أما الذين جلبهم الاحتلال معه من لصوص العراق بأحزابه الدينية ومليشيلته واحزابه من اليمين الى اليسار الذين احالوا الوطن واهله الى ركام .. وتخريب الموصل يوصل رسالة الى من يهمه الامر سني كان ام شيعي كردي ام باقي الاقليات سيلقى ذات المصير الذي حصل في الموصل .. لذا نحتاج الى معجزتين لأزاحة نظام اصبح ثيوقراطي بأمتياز ليصبح الدين والطائفية والمحاصصة هي الاعلى وبقية الشعب الادنى والارذل .. ما هو البديل ؟ برأيك البديل ؛
    كيف …..؟ ( لا يكون المثقف صمام أمان لجرائم ترتكبها السلطة ) وهذه الحملة الشرسة الغوغائية من سب وشتم ومحاولة تحجيم مثقف عملاق وقامة من قامات المثقفين وشيوعيهم الاخير الذي خرج من العراق مضطرا في الملكية والجمهورية الشاعر سعدي يوسف !!
    فعن أي مثقفين تتكلمين سيدتي ؟ وأخيراً بأختصار شديد لا يفك الحديد الا الحديد .

  5. مع الأسف هذه المرة أختلف تماما مع العنوان، وما يحاول طرحه من مفهوم للحياد، من أجل أن لا يتحمّل أي مسؤولية، لماذا؟ لأن هذه بالضبط مشكلة كل من درس اللغات وفق مناهج دولة الحداثة، فهو لا يعرف نحن لدينا لهجات أو ألسنة متعددة في الكلام، وأننا نحن أهل ما بين دجلة والنيل من اخترع علم التدوين، ولهذا كنا مهد الحضارات الإنسانية بسبب التدوين، وكان أكبر خطأ لصدام حسين وحسين كامل عام 1991 هو عدم تدوين المعجزة العراقية في كيفية إعادة إعمار العراق، بعد تهديمه في عاصفة الصحراء/أم المعارك، وكيف تم إعادة الكهرباء والماء لبغداد رغم الحصار الظالم قبل مدينة الكويت رغم كل إمكانيات الحلفاء وقتها، أتمنى أن لا يقع فيها د. حيدر العبادي ود سلمان الجميلي في عام 2017، وفي موضوع التدوين لمن لا يعلم، كان تدوين أول لغة (اللغة المسمارية)، وكان تدوين أول قانون كلغة دولة (مسلّة حمورابي)، وتدوين علم اللغة من خلال لغة كما تنطقها تكتبها، من خلال جمع كل ألسنة العرب في طريقة قراءة (لغة القرآن)، فلذلك تجده لا يستطيع التمييز بين لغة القرآن ولسان العرب في أي مجتمع، إن كان قرية أو مدينة أو دولة، في علم اللغة الذي قمنا بتدوينه في عصر التدوين، هناك فرق بين لسان المجتمع ولغة المهنة، كالفرق بين الوظيفة داخل الأسرة، عن الوظيفة في أي مؤسسة، دخول الآلة في عصر العولمة، كوسيلة للحوار بين الـ أنا والـ آخر، أعطى للغة، بُعد جديد، يتجاوز الحواس الخمس إلى ضمير الإنسان، فالحب الناتج من الاختلاط داخل إطار الأسرة يختلف بمفهوم المسؤولية ونوعيتها ،عن مفهوم الحب الناتج عن الاختلاط داخل إطار المهنة. أنا لست ضد الآلة، فالآلة أصبحت ضرورية الآن، ولا يمكن الاستغناء عنها، لكن لا بد في عام 2017 من مناهج تعليم تعمل على إنتاج موظف يقوم بتشغيل الآلة و صيانتها و تطويرها، وقبل ذلك منافستها، حتى لا يأخذ (الروبوت) الآلة مكانه في الحكومة الإليكترونية، فمن يظن أن ذكاء الآلة، أفضل من ذكاء الإنسان، جاهل كائن من يكون، ودليلي على ذلك ترجمة غوغل للغة الإنسان كممثل لذكاء الآلة، فيجب تطوير مفهوم الحكومة الإليكترونية إن كان من خلال مشروع الفاتح التركي أو مشروع القدوة السنغافوري، بل وحتى رؤية المملكة 2030، إلى مشروع صالح التايواني (اقتصاد الأسرة) في اعتماد لغة الاقتصاد، من خلال لوحة المفاتيح، والحرف، والكلمة، والجملة، كي نصل إلى عولمة الأسرة الإنسانية

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left