في ظل عزوف الشباب وسيطرة الشيوخ و«المبتدئين» على المشهد السياسي: متى تتخلص الأحزاب التونسية من عُقدة «الزعيم الأوحد»؟

حسن سلمان

Jul 18, 2017

تونس – «القدس العربي»: ما يميّز المشهد السياسي في تونس بعد الثورة هو تكاثر عدد الأحزاب وتنوع اتجاهاتها السياسية والفكرية، إلا أنه بخلاف الأحزاب الكبرى التي تسيطر عموما على المشهد السياسي والإعلامي، فإن حضور أغلب الأحزاب الأخرى يقتصر على شخص واحد يرأس الحزب ويموله ويشكل – غالبا- الناطق الوحيد باسمه وهو ما يدعو البعض للتساؤل: متى تتخلص الأحزاب التونسية من عقدة «الزعيم الأوحد»؟
ورغم أن هذه الظاهرة أو «العقدة» تنسحب على أغلب الأحزاب التونسية على اختلاف أحجامها وتمثيلها داخل السلطة والبرلمان، إلا أنها تتجلى بشكل واضح في الأحزاب الصغيرة والتي يجهل أغلب التونسيين أسماء قياداتها وعدد منخرطيها وحجم تمثيلها في البلاد، وهو ما يدفع البعض للقول إنها مجرد «أحزاب على ورق» أي أنها تمتلك ترخيصا قانونيا لكن بدون أية فعالية على أرض الواقع.
ويفسر المراقبون هذه الظاهرة بالتصحّر أو الفراغ السياسي الذي خلقه نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وهو ما دفع لاحقا عددا كبيرا من رجال الأعمال وسواهم ممن لا يمتلكون أية خبرة سياسية لتأسيس أحزاب جديدة، فضلا عن سيطرة طبقة سياسية «هرمة» على المشهد السياسي في ظل عزوف أو إقصاء الشباب من الفعل السياسي، إضفة إلى تحكم رأس المال بالمشهد السياسي والإعلامي في البلاد.
ويقول المحلل السياسي والدبلوماسي السابق عبد الله العبيدي «الزعيم الأوحد هي عقدة عربية عموما ومن الصعب التخلص منها، وفي تونس عادة ما يكون هذا الشخص هو الماسك بزمام المال والعلاقات الخارجية في الحزب، وعادة ما تقع خلافات بين قيادات الأحزاب تؤدي لانقسامات وانشقاقات داخل الحزب، لكن يمكن القول عموما إننا أمام طبقة سياسية حديثة العهد في هذا المجال، فهناك من جاء من الخارج ومن بدل مهنته انتقل إلى السياسية، وهؤلاء يبحثون عن طريقة جديدة للتموقع وتحديد وجهتهم داخل المنظومات السياسية القائمة».
ويضيف لـ«القدس العربي»: «هذا الأمر مرتبط أيضا بمصادر تمويل الحزب، فالجهات الممولة للأحزاب (داخل البلاد وخارجها) ما زال لديها أمل أن تحقق هذه الأحزاب تقدما سوء بالارتقاء إلى سدة الحكم أو المشاركة فيه على الأقل، وفي حال فشلت هذه الأحزاب في ذلك فستنقطع عنها مصادر التمويل ويالتالي قد تتجه للاندثار، وعموما ثمة انتخابات بلدية وجهوية قريبة وستؤثر بشكل كبير في المشهد السياسي، ولذلك أقول إن المشهد ما زال غير ثابت ولا أحد يستطيع التكهن كيف سيكون هذا المشهد بعد الانتخابات المُقبلة».
ويرى سمير بن عمر رئيس الهيئة السياسية لحزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» أن «المشكلة الحقيقية في تونس تتعلق بالتصحر السياسي الذي يعود أساسا لحقبة الاستبداد فضلا عن عزوف الشباب عن الفعل السياسي، فقبل الثورة كان هناك ترهيب للتونسيين من الخوض في الشأن السياسي والانخراط في الشأن الحزبي والعام وبعد الثورة ساهمت المطرقة الإعلامية وعملية الشيطنة التي تعرض لها العمل السياسي في استمرار حالة التصحر السياسي ومنع الأحزاب السياسية من الامتداد في العمق الشعبي وخلق قطيعة بينها وبين الشعب حتى يمكن للمنظومة القديمة التي تملك ماكينات كبيرة من الهمنة على المشهد السياسي».
ويضيف «ونتيجة عملية التشويه التي تتعرض لها الأحزاب السياسية، استمرت القطيعة بين الأحزاب والشارع وبات هناك صعوبة في استقطاب القيادات الشابية للعمل السياسي، ولذلك اليوم هناك حالة فراغ رهيبة على مستوى القيادات الحزبية والسياسية عموما ولم يقع أي تجديد على مستوى هذه القيادات التي باتت هرمة، وهذا الأمر يشكل تحديا حقيقيا بالنسبة للثورة التونسية التي لا يمكن أن تتقدم إلا بخلق قيادات جديدة قادرة على أخذ المشعل عن القيادات القديمة وهذا بالطبع يتطلب عملا طويلا وشاقا لنشر الوعي في صفوف الشباب وحثهم على الانخراط في العمل السياسي والحزبي».
ويرد زبير الشهودي القيادي وعضو مجلس شورى حركة «النهضة» ظاهرة «الزعيم الأوحد» أو اختزال الأحزاب بشخص رئيسها إلى أن تونس ما زال في بداية تجربتها الديمقراطية وفي إطار إعادة تشكيل المشهد السياسي بعد الثورة».
ويضيف لـ«القدس العربي»: «أعتقد أن هناك عملا كبيرا في عدد من الأحزاب التونسية للتخلص من ظاهرة اختزال الحزب ورمزيته في شخص واحد، وعموما هذا الأمر موجود في الأحزاب الكبرى والصغرى، ولكن بالنسبة للأحزاب التي فيها مبالغة في حضور رئيس الحزب ومحاولته احتكار الحزب لنفسه، فعلى كل القيادات في هذه الأحزاب أن تضغط وتتجه بعملها الحزبي إلى فكرة المؤسسة وإدارة التنوع داخلها وهذا مهم جدا للأحزاب، فبقدر ما يكون ثمة ديمقراطية في الأحزاب بقدر ما ينعكس ذلك على ممارسات قيادييها حين يتسلمون السلطة، فهم يحكمون عادة بخلفياتهم أو الطريقة التي يمارسون فيها العمل داخل أحزابهم».
وفي تونس أكثر من مئتي حزب مرخّص أغلبها غير معروف لدى التونسيين، حيث تشكل خمسة منها الحكومة، وتتقاسم أحزاب الائتلاف الحاكم التمثيل داخل البرلمان مع حوالي عشرة أحزب أخرى، فيما تشكو أغلب الأحزاب المتبقية من التهميش الإعلامي، في ظل محاولة أحزاب أخرى الدخول في تحالفات سياسية جديدة تمهيدا للانتخابات البلدية المقبلة، لتضمن لنفسها البقاء وسط مشهد سياسي سريع التبدّل.

في ظل عزوف الشباب وسيطرة الشيوخ و«المبتدئين» على المشهد السياسي: متى تتخلص الأحزاب التونسية من عُقدة «الزعيم الأوحد»؟

حسن سلمان

- -

3 تعليقات

  1. اعتقد ان اامشكلة الحقيقة التي تهدد اخوننا في تونس هو الإرهاب والفكر المتطرف لو يتجاوزون هذا سيكونون بخير وسيحققون كل أحلامهم كما أتمنى لهم حفض الله تونس وجميع المسلمين.

  2. المشكلة فى تونس وعند العرب أنه لا توجد عقيدة سياسية .مثلا البعث العربى كانت له عقيدة سياسية بغض النظر إن كانت جيدة أو سئية عقيدة “”أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة “” وين الملاين وأين الشعب العربى”” قدر أن يورث هذه العقيد لأجيال
    نظام بن على والديكتاتوريين العرب لا يملكون فكر ولا عقيدة .أنظمة مبنية على التلاعب كل يوم نوع هذا التلاعب قضى على العقيدة السياسية المشكلة أن الأجيال القادمة لا تعرف لا عقيدة ولا فكر سياسي فالخطر ربما جيل أو جيلين والمسألة والقضايا العربية ستكون فى مهب الريح وضع فكر وعقيدة سياسية فى هذه المرحلة مرحلة الفوضى أمر صعب جدا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left